< «من المناخ إلى غزة».. هل يمتلك المنتدى الاقتصادي العالمي مفاتيح الحل للأزمات المستعصية؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

«من المناخ إلى غزة».. هل يمتلك المنتدى الاقتصادي العالمي مفاتيح الحل للأزمات المستعصية؟

تحيا مصر

انطلق المنتدى الاقتصادي العالمي، في نسخته لعام 2026 وسط أجواء تضج بالمتناقضات فوق قمم جبال الألب السويسرية، حيث تجتمع النخبة التي تدير خيوط الاقتصاد والسياسة في لحظة فارقة من عمر التاريخ الحديث. لم يعد هذا التجمع مجرد لقاء سنوي لتبادل الأفكار أو التقاط الصور التذكارية، بل تحول في ظل الاضطرابات الراهنة إلى مطبخ لصناعة القرارات السيادية التي تمس حياة المليارات حول العالم. 

هندسة النظام الدولي بين الصراعات السياسية والمصالح الاقتصادية

وبينما تتساقط الثلوج على بلدة دافوس الهادئة، تشتعل في قاعات المؤتمر نقاشات حادة حول إعادة تعريف العولمة في زمن القوميات الصاعدة وصراع التكنولوجيا الذي بات يهدد بتفكيك مفاصل القوى التقليدية. إن ما يحدث داخل الأروقة يتجاوز بكثير العناوين المعلنة، إذ تسعى القوى الكبرى ومن خلفها كبار قادة التكنولوجيا والمال إلى رسم معالم نظام دولي جديد يحاول النجاة من فوضى الحروب التجارية والنزاعات الجيوسياسية المشتعلة من الشرق الأوسط إلى شرق أوروبا وصولاً إلى التوترات الدبلوماسية الغريبة التي فجرها الطموح الأمريكي الأخير تجاه مناطق شبه مستقرة.

تأتي أهمية دور المنتدى الاقتصادي العالمي في هذا التوقيت من قدرته الفريدة على حشد هذا الكم الهائل من صناع القرار في مكان واحد وتحت ضغط جدول أعمال مكثف يبدأ من ساعات الصباح الأولى ولا ينتهي إلا بلقاءات جانبية سرية في المساء. وتتصدر أجندة هذا العام قضايا الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد مجرد رفاهية تقنية بل صار سلاحاً استراتيجياً يتنافس الجميع على امتلاك مفاتيح تنظيمه. 

وبينما يتحدث رؤساء شركات مثل إنفيديا ومايكروسوفت وجوجل عن آفاق النمو الهائلة التي يفتحها الذكاء الاصطناعي في مجالات الصناعة والطب، يبرز صوت معارض من قادة النقابات العمالية والمفكرين الاجتماعيين الذين يخشون من فقدان ملايين الوظائف وتعميق الفجوة الطبقية بين الدول التي تملك ناصية التكنولوجيا وتلك التي ما زالت تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. هذا الانقسام الحاد يعكس جوهر الصراع الذي يحاول المنتدى احتواءه تحت شعار روح الحوار الذي يبدو في كثير من الأحيان مجرد غطاء ديبلوماسي لتوافقات صعبة المنال.

عودة القطبية الواحدة وتحديات السيادة في القارة العجوز

وفيما يخص الملفات السياسية الضاغطة، فإن المنتدى الاقتصادي العالمي يشهد حضوراً لافتاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عاد إلى المنصة الدولية بمجموعة من الملفات المثيرة للجدل، وعلى رأسها رغبته في توسيع النفوذ الأمريكي بشكل غير تقليدي مما تسبب في شرخ مع الحلفاء الأوروبيين. إن التهديدات بفرض تعاريف جمركية جديدة والتلويح بملفات سيادية حساسة مثل ملف جرينلاند ألقى بظلال ثقيلة على اجتماعات دافوس، مما جعل القادة الأوروبيين يبحثون عن استراتيجيات بديلة للاستقلال الاقتصادي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية المتقلبة. وفي خضم هذه الصراعات تبرز قضية غزة كملف إنساني وسياسي ملح، حيث يسعى البعض لاستغلال الزخم الدولي في دافوس لإيجاد مسارات تهدئة عبر ما يسمى بمجلس السلام، وهي محاولات تصطدم دائماً بالتعقيدات الميدانية والمواقف المتصلبة للأطراف المتنازعة التي تحضر المنتدى بعقليات مختلفة وأهداف متضاربة.

معضلة المناخ وحرب الطاقة بين الوعود والواقع المرير

على جانب آخر لا يغيب التحدي المناخي عن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي حيث يتم الضغط باتجاه تسريع الانتقال إلى الطاقة الخضراء رغم التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي يجعل العديد من الدول تتردد في التخلي عن مصادر الطاقة التقليدية الرخيصة. إن التناقض الصارخ يظهر بوضوح عندما يتحدث القادة عن حماية البيئة بينما تمتلئ سماء سويسرا بالطائرات الخاصة التي نقلت المشاركين إلى المنتدى، وهو ما يعزز انتقادات الناشطين الذين يرون في دافوس نادياً للأثرياء يمارس نوعاً من النفاق السياسي. ومع ذلك يظل المنتدى المنصة الوحيدة التي تجبر المؤسسات المالية الكبرى على مواجهة مسؤولياتها الاجتماعية والبيئية، حيث يتم الإعلان عادة عن مبادرات لتمويل مشاريع الاستدامة في الدول النامية رغم أن الكثير من هذه الوعود يظل حبراً على ورق في انتظار آليات تنفيذ حقيقية تخرج من عباءة التنظير إلى واقع العمل الميداني.

