خدمات تحيا مصر

مرصد الأزهر يحذر من كارثة كبرى تهدد بتدمير العالم.. «جواسيس وجنود إلكترونيين» يروجون معلومات خاطئة ويحرضون على التمرد والثورة.. وقوى كبرى تقرع طبول حرب إلكترونية مدمرة بين امريكا وروسيا

مرصد الازهر
مرصد الازهر
هل ستتغير استراتيجية الحروب في العالم خلال السنوات القليلة المقبلة؟، وهل ستصبح الطائرات والصواريخ والقنابل وجميع الآلات العسكرية الحديثة غير صالحة للإستخدام في أي مواجهات عدوانية من دولة على أخرى أو حتى دفاعية لردع الإرهابيين الذين يحرقون الأخضر واليابس في شتى بقاع الأرض؟، وهل بالفعل ستتحول الترسانة العسكرية الحديثة التي تتسابق الدول الكبرى إلى التسلح بها لمجرد «أثر» مثلها في ذلك مثل السيوف والحراب والسهام وما إلى ذلك من آلات الحرب القديمة؟.
مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، يجيب في تقرير أعدته وحدة الرصد الإسبانية على هذه الأسئلة، ويلقى الضوء على حتمية تغير طبيعة الصراع في المراحل المقبلة من تاريخ العالم، ومخاطر الاستخدام الخاطيء للشبكة العنكبوتية «الإنترنت» من قِبَل الجماعات المتطرفة وقوى الإرهاب التي يبدو أنها تتجهز لشن حرب إلكترونية ضروس، قد تفوق أضرارها نتائج المعارك الحربية بمراحل.

هجمات شرسة
التقرير الذي أعدته وحدة الرصد الإسبانية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، هو قراءة متأنية في تقرير حمل عنوان: «الإنترنت.. أداة للحروب في القرن الحادي والعشرين»، أصدرته الأكاديمية الوطنية للدراسات السياسية والاستراتيجية ANEPE التابعة لوزارة الدفاع الإسبانية، وأعدته الدكتورة «خيما سانشيث مِديرو»، مدرس العلوم السياسية بجامعة مدريد المركزية.
الأكاديمية الإسبانية للدراسات السياسية والاستراتيجية، ذكرت في مستهل صفحات تقريرها أن مؤسسة «McAfee» لأمن المعلومات، أكدت في تقريرها السنوي الذي جاء تحت عنوان: «الجريمة الإلكترونية» أنه خلال العقود المقبلة سيكون من المحتمل جدًا خوض «حرب إلكترونية باردة» يقوم بها «جواسيس وجنود إلكترونيون».
التقرير ذاته يضيف: أنه على الرغم من مميزات الشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، إلا أن فكرة تبعية دول الغرب لوسائل التكنولوجيا الحديثة يجعلها عرضة لهجمات شرسة على مختلف الأصعدة التي من أبرزها: الإختراق المعلوماتي للمؤسسات الأمنية والاقتصادية والسياسية وغيرها من الجهات الحيوية، كما أن هناك أضرار سيكولوجية ونفسية أخرى قد يسببها الإنترنت لدى الأشخاص، وبالإضافة إلى ما سبق فإن هناك خطورة كبرى تكمن في استغلال قوى الإرهاب للشبكة العنكبوتية في تحقيق أغراضها.

مفهوم الحرب الإلكترونية
وفي هذا السياق لابد من التفرقة بين مفهوم الحرب الإلكترونية «Ciberguerra»، وبين «الإرهاب الإلكتروني»؛ فالأولى يمكن تعريفها بأنها اعتداء تُحركه دولة للإضرار بقدرات دولة أخرى، بهدف إجبارها على قبول أمر ما عن طريق تهديد أنظمة اتصالاتها أو تدميرها والإضرار بقواعد بياناتها، وهذه كلها مؤشرات لبداية حرب إلكترونية، وعلى ذلك فإن الاعتداء ووقوع الضرر يتركز في الجانب المعلوماتي التقني.
والحرب الإلكترونية لها عدة أهداف، أبرزها: «الاستغلال» ويستهدف من خلاله المهاجم في المقام الأول الحصول على معلومات من المستخدمين عن طريق الاختراق الإلكتروني، و«الخداع» وهو يقوم على أن يسمح المهاجم للمستخدمين بمواصلة العمل، لكنه يتلاعب بالمعلومات التي يجمعونها، و«التدمير» ويتمثل في أن يجعل المهاجم الهدف غير قابل للتشغيل، فإما أن يدمر الهدف أو النظم اللازمة للعمل، و«التدخل» أو «قطع الخدمات الإلكترونية» وفيه لا يدمر المهاجم الهدف، ولكنه يضعه خارج الخدمة لفترة.
ومن خصائص الحرب الإلكترونية، أنها معقدة وقصيرة المدى ومحدودة الأهداف، وفي الوقت ذاته مدمرة كأي معركة عسكرية ومتسعة في الفضاء الإلكتروني، وبالإضافة إلى ما سبق هناك خاصية شديدة الخطورة لهذه النوعية من الحروب وهو أنه قد يكون الأفراد المنفذين للحرب الإلكترونية عددهم قليل، إلا أنهم يستطيعون إضرام نيران حرب على مستوى القارات، ومما يزيد من خطورتها أيضًا أنها يُمكن أن تُشن من أي مكان، ويصعُب الإيقاع بالمهاجمين الإلكترونيين بسهولة لأن هجماتهم تكون في أغلب الأوقات مفاجئة.
وحتى وقتنا الراهن لا يمكننا القول بإن حربًا إلكترونية قد شُنّت في العالم، وكل ما حدث هو مجرد محاولات محدودة لمنظمات إرهابية تسعى إلى اختراق البنية التحتية الاستراتيجية لدول بعينها، لكنها لم تحقق أضرارًا تذكر.
أما «الإرهاب الإلكتروني» الذي هو التقاء الفضاء الإلكتروني والإرهاب؛ فيمكن تعريفه بأنه طريقة استخدام الإرهاب لتكنولوجيا المعلومات من أجل التخويف وإلحاق الضرر بالمجتمعات لأغراض «سياسية - دينية»، ويتضح لنا من هذا التعريف أنه نوع من استبدال الأسلحة والقنابل بالحواسيب لإلحاق أكبر أضرار ممكنة بالمجتمعات المدنية.

