خدمات تحيا مصر

د.محمد صلاح أبوسيد يكتب..أزمة النفط واثرها على إقتصاد مصر

د.محمد صلاح ابوسيد
د.محمد صلاح ابوسيد
تراقب دول العالم أجمع الهبوط السريع في أسعار النفط وتاثيره السياسي والإقتصادي على العالم. فقد انخفض سعر برميل النفط في أسواق العالم بنسبة 75% في أقل من عام ليصل إلى 26 دولاراً للبرميل بعد أن وصل إلى 100 دولار في سبتمبر 2014. ويتسال الخبراء والعلماء وكذلك المثقفين وعامة الشعب عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الهبوط الحاد والغير مسبوق. ويتجه بعض المحللون الى إعطاء هذه الظاهرة صبغة سياسية بينما يراها البعض على أنها تعود إلى اعتبارات اقتصادية. وبغض النظر عن المسبب الحقيقي للازمة فانها وبلا أدنى شك تعتبر من أكبر الانهيارات في أسعار النفط. ليس من حيث السعر للبرميل ولكن من حيث معدل الهبوط. وسيتناول هذا المقال أسباب الأزمة وتاثيرها على الاقتصاد العالمي والاقليمي والمحلي.

معدل هبوط أسعار النفط 

شهدت السوق النفطية منذ الثلث الأخير من العام 2014 انخفاضاً في الأسعار غير معهود منذ العام 2003 ، حيث واصلت الهبوط بشكل كبير ومتسارع إلى ما دون الـ 26 دولاراً للبرميل الواحد، وبالتالي فاننا نستطيع أن نسمي هذا إنهياراً وليس هبوطاً نظراً لانة تم في فترة زمنية قصيرة. وأن ما جرى من انخفاض لسعر النفط من 114 دولارا للبرميل إلى أدنى من 26 دولارا، بمعدل تدنٍّ بلغ أكثر من 75 في المائة خلال بضعة أشهر. ويوضح الشكل البياني التالي الهبوط في أسعار برميل النفط لمزيج خام برنت والذي يؤخذ كمقياس عالميلأسعار النفط.

الأسباب الحقيقية وراء هبوط أسعار النفط

إختلف المحللون السياسيون مع خبراء الصناعة المتخصصون في مجال النفط و الاقتصاديون في تفسير ظاهرة الانهيار هذه نظرا لتواجد أسباب متعددة كما يراه كاتب هذا المقال. ولكي يتم شرح وجهت نظر الكاتب فانه لابد من إعطاء فكرة سريعة ومختصرة عن إنتاج النفط العالمي والعوامل والمؤسسات وكذا المنظمات الدولية التي تتحكم في كميات الانتاج وسعر النفط.

1) ونبدا بمنظمة الدول المصدرة للبترول (الاوبك) و هي منظّمة عالمية ومقرها بمدينة فينا بالنمسا ويبلغ عدد الأعضاء بها إثناعشرة دولة تعتمد هذه الدول إعتماداً كلياً على صادراتها النفطية كمصدر أساسي للدخل. تتكون المنظمة من المملكة العربية السعودية، الامارات، الكويت، العراق، ليبيا، الجزائر، قطر، إيران، نيجيريا، أنجولا، الاكوادور و فنزويلا . وتتحكم الدّول الأعضاء في هذه المنظّمة في 40% من الناتج العالمي و 70% من الاحتياطي العالمي للنّفط. 

ومما سبق يتضح أن المنتجين من خارج منظمات الاوبك يتحكمون في 60% من إنتاج العالم و في مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والمكسيك والبرازيل وغيرها. وحسب الاتفاقات المبرمة بين منظمة الاوبك و الدول المنتجة خارج المنظمة فان لكل دولة حصة من الانتاج النفطي من المفروض ألا تتعداها لكي لا يزيد المعروض عن المطلوب من النفط.

