خدمات تحيا مصر

د.محمد عبدالغنى يكتب:تجارب اقتصادية ناجحة اهمها التجربة البرازيلية..الحكومة والأغلبية البرلمانية المؤيدة تطبق سياسات اقتصادية خاطئة يدفع ثمنهاالمواطن البسيط..هناك بديل عن هذا العلقم حتى نتجاوز الأزمة

د.م.محمد عبدالغنى- عضو
د.م.محمد عبدالغنى- عضو مجلس النواب
استمرت الحكومة الحالية والأغلبية البرلمانية المؤيدة لها في تطبيق سياسات اقتصادية خاطئة يدفع ثمنها المواطن البسيط تحت شعار أنه الدواء المر الذي لابد من تجرعه حتى نتعافى، وأنه لا بديل عن هذا العلقم حتى نتجاوز الأزمة التي خلفتها سنوات حكم عجاف. ولم ننقطع يوما عن التأكيد على عدم صحة هذه الإجراءات وفي أحسن الأحوال عدم مناسبتها للواقع المصري. وبرغم إننا طرحنا دائماً بدائل؛ إلا أننا نجد من الأغلبية البرلمانية ومنابرها اتهاما وترويجاً بعدم تقديم بدائل، فكان لابد من وضعها مكتوبة أمام الجميع وواضحة للكافة لعل هذا يكون فاصلاً بين القول والفعل وبين اتباع سياسات حمقاء ورسم طريق جديد للمستقبل.
والحقيقة إننا قد استلهمنا عنوان سلسلة التجارب التي نعرضها من أحد أفلام ابرز نجوم الكوميديا المصرية في العصر الحديث وهو "التجربة الدنماركية" بكل ما فيها من كوميديا ساخرة إلا أننا سنرى الوجه المشرق من هذه التجارب ونضحك أو قد نبكي أنها أمامنا ولا نستطيع قراءتها ونستمر في سماع نصائح صندوق النقد المحفوظة والتي لم تنجح يوماً في أي بلد آخر.

أولاً: أسباب اختيار التجربة البرازيلية

يمكن القول إن أسباب اختيار نموذج البرازيل في التنمية والنهضة الاقتصادية يرجع إلى عدة أسباب تتمثل في تشابه العديد من الجوانب بين البرازيل وبعض الدول العربية من الطبيعة الديمغرافية والجيوستراتيجية، كما تمثل تجربة النهضة الاقتصادية في البرازيل والتي نجحت في تحقيق التنمية الاقتصادية تعتبر تجربة من دولة نامية ذات ظروف مشابهة للاقتصاد المصري والعديد من اقتصاديات الدول النامية، وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي عانت منها، إلا أنها استطاعت ان تتخطاها دون الحاجة إلى اتباع سياسات واجندات خارجية. هذا فضلاً عما يربط البرازيل والدول العربية من علاقات تاريخية، حيث يوجد بالبرازيل قرابة 12 مليون مواطن من أصول عربية (غالبيتهم من أصول لبنانية وسورية وفلسطينية)، هذا فضلاً عن التنسيق العربي البرازيلي في المواقف حيال العديد من القضايا الهامة مثل القضية الفلسطينية وقضايا دولية اخري مثل التجارة العالمية، البيئة والتغيرات المناخية، ونزع أسلحة الدمار الشامل.
وأخيراً؛ قدرة البرازيل على الرغم من التحديات التي واجهتها واقترابها من الإفلاس على تحقيق نجاح في العديد من القطاعات مثل مكافحة الفقر والجوع والصحة والطاقة والزراعة، والاستفادة من القدرات البشرية ليها واستغلال التنوع الثقافي لصالح الإنتاج، هذا ولم تقدم البرازيل تجربة يسارية فقط أو ليبرالية فقط وإنما قدمت تجربة راعت من خلالها أصحاب رءوس الأموال وكذلك المواطنين الفقراء.

