الاحتفاء الإلهي بالنبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج
تحلّ علينا ذكرى رحلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب، تلك الرحلة الإلهية المعجزة التي مثّلت قمة التكريم والاحتفاء بسيدنا محمد ﷺ، بعد ما لاقاه من أذى وابتلاء، فجاءت الرحلة جبرًا لخاطره، وتشريفًا لمقامه، وإعلانًا لمكانته العظمى بين الخلائق.
أولًا: الإسراء والمعراج.. رحلة فوق حدود الزمان والمكان
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد انتقال مكاني من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ولا مجرد صعود إلى السماوات العُلى، بل كانت رحلة تشريف إلهية تجاوزت قوانين الكون، لتُعلن سيادة النبي ﷺ وإمامته للأنبياء والمرسلين، ولتُهدي الأمة أعظم العبادات: الصلاة، التي أصبحت معراجًا روحيًا يوميًا لكل مؤمن.
ثانيًا: الانطلاق في موكب تكريم رباني
بدأ الاحتفاء الإلهي منذ لحظة الانطلاق، حين أُتيَ للنبي ﷺ بدابة البُراق، في مشهد يليق بالملوك والمكرمين.
- لم يُكلَّف النبي ﷺ بالمشي، بل رُفِع في موكب نوراني تقوده الملائكة.
- البراق نفسه اضطرب هيبةً وفرحًا بمن يحمله، حتى قال له جبريل عليه السلام:
«أبمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه»، فكان هذا إقرارًا من عالم الغيب بمكانة المصطفى ﷺ.
ثالثًا: جبريل عليه السلام.. رفيق الرحلة وخادم الحضرة النبوية
في رحلة المعراج، لم يكن جبريل عليه السلام مجرد ناقل للوحي، بل كان دليلًا ومرافقًا ومؤنسًا للنبي ﷺ.
- عند كل باب من أبواب السماء، كان يُعلن اسمه الشريف: محمد ﷺ.
- وكانت الملائكة تستقبله بترحيب موحّد:
«مرحبًا به.. فنعم المجيء جاء». - هذا الاستقبال السماوي كان تعويضًا عظيمًا بعد ما لاقاه النبي ﷺ من صدّ وأذى على الأرض.
رابعًا: تشريف المسجد الأقصى بإمامة الأنبياء
بلغ الاحتفاء ذروته في المسجد الأقصى، حين جُمع جميع الأنبياء والمرسلين، وتقدّم النبي ﷺ ليؤمّهم في الصلاة.
- إمامته للأنبياء إعلان صريح بسيادته الروحية، وخَتم رسالته لجميع الرسالات السابقة.
- هذا المشهد أكد أن شريعته هي الجامعة، وأن رسالته هي المهيمنة إلى قيام الساعة.
خامسًا: استقبال الأنبياء في السماوات العُلى
خلال المعراج، استقبله الأنبياء في كل سماء بكلمات مليئة بالمحبة والتوقير:
- آدم عليه السلام: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح».
- وتتابع الترحيب من يحيى وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى عليهم السلام.
- أما سيدنا إبراهيم عليه السلام، فزاد تشريفًا خاصًا، وبعث سلامه لأمة محمد ﷺ، وبشّرها بطيب الجنة وسهولة غراسها.
سادسًا: سدرة المنتهى.. مقام الانفراد الأعظم
وصل النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى، حيث توقّف علم الخلائق، وتوقف جبريل عليه السلام، قائلًا:
«تقدّم يا محمد، فإنك أكرم على الله مني».
- هناك رأى من آيات ربه الكبرى ما تعجز العقول عن وصفه.
- ثبت بصره وقلبه في مقامٍ تزلزلت له الجبال، وخلّد القرآن هذا الثبات بقوله تعالى:
{ما زاغ البصر وما طغى}.
سابعًا: المناجاة الكبرى والتحية الإلهية
في أعلى مراتب القرب، جرت المناجاة العظمى بين الله تعالى ونبيه ﷺ.
- تلقّى النبي ﷺ تحية ربانية خاصة:
«السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته». - ولم ينسَ النبي ﷺ أمته في هذا المقام، فقال:
«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، فشمل الاحتفاء الأمة كلها.
ثامنًا: هدية السماء للأمة المحمدية
عاد النبي ﷺ من رحلة الإسراء والمعراج بأعظم هدية: الصلاة.
- فُرضت أولًا خمسين صلاة، ثم خُففت إلى خمس، بأجر خمسين، رحمةً بالأمة.
- لتبقى الصلاة رابطًا دائمًا بين العبد وربه، ومعراجًا يوميًا يرفع الروح كما رُفع الحبيب ﷺ.
خاتمة: احتفاء بالنبي وكرامة للأمة
رحلة الإسراء والمعراج لم تكن تكريمًا للنبي ﷺ وحده، بل كانت احتفاءً بالأمة المحمدية كلها، ودليلًا على أن بعد العسر يسرًا، وبعد الابتلاء تكريمًا، وأن من ثبت على الحق رفعه الله فوق السماوات.