2) الصخر الزيتي
الصخر الزيتي هو نوع من الصخور الرسوبية التي تحتوي على مواد عضوية تسمى الكيروجين، والتي يمكن تسخينها وفصلها ومعالجتها لإنتاج الطاقة او النفط الخام الاصطناعي، ويمكن معالجة الصخر الزيتي وتصفيته ليتحول الى ديزل ووقود الطائرات وبنزين. و تقود الولايات المتحدة الأمريكية ثورة باستخراج الصخر الزيتي منذ عدة سنوات وباستخدام تكنولجيا حديثة استطاعت أن تضعف انتاجها تقريباً خلال الخمس سنوات الماضية لتقترب ولاول مرة من المملكة السعودية. 

السبب الرئيسي للانهيار 
 
منذ عشرات السنين كانت السعودية أكبر دولة منتجة للنفط و تملك تأثيراً كبيراً على أسعار النفط كما كان ومازال للسعودية نفوذ قوي داخل منظمة الاوبك خاصةً وأن معظم دول المنظمة من الدول العربية الصديقة للمملكة. ولما كانت السعودية تضخ ضعفي النفط الخام الذي كانت تنتجه الولايات المتحدة، لكن النفط الأمريكي ضرب التوقعات مع ثورة باستخراج الصخر الزيتي خلال السنوات الماضية، مما أدى الى تغير معادلة الطاقة العالمية، واليوم تنتج الولايات المتحدة ما يقارب الإنتاج السعودي من النفط. بلاضافة الى الزيادة المتزايدة في الانتاج لكل من روسيا والزيادة المتوقعة للانتاج من إيران خاصة بعد رفع الحظر عليها فقد اتفقت السعودية مع الامارات والكويت واستطاعوا إقناع باقي أعضاء الاوبك على عدم خفض الانتاج منذ بداية الهبوط. ومازلت تقود هذه الاستراتيجية حتى يومنا هذا ويؤيدها تاييداً كاملاً دول الخليج. ويأمل السعوديون بهذه الطريقة أن يخرجوا منتجي النفط الأمريكيين من اللعبة على المدى الطويل بإبقاء الأسعار منخفضة، وبهذه الطريقة فإن السعوديين يمكنهم استعادة الحصة التي أخذها الأمريكيون من السوق النفطي.

وقد صرح العديد من وزراء النفط في دول الخليج في موتمرات وندوات عقدت في الأشهر الماضية أن بلادهم ممثلة بمنظمة الاوبك تريد من المنتجين خارج أوبك ان يتعاونوا مع منظمتهم في المستقبل لأن المنظمة لن تخفض الانتاج من جانب واحد وتخسر نتيجة لذلك حصة في السوق. و تتضح وجهة نظر السعودية وحلفائها في منظمة الاوبك من خلال تصريح وزير النفط السعودي علي النعيمي الذي سبق أن قال إن بلاده هدفها من تخفيض الأسعار إخراج المنتجين الهامشيين الذين أغرقوا الأسواق بالنفط، واستفادوا من ارتفاع الأسعار. في إشارة إلى النفط الصخري الأميركي، وأشار إلى أن بلاده سوف تظل تنتج حصتها حتى لو وصل سعر النفط إلى عشرين دولاراً، واعتبر الوزير أنه من غير العادل مطالبة "أوبك" بتقليص إنتاجها إذا لم يقم المنتجون خارج المنظمة بالخطوة نفسها، وقد أضاف المنتجون المستقلون حوالي ستة ملايين برميل يوميا إلى المعروض.

وربما يتسائل البعض كيف أن دول الخليج العربي وهي دول نفطية تتبع هذه الاستراتيجية التي تودي علي نقص حاد في مواردها المالية مما يؤثر سلباً على اقتصادها (كما نشرح لاحقاً في هذا المقال) ويمكن الرد على هذا الاستفسار بان دول الخليج (ما شاء الله) لديهم وفرة مالية تكفي لسنوات حتى مع إنهيار السعر أكثر من ذلك كما أن الإحتياطي الهائل الذي رزقهم الله سبحانه وتعالى يقاس بحوالي 60% من إحتياطي العالم. لذلك فانهم يريدون في المقام الأول إعادة التوازن إلى الأسواق والمحافظة على حصص الدول داخل وخارج منظمة الاوبك. ويوضح الشكل التالي قيمة إحتياطي النفط في دول الخليج وباقي أنحاء العالم.

