< تقرير: إيران تستخدم تقنيات عسكرية متطورة وعمليات نفسية معقدة لقمع الاحتجاجات الشعبية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

تقرير: إيران تستخدم تقنيات عسكرية متطورة وعمليات نفسية معقدة لقمع الاحتجاجات الشعبية

تحيا مصر

سلط تقرير مطول نشرته شبكة "سي إن إن " الأمريكية، الضوء على تطور وسائل قمع النظام في إيران للمظاهرات الشعبية، كاشفاً عن استخدام طهران لتقنيات عسكرية متطورة وعمليات نفسية معقدة لسحق الاحتجاجات في أنحاء البلاد بسرعة وحسم.

وأشار التقرير إلى تحول تكتيكي لافت من قبل النظام الإيراني، الذي بات ينظر إلى المعارضة الداخلية كأحد امتدادات "حرب الصيف" مع إسرائيل، وهو ما يفسر لجوء الأجهزة الأمنية لوسائل قمع غير تقليدية لمواجهة ما تعتبره تهديداً وجودياً مرتبطاً بصراعها الإقليمي.

وبحسب التقرير فقد أطلق النظام في إيران، الحريص على استخلاص الدروس من كل موجة اضطرابات، طائرات استطلاع مسيرة تحلق على ارتفاع منخفض، وأجهزة تشويش على الإشارات، وجهاز دعاية (بروباغندا) سريع الاستجابة، بالتزامن مع استخدام مفرط للقوة. 

"كل شيء تحت المراقبة في إيران

خضع المتظاهرون لرقابة مشددة عبر كاميرات المراقبة في الشوارع، بل إن أولئك الذين اختاروا الاحتجاج من منازلهم عبر الهتاف ضد النظام من النوافذ كانوا قيد الرصد أيضاً.

ونشرت الشرطة الإيرانية مقطع فيديو بعنوان "أصوات يمكن تحديدها"، يظهر طائرات مسيرة وهي تحلق خارج المباني السكنية لتحديد هوية الأشخاص الذين يرددون هتافات مناهضة للنظام.

وأظهرت اللقطات، التي صُحبت بموسيقى خلفية جنائزية، مشغل طائرة مسيرة وهو يسترق النظر عبر نوافذ الوحدات السكنية لتحديد الأشخاص الذين يهتفون بـ "الموت للدكتاتور"، تلتها مشاهد لمسؤولين أمنيين يضعون ملصقات تحذيرية على المباني، وفي بعض الحالات، يعتقلون السكان.

ويقول أحد أفراد قوات الأمن لرجل في فيديو "مموه" نشرته وسائل إعلام إيرانية على منصات التواصل الاجتماعي: "تلقينا معلومات تفيد بأن شخصاً ما في بنايتك كان يهتف، وكان الصوت يصدر من شقتك". وجاء في المنشور نقلاً عن الشرطة الوطنية الإيرانية: "كل شيء تحت المراقبة".

تعتيم اتصالات غير مسبوق

تضمنت تكتيكات النظام الأخرى فرض تعتيم على الاتصالات بمستوى غير مسبوق، حيث صار من المستحيل تقريباً التواصل مع إيران من العالم الخارجي لعدة أيام. وحتى محطات الإنترنت الفضائي "ستارلينك" ، التي استخدمها الإيرانيون للالتفاف على القيود، تعرضت للتشويش باستخدام ما وصفه الخبراء بتكنولوجيا عسكرية متطورة.

وقال أمير رشيدي، خبير الأمن السيبراني الإيراني ومدير مجموعة "ميان" في نيويورك: "لم أر شيئاً كهذا من قبل. لم يكن تشويشاً عادياً، بل استخدموا معدات عسكرية".

إن مسعى البلاد المستمر منذ عقود لتأميم البنية التحتية للإنترنت – والذي تسارع بسبب الضغوط الدولية – منح الدولة قدرة أكبر بكثير على فرض الرقابة، وتقييد السرعة، والتحكم في النشاط الرقمي. يذكر أن إيران كانت قد قطعت الإنترنت بالكامل خلال احتجاجات أسعار الوقود عام 2019 ومظاهرات عام 2022.

لكن نطاق وتعقيد التعتيم الأخير أظهر تقدماً كبيراً في قدرة الحكومة على تفعيل وفرض السيطرة على الاتصالات. وفي هذا الصدد، قال ألب توكر، مؤسس مجموعة "نت بلوكس" لمراقبة الإنترنت، لشبكة "سي إن إن": "نحن نشهد الآن أتمتة شبه كاملة للعملية.. وهي عملية فورية تقريباً عند تلك النقطة"، مضيفاً: "هذا من بين أشد انقطاعات الإنترنت التي تتبعناها حول العالم".

ومن جانبه، أوضح رشيدي أن محطات "ستارلينك" تعرضت للتشويش باستخدام أساليب مشابهة لتلك التي يستخدمها الجيش الروسي في أوكرانيا، قائلاً: "إنهم (النظام) لم يحاولوا تشويش ستارلينك من قبل، لكنهم بالتأكيد أصبحوا أفضل من أي وقت مضى".