قادة العالم على طاولة واحدة

من المتوقع حضور ما يقرب من 3000 مشارك رفيع المستوى من قطاع الأعمال والحكومة وغيرهما، بالإضافة إلى أعداد لا تعد ولا تحصى من النشطاء والصحفيين والمراقبين الخارجيين.

ويقول المنظمون إن رقماً قياسياً يبلغ نحو 400 من كبار القادة السياسيين، بمن فيهم أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، ونحو 850 رئيس مجلس إدارة ومدير تنفيذي للعديد من الشركات الرائدة في العالم، سيحضرون.

يتصدر قائمة المتحدثين ترامب، الذي من المقرر أن يلقي خطاباً يوم الأربعاء، والعديد من وزراء الحكومة وكبار المستشارين، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

كما يرغب ترامب في عقد اجتماع "مجلس السلام" الخاص به بشأن غزة في التجمع السنوي، وفقًا لتقرير نشرته وكالة بلومبرج الإخبارية.

ومن بين الشخصيات البارزة التي تحضر قمة المنتدى الاقتصادي العالمي: الرئيس عبد الفتاح السيسي، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ورئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

ويقول المنظمون إنه من المتوقع أيضاً حضور 55 وزيراً للاقتصاد والمالية، و33 وزيراً للشؤون الخارجية، و34 وزيراً للتجارة والصناعة، و11 محافظاً للبنك المركزي.

ومن المقرر أن يحضر عمالقة التكنولوجيا، ومن بينهم جينسن هوانغ من شركة إنفيديا، وساتيا ناديلا من شركة مايكروسوفت، وديميس هاسابيس من شركة جوجل ديب مايند، وآرثر مينش من شركة ميسترال إيه آي الفرنسية.

يُعد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته والمديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا من بين العديد من كبار المسؤولين في المؤسسات الدولية.

من غائب عن المنتدى العالمي؟

أعلن المنظمون يوم الاثنين أن وزير الخارجية الإيراني لن يحضر القمة، مؤكدين أن ذلك "غير مناسب" بعد حملة القمع الدموية الأخيرة التي استهدفت المتظاهرين في إيران. وكان من المقرر أن يلقي عباس عراقجي كلمة يوم الثلاثاء.

قال المنتدى الاقتصادي العالمي عبر منصة إكس: "لن يحضر وزير الخارجية الإيراني دافوس".

وأضاف البيان: "على الرغم من أنه تلقى دعوة في الخريف الماضي، إلا أن الخسائر المأساوية في أرواح المدنيين في إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية تعني أنه ليس من الصواب أن يتم تمثيل الحكومة الإيرانية في دافوس هذا العام".

وُجّهت الدعوة أيضاً إلى إسرائيل، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وسيمثل الرئيس إسحاق هرتسوغ إسرائيل في هذا الحدث.

ألغى رئيس موزمبيق، دانيال تشابو، رحلته إلى دافوس ولن يحضر الاجتماع بسبب الفيضانات العارمة التي تجتاح بلاده. وقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي في وقت متأخر من مساء الأحد: "الأولوية القصوى في هذه اللحظة هي إنقاذ الأرواح".

ما هي بنود جدول الأعمال؟

موضوع هذا العام هو "روح الحوار". ستتناول أكثر من 200 جلسة مجموعة واسعة من القضايا تتراوح بين الجغرافيا السياسية والذكاء الاصطناعي وتغير المناخ.

وذكرت وكالة رويترز للأنباء، نقلاً عن مصادر مطلعة على الأمر، أنه من المتوقع أن يلتقي ترامب بقادة الأعمال العالميين يوم الأربعاء.

أفادت مصادر لوكالة رويترز يوم الاثنين أن قادة الأعمال، بمن فيهم الرؤساء التنفيذيون في قطاعات الخدمات المالية والعملات الرقمية والاستشارات، مدعوون إلى حفل استقبال بعد خطاب ترامب أمام الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي. ولم يتضح جدول الأعمال.

آفاق المستقبل المجهول في ظل غياب التوافق العالمي

يظل السؤال قائماً حول مدى فاعلية المنتدى الاقتصادي العالمي في تقديم حلول حقيقية للأزمات المركبة التي يعيشها كوكب الأرض حالياً. فبينما يغادر المشاركون منتجع دافوس مع نهاية الأسبوع محملين بمذكرات تفاهم ووعود بالتعاون، تبقى التحديات على أرض الواقع أكثر تعقيداً من الخطابات الرنانة. إن القدرة على صياغة مستقبل عادل ومستدام تتطلب ما هو أكثر من مجرد الحوار، بل تستوجب تنازلات مؤلمة من القوى المهيمنة وإعادة توزيع حقيقية لموارد القوة والشرعية الدولية. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى دافوس مجرد مرآة تعكس صراعات العالم وطموحاته دون أن تملك بالضرورة القدرة على تغيير مسار التاريخ الذي يبدو أنه يتجه نحو مزيد من الغموض والاضطراب في السنوات القليلة القادمة.