الجماعات الإرهابية والإنترنت
وفيما يتعلق باستخدام الجماعات الإرهابية للشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، فإن عناصرها يستخدمون هذه التكنولوجيا بشكل سلبي، ويسعون من وراء ذلك إلى تحقيق عدة أهداف، أهمها: «الحصول على التمويل»، حيث تطلب هذه الجماعات من متابعيها عبر الصفحات الإلكترونية التبرع عن طريق بطاقات الدفع الإلكترونية على سبيل المثال، أو عن طريق تحويل الأموال والاستيلاء عليها عبر وسائل النصب الإلكتروني بكافة أشكاله.
الأهداف التي تسعى الجماعات الإرهابية أيضًا إلى تحقيقها من خلال استخدامها السلبي للشبكة العنكبوتية «الإنترنت»: «شن حرب نفسية ضد مناهضيها وأعدائها»، ومن أشكال الحرب النفسية على الإنترنت ترويج المعلومات الخاطئة وبث التهديدات الإرهابية ونشر صور للعمليات التي تنفذها، ومن ذلك مقاطع فيديو عن التعذيب وقتل الرهائن والعمل على بث الشبهات والإشاعات وهدم الثوابت والتحريض على التمرد والثورة.
ويأتي «تجنيد عناصر جديدة»، في مقدمة الأهداف الهامة والرئيسية التي تسعى الجماعات الإرهابية إلى تحقيقها من خلال الاستخدام السلبي للشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، وتجنيد العناصر الإرهابية الجديدة أشبه ما يكون بعملية اجتذاب الزبائن عن طريق الإعلانات، حيث يتم التركيز على أكثر المهتمين وخاصة من لديهم كفاءات يمكن الاستفادة منها، وهناك أيضًا هدف آخر، وهو: «التواصل فيما بين أفراد التنظيمات»، حيث يعتبر الإنترنت وسيلة رخيصة وفعالة في التواصل بين القيادات الإرهابية وجميع العناصر، وتجدر الإشارة إلى أن الجماعات المتطرفة تستخدم تقنيات متطورة لتفادي التصنت على المحادثات أو تتبعها عن طريق التشفير واختزال الرسائل واستخدام الإشارات التنبيهية عند محاولات الاختراق المعلوماتي، كما يستخدم المتطرفون حسابات مؤقتة بأسماء عادية مألوفة على سبيل التمويه.

التنسيق وتنفيذ المخططات
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره، فالشبكة العنكبوتية أصبحت «الإنترنت»، إحدى أهم وسائل التنسيق والتخطيط التي تستخدمها الجماعات المتطرفة لتنفيذ هجماتها الإرهابية، وخاصة تلك الهجمات التي تنفذها «الذئاب المنفردة»، لكن الطابع الإلكتروني في هذه الحالة يمكن أن يكون موجهًا بطريقة مباشرة لبث نوع من الفيروسات المدمرة أو ربط الحرب النفسية بالهجمات الإرهابية لإحداث حالة من الهلع والارتباك، ولهذا تولي الجماعات الإرهابية عناية خاصة للتدريب الإلكتروني، فعلى سبيل المثال يمتلك تنظيم القاعدة في باكستان حقل تدريب يهدف إلى تشكيل أعضاء لديهم قدرة فائقة في مجالات اختراق النُظُم الحاسوبية وإجادة تنفيذ الحرب الإلكترونية.
كما تعد الشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، أحد مصادر المعلومات الرئيسية - إن لم تكن أهمها - حيث تُوفر الآلاف من الصفحات المعلومات التي يعتمد المتطرفون على بعضها للحصول على كل ما يحتاجون إليه من معلومات مثل: الخرائط والتوقيتات والصور وغيرها من وسائل تمكنهم من الوصول إلى أهدافهم، وتفيدهم في تعلم طرق صناعة الأسلحة والمتفجرات.