ثانياً: التجربة الاقتصادية التنموية البرازيلية

مثلت البرازيل تجربة اقتصادية وسياسية ناجحة يمكن الاستفادة منها في العديد من المستويات فبعد أن عانت البرازيل لعقود طويل من زيادة معدلات التضخم والتي وصلت إلى 2500% عام 1993 وارتفاع الدين العام وعجز الموازنة، وكانت من الدول التي كانت على وشك الافلاس، إلا انها استطاعت خلال فترة قصيرة أن تصبح سادس اكبر اقتصاد على المستوى وتخطت الاقتصاد البريطاني في عام 2013، وأصبحت في عام 2015 سابع أكبر اقتصاد عالمي، وبعد أن كان صندوق النقد الدولي يرفض اقراض البرازيل اواخر عام 2002 أصبح مدينا لها بـــ 14 مليار دولار عقب ثمانية اعوام من العمل بسياسات الرئيس "لولا دا سيلفا"، وكان ذلك نتيجة سياسات وخطة وضعها الزعيم "لولا داسيلفا" والذي تولى مقاليد السلطة منذ 2003 حتى 2010 عقب فترة حكم الرئيس "كاردوسو" (1995-2002)، والذي ارتفع الدين الخارجي في عهده من 150 إلى 250 مليار دولار نتيجة تبني سياسات السوق الحر والاستدانة الخارجية، وهو ما أدى إلى طرح سندات الدين الداخلي بفوائد مرتفعة مما أدى إلى تراجع الاستثمار لشراء السندات الحكومية حتى ارتفع الدين الداخلي بنسبة 900%، ومن ثم جاء الرئيس "لولا داسيلفا" وواجه العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تمثلت في انخفاض قيمة "الريال" البرازيلي أمام الدولار، والتضخم وارتفاع مستويات الدين العام الداخلي والخارجي ومشاكل توصيل الكهرباء، والتسرب من التعليم، وتردي أحوال المدارس بشكل عام وارتفاع معدلات الجريمة وتجارة المخدرات والبطالة والجوع والفقر الحاد والتفاوت بين الطبقات...إلخ.
فقد اتبع الرئيس "لولا دا سيلفا" العديد من السياسات والبرامج التي أدت في النهاية إلى الارتقاء بالاقتصاد البرازيلي وتتمثل تلك السياسات في إعلان الرئيس بداية توليه الحكم برنامج "صفر جوع" والذي كان يهدف من خلاله إلى القضاء على الجوع والفقر في انحاء البلاد فقد نجح الرئيس "لولا دا سيلفا" خلال خمس سنوات في إفادة حوالي 24 مليون شخص، والحد من سوء التغذية بنسبة 25%، بل وتراجع نسبة سوء التغذية لدى الأطفال 46%، وقد وصفه برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة عام 2010 بلقب البطل العالمي لمكافحة الجوع؛ وذلك عبر لعب الدولة دورا أساسيا في إدارة منظومة مكافحة الجوع وتحسين الصحة والتدريب من أجل التشغيل بما يؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فقد اتبع برنامج الدعم العائلي والذي يُسمى "بولسا فاميليا" ويقوم ليس فقط على تقديم اعانات مادية للأسر الفقيرة والتي قد عرفها أنها الاسر التي يقل دخلها عن 28 دولار شهرياً، إنما قام بربطها بإرسال الأولاد إلى المدارس في خطوة منه لمحاربة التسرب من المدارس والقضاء على الأمية، فقد ارتبط البرنامج بشروط صارمة تشمل الآتي: التزام الأسرة بإرسال أطفالها للتعليم، والالتزام بالحصول على الأمصال واللقاحات للأطفال بشكل منتظم. وقد استطاع هذا البرنامج تحقيق نتائج متميزة خلال فترة حكم "لولا"، حيث وصل عدد المستفيدين إلى نحو 11 مليون أسرة، وهو ما يعني 64 مليون شخص بما يعادل حوالي 33% من الشعب البرازيلي. وقد أدى ربط برنامج بولسا فاميليا بالشروط السابقة إلى ارتفاع معدل التعليم المدرسي والذي وصل عام 2010 إلى 8.3% بعد أن كان 6.1%، وانشاء المدارس والجامعات فقد نجحت الدولة في انشاء 15 جامعة، وزيادة عدد المدارس لتصل إلى 214 مدرسة، وزيادة معدلات الالتحاق بالتعليم العالى بنسبة 63% ما بين عامي 2003 و2009. كما تم خلق فرص عمل تُقدر بـــ 14 مليون وظيفة، وارتفاع القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور بنسبة 53.6%.
