ألمانيا على مفترق الطريق.. ارتفاع في الإنتاج الصناعي يعيد رسم ملامح الاقتصاد الأوروبي
أظهرت بيانات حديثة أن الإنتاج الصناعي الألماني ارتفع بنسبة 0.8% في نوفمبر 2025 مقارنة بالشهر السابق، متجاوزًا توقعات المحللين التي كانت تشير إلى انخفاض محتمل، في مؤشر يعكس تعافيًا جزئيًا للقطاع الصناعي الذي يعد الدعامة الأساسية لأكبر اقتصاد في أوروبا. وقد كان قطاع (السيارات) المحرك( الرئيسي) لهذا النمو، إذ سجل ارتفاعًا قويًا في الإنتاج، كما ساهمت قطاعات تصنيع الآلات والمعدات في دعم هذا الاتجاه الإيجابي العام.
ورغم أن هذا النمو يشير إلى تحسن موسمي في نهاية عام 2025، إلا أن الخبراء الاقتصاديين يحذرون من أن الارتفاع قد لا يكون مستدامًا إذا لم يتعزز( الطلب الخارجي)، خاصة في ظل الضغوط التصنيعية التي يعاني منها الاقتصاد الأوروبي ككل.
الصادرات الألمانية تتراجع وتأثيرها على الفائض التجاري
وعلى الجانب الآخر، الصادرات الألمانية سجلت تراجعًا بنسبة 2.5% في نوفمبر 2025 مقارنة بشهر أكتوبر، وهو ما يعد بمثابة صدمة للاقتصاد الذي يعتمد على التجارة الخارجية بصفة أساسية. وقد أثر هذا الانخفاض على الفائض التجاري الذي انخفض إلى 13.1 مليار يورو مقارنة بـ17.2 مليار يورو في أكتوبر.
وتأتي هذه النتائج في ظل تعثر الشحنات إلى الأسواق الأجنبية، بما في ذلك تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ما يعكس تحديات الطلب العالمي وضعف الأسواق الخارجية التي تعد من أهم شركاء ألمانيا التجاريين.
التحديات الهيكلية تلوح في الأفق
فعلى الرغم من النمو الملحوظ في الإنتاج الصناعي، إلا أن الاقتصاد الألماني يواجه عدة تحديات هيكلية طويلة الأمد. منها ضعف الطلب الخارجي، المنافسة المتصاعدة من الأسواق الآسيوية، وارتفاع تكاليف الطاقة التي تؤثر على تنافسية الصناعات الثقيلة، إضافة إلى انخفاض مؤشر مديري مشتريات التصنيع (PMI)، الذي يشير إلى تباطؤ النشاط الصناعي رغم المؤشر الشهري الإيجابي.
وبينما يظهر القطاع الصناعي علامات انتعاش مؤقتة، يرى محللون أن انتعاشًا حقيقيًا مستدامًا يتطلب تحسنًا في التصدير وخفض التحديات اللوجستية والجمركية، سيما مع انعكاس الضغوط الخارجية على القوة التصديرية الألمانية.
آثار الركود على الاقتصاد الألماني الكلي
وفي هذا الصدد ،تشير تحليلات دولية إلى أن الاقتصاد الألماني قد يشهد فترة من الركود أو النمو البطيء إذا استمرت الصادرات في التراجع وما يرتبط بها من انخفاض في الطلب على المنتجات الألمانية في الخارج. ويبرز في هذا السياق تحذيرات من أن اقتصاد ألمانيا قد يواجه اختبارات صعبة في ظل ارتفاع حالات الإفلاس داخل الشركات وتراجع الطلب العالمي، ما قد يجعل إعادة النمو حقيقيًا أكثر تعقيدًا خلال العام المقبل.
كما يرى بعض الخبراء أن رفع الرسوم الجمركية في الأسواق الرئيسية، مثل تلك المفروضة من الولايات المتحدة، قد يزيد من الضغوط على الصادرات الألمانية ويحد من قدرة الاقتصاد على التعافي الكامل.
توقعات اقتصادية وتحليل دولي
وفي ذات السياق، أشارت تقارير اقتصادية دولية إلى أن معدلات التضخم في الاتحاد الأوروبي تتجه نحو الاستقرار، ما يعطي بعض المرونة للبنوك المركزية في ضبط السياسة النقدية، لكن سياسات الدعم الاقتصادي الإضافية قد تكون محدودة إذا لم يتحسن الأداء التصديري. وفي هذا الإطار، وترى تقديرات اقتصادية أنه على الرغم من بعض العلامات الإيجابية في الإنتاج، فإن التحديات الحالية قد تُبقي النمو الألماني أقل من متوسط المنطقة في 2026.
الخلاصة: بين مؤشرات التعافي والضغوط الخارجية
يعكس التقرير صورة اقتصادية مختلطة ومتضاربة لألمانيا في نهاية عام 2025؛ فبينما يسجل الإنتاج الصناعي ارتفاعًا غير متوقع، تستمر الصادرات في الانخفاض، ما يضع الاقتصاد أمام اختبار حقيقي لقدراته على مواصلة النمو والتكيف مع ضغوط السوق العالمية. ويبدو أن الاستثمار في تطوير سلاسل القيمة الصناعية وتوسيع الأسواق التصديرية سيكونان مفتاحي نجاح الاقتصاد الألماني في المدى المتوسط، في حين أن السياسات المضادة للرسوم الجمركية وتعزيز المنافسة الإقليمية قد تشكل عناصر حاسمة لاستعادة زخم النمو القوي.