أسباب إقتصادية للانهيار

ويرجع علماء الاقتصاد هذا الهبوط الحد في أسعار النفط لعوامل إقتصادية بحتة ومنها:

1. زيادة الكمية المعروضة من النفط في السوق خاصةً من الدول خارج منظمة الاوبك وعدم إنصياع دول الاوبك الى التقليد السائد بخفض الانتاج عند هبوط الاسعار ليقل المعروض.

2. نقص الطلب على النفط خاصةً من الدول المستهلكة مثل الصين والهند نتيجة الركود الاقتصادي

تاثير أسعار النفط على الاقتصاد العالمي

تتعرض الدول المنتجة للنفط لخسائر بمليارات الدولارات وتعد المملكة العربية السعودية وروسيا من أكثر الدول المتضرره تليهم الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، فنزويلا، وكذا دول الخليج العربي مثل الامارات العربية المتحدة والكويت والعراق. وتتراوح قيمة الخسارة اليومية من 2-10 مليون دولار، مقابل كل دولار في تراجع أسعار النفط، بناء على إنتاج الدولة من النفط. ويودي هذا التراجع في الأسعار إلى نقص حاد في دخل الدولة وعجز في ميزانية الدولة مما ينتج عنه هبوط في عجلة الانتاج، وإرتفاع نسبة البطالة كما يصاحب هذا زيادة في معدل التضخم. ويتفاوت هذا التاثير من بلد إلى أخرى بناء على إحتياطي الدولة الاستراتيجي من النقد والمخزون الاستراتيجي من النفط. 

وعلى الجانب الأخر فقد اسهم إنخفاض أسعار النفط في تخفيض الأعباء الإقتصادية والمالية للعديد من دول العالم وذلك عن طريق تخفيف العبى المالي على مستهلكي النفط وخاصة الفقراء الذين تتعلق أسعار السلع التي يقومون بشرائها على أسعار النفط. ويؤدي هذا إلى خفض أسعار السلع الأساسية في هذه الدول وإنخفاض في معدلات التضخم. وتعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أكثر الدول إستفادة من هذا الهبوط في أسعار النفط.
تاثير أسعار النفط على الاقتصاد المحلي في مصر.

تتميز مصر بان اقتصادها يعتبر اقتصادا متنوعا، بمعنى أنه لا يعتمد بشكل أساسي على مصدر واحد للدخل مثل معظم دول الخليج التي تعتمد إعتماداً كلياً على النفط كمصدر أساسي للدخل. وتعتمد مصر في دخلها القومي على التجارة الخارجية و قناة السويس والبترول والسياحة و كذا التحويلات المالية للمصرين العاملين بالخارج وغيرهم. وعلى الرغم من أن مصر لا تعتمد بشكل أساسي على النفط فان تدهور أسعار النفط كان له تاثير إيجابي وأخر سلبي على الإقتصاد المصري.

1. التاثير السلبي: إن الانحدار القاسي في أسعار النفط توثر سلبياً على دخل دول الخليج خاصةً المملكة العربية السعودية والكويت والامارات والذين يصبون المليارات من الدولارات كاستثمار خليجي في مصر بالاضافة لحجم التبادل التجارى بين دول الخليج ومصر ناهيك عن حجم المنح والدعم المنقطع النظير خاصةٍ بعد ثورة 30 يونيو. وبالتالي فان الإنخفاض الحاد في الأسعار يؤثر سلبياً بدرجة كبيرة على كل ما سبق من مساعدات واستثمارات لمصر. و تعول الحكومة بشكل كبير على الاستثمارات من دول الخليج لعمل مشاريع وزيادة حجم الانتاج مما يقلل من حجم البطالة ويصل لمعدل نمو مقبول وكذا معدل تضخم مناسب .