هذا ولم تتوقف سياسات الدعم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية عند هذا البرنامج فقط ولكن في عام 2007 طرحت حكومة الرئيس "لولا دا سيلفا" خطة لتسريع النمو، وتنمية الأقاليم المهمشة وتحقيق عدالة التنمية، من خلال تطوير البنية التحتية من بناء طرق جديدة و2 مليون منزل وتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وهو ما أدى إلى توظيف أهالي تلك المناطق في مشروعات تطويرها مما قلل من نسبة البطالة المرتفعة، وحققت هذه البرامج مجتمعة أهدافها حيث: تراجعت معدلات الفقر بوتيرة سريعة، انخفض التفاوت في الدخل بشكل حاد، تنشيط الاقتصاد خلق الملايين من فرص العمل الجديدة، دمج فئات جديدة من السكان في سوق العمل الرسمي وسوق الاستهلاك، ومن ثم أصبح لدى البرازيل طبقة وسطى قوية والتي تعتبر ركيزة المجتمع.
هذا وقد اتبع الرئيس "لولا دا سيلفا" سياسات اقتصادية تعتمد على تشجيع الصناعة المحلية واحلال الواردات فقد قام بتغيير سياسات الاقراض؛ حيث خفض سعر الفائدة من 13.25% إلى 8.75%، وهو ما سهل عملية الاقراض وفتح فرص للمستثمرين ذوي المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وتوفير فرص عمل ورفع الطاقة الانتاجية وتحقيق معدلات نمو حقيقية، ومن ثم حل مشكلة الفقر، هذا فضلاً عن زيادة دخل المواطنين خلال العقد الأخير بنسبة 68%.
سياسة إنمائية تقوم على تشجيع الزراعة والصناعات التي تدعمها الدولة بصفة أساسية؛ فقد اعتمدت البرازيل على تصدير المنتجات الخام، واستطاعت عام 2008 خلال الازمة العالمية الاستفادة من ارتفاع اسعار المواد الخام في الاسواق العالمية، وهو أمر ساهم بشكل كبير في سد عجز ميزان المدفوعات كانت تعاني منه الدولة قبيل عام 2003، فقد قامت الحكومة بسياسات واضحة في دعم الفلاح والزراعة فقد أصبحت البرازيل من أولى الدول عالمياً في انتاج البن وقصب السكر والحوامض. فقد مثلت الزراعة 8% من الدخل القومي عام 2007. و5.5% من الناتج المحلي الخام، ويعمل بها 30% من الأيدي العاملة.
الاهتمام بمجال الصناعة؛ فقد اهتمت الدولة بالصناعات سواء البسيطة التي تعتمد على المواد الخام كالتعدين والصناعات الغذائية والجلدية والنسيج، أو الصناعات التقنية المتقدمة كصناعة السيارات والطائرات فقد مثلت شركة امبراير 37% من اسطول شركات الطيران الاقليمية في أمريكا، واخذت في التقدم نتيجة سياسات "لولا". فقد ساهم قطاع الصناعة بـــــ 37% من الناتج الوطني الخام ويشغل 24% من الأيدي العاملة النشيطة، كما مثلت الصناعة 24% من الدخل القومي عام 2007، والخدمات 62%، أما الانشاءات 6%.
هذا وقد اتضح دور الدولة في العديد من الأمور الخاصة بتنظيم العلاقة بين القطاع العام والخاص.
كذلك اهتم بتنشيط قطاع السياحة؛ فقد استطاع لولا وادارته ابتكار نوعًا خاصًّا من السياحة يُعرف بسياحة "المهرجانات"؛ فهي تمتلك تراثًا شعبيًّا شديد الخصوصية، ونجحت في الترويج لخصوصياتها، كما نجحت في استقبال 5 ملايين سائح سنويًّا، وهو ما ساهم في إنعاش الاقتصاد وتحقيق المزيد من النمو.
وأخيراً؛ لم يكتفي الرئيس "لولا دا سيلفا" بالسياسات الداخلية المحلية، ولكنه اتجه إلى التكتلات الاقليمية؛ وذلك على ثلاث دوائر افريقية، شرق أوسطية، وإقليميا بين دول أمريكا الجنوبية فقد اعتمدت على منظمة "الميروكسور"، وهي بمثابة السوق المشتركة لدول الجنوب، وتشكلت باعتبارها اتفاقية للتجارة الإقليمية بين كل من: البرازيل، والأرجنتين، وباراجواي، وأوروجواي، وذلك في 1991م، وبعضوية غير كاملة لفنزويلا، وبوليفيا. كما شكلت قمة افريقية جنوبية وتُعد اليوم رابع أكبر قوة اقتصادية في العالم. كما شكلت البرازيل مع روسيا والصين والهند مجموعة (البريكس) سنة 2009م، ثم انضمت لهم جنوب إفريقيا في 2010م، وهو تجمع لخمس دول تعد صاحبة أكبر اقتصاديات على مستوى الدول النامية، حيث يعادل الناتج الإجمالي المحلى لتلك الدول مجتمعة ناتج الولايات المتحدة. 