استخدام الدول للإنترنت
ويختلف استخدام الدول للشبكة العنكبوتية، فالدول تستخدم «الإنترنت» لتحقيق أهداف عديدة، أبرزها: «جمع المعلومات عن أعدائها الافتراضيين»، وذلك عن طريق القيام بنشاطات التجسس وجمع المعلومات واختراق الصفحات الخاصة والبريد الإلكتروني للعناصر المشتبه بها، وكذلك «الإضرار بمصالح دول مُعادية» وهو ما يعد حربًا إلكترونية مباشرة قد تتزامن مع اشتباكات حربية ميدانية، وهي تجربة خاضها حلف شمال الأطلسي «NATO» أثناء معاركه الميدانية.
وتستعد الدول وكذلك الجماعات الإرهابية، لخوض الحرب الإلكترونية المحتملة عن طريق التحكم في النظم الإلكترونية، وتكوين جيش إلكتروني مدرب، وتأسيس إدارات ذات طابع حكومي دفاعي لمواجهة الهجمات الإلكترونية.
والتحكم في النظم الإلكترونية يتم عن طريق تقنيات وأنظمة متعددة منها نظام «إتشيلون» (Echelon) والذي ابتكرته الولايات المتحدة للتحكم في اتصالات الاتحاد السوفييتي وذلك منذ سبعينيات القرن الماضي، وهناك نظام «إنفوبول» (Enfobol) والذي ظهر في أوروبا منذ بدايات القرن الحالي، ويضاف إلى هذه الأنظمة ما يسمى بـ«الإنترنت الخفي» (Dark Web) وهو مشروع نفذه معمل الاستخبارات بجامعة «أريزونا».
وقد تحدثت الكاتبة الإسبانية «يولاندا كينتانا» (Yolanda Quintana)، في كتابها الذي صدر مؤخرًا بعنوان: «الحرب الإلكترونية.. كل ما لا تعرفه عن التهديدات الجديدة والحروب التي بدأت على شبكة الإنترنت»، عن آخر تهديدات الحرب الإلكترونية وشرحت أشكالها، وأكدت أن القوى السياسية الكبرى في العالم تشن حاليًا حربًا إلكترونية عنيفة ضد بعضها البعض لإثبات قوتها وفرض سيطرتها على العالم، كما يعد الإرهاب هدفًا أساسيًا للحرب الإلكترونية؛ مشيرًة إلى أن هناك حربًا إلكترونية قد نشبت بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية تعد الفيروسات هي سلاحها الفتاك، والهدف من هذه الحرب هو تحقيق مصالح دولية كبرى، وهذا مبرر قوي لدى الدولتين لشنها.
و«كينتانا»، تشير بما ذكرته إلى «جرائم إلكترونية» تقوم بها روسيا على سبيل المثال، بالإضافة إلى محاولاتها ودول أوربا الشرقية لشن حرب إلكترونية، وهناك مسألة هامة للغاية نوّهت إليها الكاتبة وهي أن الكثير من وسائل الإعلام تعتبر أن نشاط الإرهابيين برمته حربًا إلكترونية أو إرهاب إلكتروني من الدرجة الأولى، وهو ما يعنى إساءة استخدام مصطلح «الحرب الإلكترونية»، وإدخال مصطلحات غير دقيقة عليها، مثل مصطلح «هجوم إلكتروني» تشبيهًا بالهجوم العسكري.
والكاتبة الإسبانية «يولاندا كينتانا»، تعتبر الحرب الإلكترونية شكلًا من أشكال الإرهاب الإلكتروني، خاصة وأن الهدف من هذه الحرب هو التدمير والسيطرة على العالم، وفي الوقت ذاته لا تستبعد فكرة انضمام قوى جديدة لهذه الحرب مثل الصين، ويبدو أن التفوق التكنولوجي لهذه الدول سوف يتحول إلى تهديد لقوى أخرى معادية لها.

تغير طبيعة الصراع
ويرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن طبيعة الصراع ستتغير حتمًا في المراحل المقبلة من تاريخ العالم، لكنه في الوقت ذاته لا يخفي قلقه من مخاطر الاستخدام الخاطيء للشبكة العنكبوتية من قِبَل الجماعات المتطرفة وقوى الإرهاب التي يبدو أنها تتجهز لشن حرب إلكترونية ضروس، قد تفوق أضرارها نتائج المعارك الحربية بمراحل، حيث يعد الفضاء الإلكتروني أكثر رحابة وأشد خطورة من غيره من ميادين الحرب.
كما يعرب مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، عن قلقه أيضًا من استخدام العالم للتقنيات الحديثة في الأغراض التي قد تدمر البشرية وحضارتها - وهي التي تبحث عن رفاهية التكنولوجيا - وهو ما يجعل الخوف يطارد أحلام الرفاهية، وربما يحولها إلى كابوس مظلم تنسج الحرب خيوطه في فترة وجيزة قد لا تساوي في حسابات الزمن شيئًا.