في باريس., وفد قضاة من الجزائر يبحث تسريع استرداد الأموال المنهوبة وتسليم المتهمين بالفساد
أجرى وفد قضائي جزائري رفيع المستوى وصف بالهام مباحثات مكثفة في العاصمة الفرنسية باريس تركزت حول سبل تسريع إجراءات استرداد الأموال المنهوبة والعمل على تسليم مطلوبين لدى العدالة في الجزائر متهمين بقضايا فساد ثقيلة حيث ضمت التشكيلة القضائية مسؤولين بارزين من بينهم النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر بالإضافة إلى عدد من الكوادر الفاعلين في وزارة العدل الجزائرية بغية الدفع بالملفات القضائية العالقة وتجاوز العقبات الإدارية والقانونية السابقة بين البلدين
الزيارة التي قام بها الوفد القضائي تندرج مباشرة في سياق تعزيز التعاون القضائي المتكامل بين الجزائر وفرنسا وجاءت لتستكمل المباحثات التي بدأها وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة الجزائرية في الثامن عشر من شهر مايو الماضي والتي شكلت مناسبة سانحة أبدى فيها الطرفان رغبة قوية ومشتركة في طي صفحة الانسداد والجمود التي طبعت التبادلات القضائية والأمنية بين الدولتين
وتشير المصادر الإعلامية إلى أن هذه الخطوة تأتي بعد فترة من الفتور الدبلوماسي الذي أدى إلى توقف أشكال التعاون والتنسيق بين البلدين في صيف عام 2024 بسبب استياء الجزائر الكبير من الموقف الباريسي المنحاز للمغرب في نزاع الصحراء غير أن الرغبة المشتركة في معالجة الملفات الأمنية والاقتصادية الملحة أسهمت في إعادة إحياء قنوات التواصل القضائي والسياسي من أجل تحقيق مصالح متبادلة وضمان عدم إفلات المتهمين بالفساد من العقاب والملاحقة القضائية
ملفات ثقيلة على طاولة المفاوضات القضائية بباريس
يقع ملف الأموال المنهوبة والممتلكات غير المشروعة في عمق المحادثات الساخنة والجارية حاليا بين فرنسا ودولة الجزائر حيث يتسم هذا الموضوع بحساسية بالغة وبالغة الأهمية بالنسبة للسلطات الجزائرية التي تسعى جاهدة منذ عدة سنوات لاسترجاع كافة الأصول والعقارات المحجوزة على الأراضي الفرنسية والتي يعود التنازل عنها وتملكها لمسؤولين ورجال أعمال سابقين أدينوا بأحكام قضائية باتة في قضايا فساد وتبييض أموال وضخ مبالغ ضخمة بالخارج
ووفق التقارير الصادرة عن السلطات الفرنسية فقد جرى تسجيل ما يقارب مائة طلب جزائري رسمي للإنابة القضائية الدولية في هذا الإطار الخاص بملاحقة الأملاك وتجميدها وتشمل الإجراءات الحالية أيضا ملفات تسليم الأشخاص المطلوبين لدى القضاء في الجزائر بتهم فساد مالي وإداري كبرى وعلى رأسهم وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب الذي رفضت محكمة استئناف فرنسية العام الماضي تسليمه بدعوى عدم توفر شروط المحاكمة العادلة في بلاده
وإلى جانب هذه القضايا الحساسة يجري الجانبان تنسيقا أمنيا وقضائيا رفيع المستوى حول مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية لا سيما شبكات التهريب والاتجار بالبشر والمخدرات التي تنشط بكثافة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وكانت هذه الملفات قد أثيرت بقوة خلال زيارة وزير العدل الفرنسي إلى الجزائر برفقة قضاة فرنسيين رفيعي المستوى ومتخصصين في مكافحة القضايا المالية المعقدة والجريمة المنظمة بمختلف أشكالها وتفرعاتها الدولية