ثالثاً: الدروس المستفادة من التجربة البرازيلية

في النهاية يمكن القول ان هذه السياسات لم تكن لتنجح لولا توفر عدة أمور تتمثل في الآتي:
- توافر الرؤية الوضحة والارادة السياسية القوية والصدق والشفافية في التعامل مع المواطنين والشعب البرازيلي، ولعب الدولة دورا في التنمية وتوجيهها مع السماح بدور بارز للقطاع الخاص.
- تقديم حلول تتعلق بالعدالة الاجتماعية والفقر، وزيادة الطاقة الانتاجية وفرص العمل ومن ثم المساهمة في حل المشكلة الاقتصادية حيث الاعتماد الذاتي في التصنيع، بمعني أدق توفير فكر المشاركة فيما بين المواطنين والعمل الجماعي للنهوض بالاقتصاد الوطني.
- يمكن القول إن البرازيل في عهد الرئيس "لولا" كانت تقف وجيداً على حقيقة قوتها الاقتصادية؛ مما ساهمت دبلوماسيتها في عدم الدخول في صراعات اقليمية أو دولية تزيد من أعباء الدولة، فقد استطاعت البرازيل ان تقف دوماً على الحياد والابقاء على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من حملته الكبيرة لجمع أكبر تأييد لقضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفي ذات الوقت حافظ من خلال مساعيه الثنائية مع تركيا لإيجاد مخرج لازمة الملف النووي الايراني.
- الاعتماد على تنمية قطاعات تنمية حقيقية مثل القطاع الزراعي والصناعي والسياحي وهو ما تملك فيهم مصر امكانيات هائلة.
وفي النهاية تظل التجربة البرازيلية مثال يمكن الاقتداء به وتعبيراً على نجاح الدولة في القيام بدورها وليس الانسحاب منه للنهوض من عثرتها الاقتصادية دون الحاجة إلى قروض خارجية أو اجندات خارجية ومراعاة الظروف الداخلية للدولة.