ورغم أن "ستارلينك" غير مرخصة رسمياً للعمل في إيران، إلا أن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة "سبيس إكس" المالكة للمشروع، صرح سابقاً بأن الخدمة نشطة ومتاحة في البلاد.

مستويات عنف غير مسبوقة

استمرت الاحتجاجات في أنحاء إيران لمدة أسبوعين، لكنها تصاعدت بشكل كبير في 10 يناير؛ حيث خرجت حشود طالبت بالإطاحة بالنظام، مما أدى إلى اندلاع موجة عنف غير مسبوقة أسفرت عن مقتل المئات واعتقال الآلاف.

وقد تكون عملية القمع التي تلت ذلك، واستمرت قرابة ثلاثة أيام، قد تسببت في واحدة من أعلى حصيلة قتلى منذ ثورة 1979. وحتى الآن، لم تتحمل إيران المسؤولية أو تقر بقتل المتظاهرين، بل ادعت بدلاً من ذلك أن المتظاهرين قُتلوا على يد "مثيري شغب" مأجورين من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي احتجاجات سابقة، كان تفعيل هذا المستوى من الاستجابة يستغرق من الحكومة أسابيع، إلا أن التعبئة السريعة لقوات "البسيج" شبه العسكرية – التي تم نشرها أيضاً في الشوارع لتحديد "المتسللين" خلال الحرب مع إسرائيل – تشير إلى استعداد السلطات لاستخدام العنف المميت مع تزايد حالة الارتياب من المعارضة وتصنيفها كـ "مؤامرة خارجية".

وقال ماثيو ليفيت، خبير مكافحة الإرهاب في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إنه وقت حساس بالنسبة لهم. ليس من المستغرب أن يستجيبوا بهذا الأسلوب الهجومي والعنيف لأنهم خائفون"، مضيفاً: "النظام يقاتل الآن شعبه".

بث الرعب كأداة للسيطرة

في أعقاب الحرب مع إسرائيل، أقر الخطاب الرسمي في إيران بأن الضربات كشفت عن نقاط ضعف البلاد. ويبدو أن هذا الأمر قد صاغ التفكير الداخلي بشأن الموقع الاستراتيجي للبلاد، وسمح للنظام بتصوير المتظاهرين كـ "عملاء للعدو"، مانحاً نفسه تبريراً أكبر لإطلاق العنان لعنف مكثف ضدهم.

وعمل جهاز الدعاية التابع للنظام، من خلال وسائل الإعلام الرسمية والموالية للحكومة، على بث الرعب، محذراً المواطنين مراراً وتكراراً من أنهم تحت المراقبة المستمرة، ومحذراً إياهم من الانضمام إلى الاحتجاجات.

وفي خطوة اتسمت بحدة غير معتادة، بث التلفزيون الرسمي تقريراً من داخل مشرحة يظهر صفوفاً من أكياس الجثث، في إجراء بدا وكأنه يهدف إلى ردع المتظاهرين المحتملين عن المشاركة. كما سارع الإعلام الرسمي إلى نشر أرقام حول قتلى قوات الأمن واتهام "مثيري الشغب" بقتل المدنيين.

Capture
Capture

وعرضت وسائل الإعلام الرسمية لقطات لعشرات المعتقلين وهم معصوبو الأعين ومصطفون أمام الجدران، كما بثث "اعترافات"، ونشرت صوراً لأسلحة مصادرة شملت ما بدا أنها فؤوس وخناجر كان يحملها المتظاهرون.

وفي المقابل، ملأت حشود غفيرة الميادين العامة في تظاهرات برعاية الدولة لإظهار الدعم المطلق للنظام، حيث أبدى الموالون غضبهم تجاه مقاطع الفيديو التي توثق أعمال العنف ضد الجمهورية الإسلامية.

وبحلول يوم الإثنين، ظهرت مؤشرات على أن حجم الاحتجاجات في طهران لم يكن بذات الضخمة التي كانت عليها خلال عطلة نهاية الأسبوع، وذلك في أعقاب الحملة الأمنية العنيفة، رغم أن تقدير الحجم الحقيقي للاحتجاجات يظل أمراً شبه مستحيل في ظل استمرار التعتيم على الاتصالات.

مساعدة ترامب

وقد أعرب وزير الخارجية الإيراني عن ثقته يوم الإثنين بالادعاء بأن الحكومة باتت تسيطر على الوضع. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تتصاعد حدة الاحتجاجات مجدداً في أعقاب دعوة الرئيس ترامب المتجددة يوم الثلاثاء للإيرانيين بمواصلة التظاهر، متعهداً بأن "المساعدة في الطريق".

وكتب ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" (Truth Social): "استمروا في الاحتجاج - سيطروا على مؤسساتكم!!! احفظوا أسماء القتلة والمعتدين، فسوف يدفعون ثمناً باهظاً".