أزمة الهجرة غير النظامية وتأشيرات الدخول
وتضمنت أجندة الوفد القضائي في فرنسا ملفا بالغ الحساسية والتعقيد يتعلق بالرعايا الجزائريين الموجودين في وضعية غير نظامية على الأراضي الفرنسية وإجراءات ترحيلهم حيث يعرف هذا الملف الشائك إعلاميا بأزمة تجميد التراخيص القنصلية من طرف القنصليات التابعة لدولة الجزائر في فرنسا وهو إجراء قانوني وإداري يعد شرطا أساسيا وإلزاميا لترحيل أي مهاجر غير نظامي وإعادته إلى وطنه الأم وفق الاتفاقيات الثنائية الموقعة سابقا
وحسب قراءة المراقبين والمحللين السياسيين فإن باريس ترغب بشدة في إضفاء مرونة أكبر وسرعة أشمل على آليات التعاون الإداري والقضائي المرتبطة بتحديد الهوية الوطنية للأشخاص المعنيين بقرارات الإبعاد والترحيل القسري وهو موضوع يشكل بانتظام محور النقاشات الثنائية الحادة بين الطرفين في وقت ترفض فيه الجزائر دائما تناول هذا الملف الحساس من زاوية أمنية بحتة وتصر على معالجة شاملة تدمج التأشيرات وحركة الطلاب
وتشدد المقاربة الرسمية التي تتبناها الجزائر على ضرورة ربط ملف الهجرة غير النظامية بتسهيل حركية التنقل القانوني للأشخاص ومنح التأشيرات للراغبين في السفر وتسهيل تنقل الكفاءات والطلبة والباحثين نحو فرنسا ورغم هذا التباين الواضح في الرؤى السياسية والأمنية بين العاصمتين فإن التنسيق الميداني المستمر يظل أمرا حتميا لا غنى عنه نظرا لخطورة التحديات والرهانات المشتركة التي تواجه مصالح البلدين في حوض المتوسط
تنسيق براغماتي ودوافع تطبيع العلاقات الثنائية
وقد هيمنت ملفات ملاحقة مسؤولي الحقبة السياسية السابقة واسترجاع الأموال المهربة إلى الخارج لا سيما نحو المقاطعات والعاصمة الفرنسية على جدول أعمال المباحثات المكثفة التي أجراها في باريس مطلع الشهر الحالي وزير الداخلية في الجزائر سعيد سعيود مع نظيره الفرنسي لوران نونيز حيث سلمت السلطات الجزائرية عبر القنوات القضائية والدبلوماسية الرسمية نظيرتها الفرنسية قائمة مفصلة باسم وزراء ومسؤولين نافذين سابقين يقيمون حاليا على أراضيها بهدف توقيفهم
وتسعى هذه الخطوة التمهيدية إلى الحجز التحفظي على ودائعهم المصرفية ومصادرة أملاكهم العقارية في مرحلة أولى تسبق عملية استردادها نهائيا لصالح الخزينة العمومية في الجزائر حيث يأتي على رأس القائمة وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب إلى جانب القائد الأسبق لجهاز الدرك الوطني الجنرال غالي بلقصير الذي تشير تقارير صحافية دولية إلى إقامته في جزيرة فانواتو بالمحيط الهادئ بينما تتركز حساباته واستثماراته المالية في فرنسا
وتعكس زيارة الوفد القضائي الأخيرة إلى باريس دفعة جديدة وقوية لمسار تطبيع العلاقات الشاملة بين الجزائر وفرنسا حيث تبدو العاصمتان عازمتين بعد فترة طويلة من التشنج الدبلوماسي الحاد على تجاوز الخلافات العميقة وتبني قواسم مشتركة تقوم على الشراكة الأمنية والقضائية المتينة ومحاربة الفساد المالي وتفكيك شبكات الجريمة العابرة للحدود والتصدي لتزوير الوثائق والمستندات الرسمية ومجابهة التدفقات المستمرة للمهاجرين غير النظاميين عبر البحر
تطبيق نبض
