< محمد المسلمي يكتب: «النائب الوزير» أم نائب الشعب؟.. جدل اللقب تحت القبة
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

محمد المسلمي يكتب: «النائب الوزير» أم نائب الشعب؟.. جدل اللقب تحت القبة

محمد المسلمي
محمد المسلمي

في كواليس العمل البرلماني، لا تقل التفاصيل الصغيرة دلالةً عن المواقف الكبرى. فطريقة تعريف المسؤول بنفسه، ولغة الخطاب التي يختارها، تكشف الكثير عن تصوره لدوره، وفهمه لطبيعة المؤسسة التي ينتمي إليها.

ومن هنا، جاء الحوار الذي دار بيني وبين أحد الوزراء السابقين، الذي يتولى حاليًا رئاسة إحدى اللجان النوعية بمجلس النواب في فصل 2026، حين طلب أن يتم تعريفه إعلاميًا بـ«النائب الوزير».

الحوار كان مباشرًا وصريحًا، لا وساطة فيه ولا نقل عن زملاء. طلبٌ في ظاهره بسيط، وربما مفهوم من زاوية شخصية؛ فلكل إنسان حق الاعتزاز بمسيرته التنفيذية السابقة، خصوصًا إذا كانت في موقع رفيع. ولا جدال في احترام التجربة أو إنكار الخبرة.

لكن الإشكالية لم تكن في اللقب ذاته، بقدر ما كانت في المنطق الذي استند إليه الحديث، حين جرى الربط بين هذا التعريف وبين عدم المساواة مع بقية النواب، باعتبار أن هناك «حيثية مختلفة» لا يجوز أن تُعامل كغيرها تحت القبة.

وهنا، بدأ السؤال البرلماني الحقيقي:

هل البرلمان مساحة لتمايز الألقاب أم لتكامل الأدوار؟
وهل تُقاس القيمة بالمناصب السابقة، أم بما يُقدَّم فعليًا من تشريع ورقابة وانحياز حقيقي للمصلحة العامة؟

الدستور لا يعرف «نائبًا وزيرًا» و«نائبًا عاديًا». يعرف نائبًا منتخبًا من الشعب، يؤدي دورًا واحدًا واضحًا، وتُقاس مكانته بما يضيفه للنقاش العام، وما يطرحه من قوانين، وما يمارسه من رقابة، وما يدافع عنه من قضايا الناس.

الخبرة التنفيذية بلا شك إضافة مهمة، وقد تكون رصيدًا حقيقيًا للمجلس إذا استُثمرت في تشريع أكثر واقعية، أو رقابة أكثر وعيًا بتعقيدات الدولة. لكنها تظل فرصة ومسؤولية، لا امتيازًا أو تمييزًا رمزيًا.

العمل البرلماني بطبيعته عمل جماعي، قائم على المساواة الكاملة بين الأعضاء في الحقوق والواجبات. والتاريخ البرلماني، في مصر وغيرها، لا يحفظ الألقاب، بل يحفظ المواقف. فيه نواب لم يتولّوا أي منصب تنفيذي، لكنهم تركوا أثرًا تشريعيًا ورقابيًا لا يُنسى، كما فيه وزراء سابقون مرّوا مرورًا عابرًا دون بصمة تُذكر.

القلق الحقيقي لا يكمن في طلب تعريف إعلامي، بل في الفلسفة التي قد تختبئ خلفه: فلسفة ترى البرلمان امتدادًا للمناصب السابقة، لا ساحة جديدة بقواعد مختلفة، ومسؤوليات متساوية، ومساءلة لا تعرف الألقاب.

فإذا تحوّل اللقب إلى مسافة نفسية بين النائب والشارع، أو إلى شعور بتفوق رمزي داخل المؤسسة، فإن الخلل يصبح أعمق من مجرد توصيف لغوي، ويصيب جوهر العمل النيابي نفسه.

إن رئاسة لجنة نوعية مسؤولية جسيمة، لا تُستمد قيمتها من السيرة الذاتية لرئيسها، بل من قدرته على إدارة حوار تشريعي جاد، وفتح الملفات الشائكة، ومساءلة الحكومة بلا مواربة—أيًا كانت الأسماء أو المواقع السابقة.

وهنا يظل السؤال مفتوحًا:

ماذا سيقدّم النائب تشريعيًا؟

وكيف سينحاز رقابيًا؟

وهل تتحول الخبرة السابقة إلى جسر لخدمة الصالح العام، أم تظل عنوانًا في بطاقة التعريف أكثر منها في سجل الأداء؟

في النهاية، البرلمان لا يحتاج إلى نواب بألقاب إضافية، بل إلى نواب بأدوار حقيقية. لا يحتاج إلى استدعاء الماضي، بل إلى إنجاز يُكتب في الحاضر.

ويبقى الرهان—دائمًا وأبدًا—على الأداء.. لا على التعريف.