< ياسر حمدي يكتب: بناء عقل الدولة.. التخطيط قبل التنفيذ لتحقيق التنمية المستدامة
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

ياسر حمدي يكتب: بناء عقل الدولة.. التخطيط قبل التنفيذ لتحقيق التنمية المستدامة

ياسر حمدي/ كاتب صحفي
ياسر حمدي/ كاتب صحفي

في الستينات والسبعينات، ركزت مصر على إنشاء مجالس وطنية متخصصة في الإقتصاد، الصناعة، الزراعة، الصحة، والتعليم، بهدف ضمان التخطيط المدروس قبل التنفيذ لتحقيق التنمية.
كانت هذه المجالس تضم خبراء متخصصين يقدمون المشورة للحكومة، ويساهمون في وضع الخطط الخمسية: «تطوير الصناعات المحلية، دعم الأمن الغذائي، وإنشاء بنية تحتية علمية وصحية»، كما لعبت دورًا مهمًا في تكوين جيل من الكفاءات الوطنية التي تحمل خبرة عملية وإستراتيجية.
الدول المتقدمة اليوم تعتمد على مجالس عليا مستقلة للتخطيط الإستراتيجي والبحث العلمي، تجمع بين الاستقلالية العلمية والارتباط بالسياسات العامة، هذه المجالس لا تقتصر على وضع الخطط، بل تراقب الأداء، تقيس النتائج، وتتكيف سريعًا مع التغيرات التكنولوجية والإقتصادية، كما تدمج القطاع الخاص والأكاديمية، مما يضمن استمرارية التفكير الإستراتيجي بغض النظر عن تغييرات الحكومة وحماية الدولة من القرارات العشوائية أو التكرار غير المجدي.
خلال الإثنى عشر عامًا الماضية، دخلت مصر في عدد هائل من المشروعات القومية الكبرى دون دراسات جدوى دقيقة، وفي ظل جهاز إداري مهترئ، مستعينة بشكل كبير بأجهزة القوات المسلحة لإتمام هذه المشروعات، هذا الوضع قد يحقق إنجازات مؤقتة، لكنه لا يضمن استدامة التخطيط ولا كفاءة الموارد، ولا يمكن أن يستمر طويلًا دون إصلاح آليات الدولة.
مصر اليوم بحاجة إلى هيئات وطنية قوية ومستقلة تقوم بالتخطيط الإستراتيجي وتقديم المشورة المبنية على البيانات والتحليل العلمي، مع تقييم الأداء ومواكبة التطورات العالمية، بعيدًا عن تقلبات الخبرات التي تدير السلطة التنفيذية أو ضعف القدرة على التكيف وعدم وضوح الأولويات.
الدولة بحاجة إلى عقل يفكر قبل أن ينفذ، لضمان أن تكون كل خطوة مدروسة ومستدامة وقادرة على تحقيق التنمية الوطنية الحقيقية، فمصر تمتلك ثروة هائلة من العقول النيرة في مختلف المجالات، وما يبقى هو فقط استثمارها بشكل فعال لتعظيم قدرات البلد وإمكاناته.
وبالمناسبة، فإن عقل الدولة المفكّر الإستراتيجي، المعنيّ بصياغة السياسات ومتابعة تنفيذها الذي نتحدث فيه بالمقال، لا علاقة له بما يُسمّى «عقل الدولة» الذي جرى تشييده تحت الأرض على عمق عشرين مترًا أو يزيد في العاصمة الإدارية، في صورة مركز بيانات (Data Center) تكلف ٤٠ مليار جنية تقريبًا من عدة سنوات.
هذا المركز من الإنجازات الضخمة التي حققتها الدولة في مجال الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتي تستحق الإشادة، أما عقل الدولة الذي أقصده في المقال هو المفكّر الإستراتيجي، الذي يقوم بالتخطيط قبل التنفيذ لتحقيق التنمية المستدامة.. حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.