ومما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الإنخفاض يوثر على حجم المشاريع وبالتالي حجم العمالة الأجنبية في الدول الخليجية ومنها العمالة المصرية مما ينعكس سلباً على حجم تحويلات العاملين بمنطقة الخليج، و التي تمثل مصدراً مهماً للدخل من العملة الأجنبية لمصر. ويمثل حجم العاملين بمنطقة الخليج حوالي 67% من حجم المصريين العاملين بالخارج، وتصل إجمالى تحويلاتهم للداخل حوالي 13 مليار دولار من أصل 20 مليار دولار هى إجمالى تحويلات المصريين بالخارج خلال عام 2015. 

2. التاثير الايجابي: يعتبر إنخفاض أسعار النفط من أفضل الهدايا التي تلقتها الحكومة الحالية والسابقة التي عاصرت مرحلة الهبوط في الأسعار حيث من المعلوم لدى الجميع أن الحكومة في مصر منذ زمن بعيد تدعم أسعار البنزين والغاز وتنفق عشرات المليارات سنوياً لدعم المواد البترولية التي يستهلكها الشعب. وبالتالي فان هبوط أسعار النفط إلى الربع كما حدث في خلال عام سيجعلها تنفق مبلغ أقل بكثير لكي تدعم مشتقات النفط مما يوفر الفرصة لاستخدام هذه الأموال في مشاريع أخرى أو على الأقل تخفيف العبى على الحكومة.
مما سبق يتضح أن التاثير السلبي لهبوط أسعار النفط على الاقتصاد المحلي أكثر بكثير من الايجابي.

توقعات الكاتب لاسعار النفط 

كما أوجزنا في المقال فان السعودية وحلفائها لن تتراجع عن موقفها في الوقت القريب ولن تتخذ الاوبك قراراً بتخفيض الانتاج قبل مرور عدة شهور على الأقل. ولكن على الجانب الأخر فان رفع الحظر عن إيران سيودي بلامجال للشك لزيادة المعروض من النفط على المطلوب مما يدفع بهبوط الأسعار لفترة ليست قريبة.
 
وعلى الجانب الأخر فان إستمرار هبوط الأسعار بهذا الشكل سيقود مئات الشركات الأمريكية التي تكونت ونمت في خلال الخمس سنوات الأخيرة، إعتماداً على المكسب الهائل من استخراج الصخر الزيتي، الى تخفيض حاد في العمالة وزيادة البطالة في الولايات الأمريكية وكذا التقلص المتزايد في حجم الاستثمارات في هذا المجال مما يمثل ضغطاً على الحكومة الأمريكية ويدفعها إلى تخفيض انتاجها من النفط . وتتكرر نفس الصورة في روسيا والبرازيل وغيرها من البلاد خارج منظمة الاوبك مما يودي إلى تخفيض الانتاج العالمي من خارج منظمة الاوبك وبالتالي سيدفع بالدول الأعضاء في الاوبك إلى تخفيض انتاجها من النفط وزيادة أسعار النفط. 

ويتوقع الكاتب أن يتحقق هذا في الأشهر الأخيرة من العام 2016 أو بداية العام 2017 حيث سيرتفع سعر البرميل إلى حد أقصى 70$ للبرميل مع منتصف العام 2017 وهذا سعر زهيد جدا لما ينبغي أن يكن عليه أسعار النفط وبعمل مقارنة بسيطة بين سعر برميل النفط وسعر برميل من اي من المشروبات الغازية فان البرميل يساوي حوالي 160 لتر وبمعلومية أن لتر واحد من المياه الغازية يمكن شرائه من السوق بمبلغ دولار تقريباً وبالتالي فان سعر برميل المياه الغازية يساوي 160$ بينما سعر برميل النفط يساوي 26$ وهذة مفارقة غريبة جدا. ويوضح الشكل الساخر المرفق المقارنة بين سعر برميل النفط ووجبة عائلية.