جوانب خفية في حياة نجيب الريحاني.. يعاني فوبيا النحس والاكتئاب الحاد وسر خوفه من رقم 13
تقف شخصية نجيب الريحاني كعلامة فارقة في تاريخ الفن العربي، ليس فقط لكونه "ضاحكاً باكياً"، بل لأنه كان فيلسوفاً اجتماعياً صاغ وجدان الشعب المصري بضحكة ممزوجة بالمرارة. خلف شخصية "كشكش بيه" الشهيرة، تكمن أسرار وتفاصيل إنسانية نادرة شكلت هذا العبقري الذي لم يتكرر.
ذكرى ميلاد نجيب الريحاني
في هذا التقرير، يرصد تحيا مصر جوانب غير مطروقة من حياة "الضاحك الباكي"، بعضها مأسوية والأخرى عن أسرار وتوقعات كان يأخذها في حياته الشخصية.

غالباً ما يُذكر الريحاني كممثل عبقري، لكن ما يجهله الكثيرون هو دوره الحاسم كمؤلف ومفكر مسرحي، فلم يكن نجيب الريحاني مؤدٍّ لنصوص بديع خيري، بل كان "المهندس" الحقيقي للمفارقات الكوميدية، فكان يمتلك قدرة نادرة على إعادة صياغة المسرح الفرنسي الكلاسيكي مثل أعمال موليير وتمصيرها لتبدو وكأنها نبتت في حواري القاهرة، وهو ما يُعرف في الأكاديميات بـ "التناص الذكي"، حيث كان يفكك النص الأجنبي ويعيد بناءه بروح مصرية خالصة.
الضاحك الباكي يعاني من فوبيا النحس ويخشى توقيع عقود في أيام معينة
من التفاصيل النادرة في حياة الضاحك الريحاني هي معاناته مع "التطير" أو التشاؤم المفرط. كان يخشى رقم 13 إلى درجة مرضية، وكان يرفض العمل أو توقيع العقود في أيام معينة يظن أنها تجلب النحس. ويروي المقربون منه أنه كان يغير مساره إذا رأى قطة سوداء، هذا الجانب "الوسواسي" في شخصيته كان يعكس قلقاً وجودياً عميقاً، ربما هو نفسه الذي منحه تلك القدرة على تجسيد شخصية الموظف المطحون الذي يطارده سوء الحظ (سي عمر).
نجيب الريحاني رفض عروضا عالمية تحت شعار "الكوميديا لا تترجم"
هناك معلومة نادراً ما تُذكر، وهي أن الريحاني كان يمتلك طموحاً للوصول إلى العالمية بمفهوم مختلف. في الثلاثينيات، تلقى عروضاً من شركات إنتاج فرنسية للعمل في باريس، لكنه رفضها مفضلاً البقاء في "عماد الدين". السر يكمن في إيمانه بأن "الكوميديا لا تُترجم"؛ كان يرى أن إضحاك الفرنسيين بلسانهم لن يمنحه النشوة التي يشعر بها وهو يرى ضحكة "ابن البلد" المصري الذي يفهم الإيماءة قبل الكلمة.

أشهر كوميديان يعاني من الاكتئاب الحاد
خلافاً لما يظهره على الشاشة، كان نجيب الريحاني في حياته الخاصة شخصاً يميل إلى العزلة والزهد الشديد، فكان يقضي ساعات طويلة في غرفته يقرأ الفلسفة والتاريخ. وتقول الروايات النادرة إنه كان يمر بنوبات من الاكتئاب الحاد قبل صعوده على المسرح، لكن بمجرد ملامسة قدمه للخشبة، كان يتحول إلى طاقة من المرح، وهو ما يفسر صدق عبارته الشهيرة: "أنا الذي يضحك الناس وقلبه يبكي".
نجيب الريحاني الذي تنبأ بوفاته قبل أيام من رحيله
من الصدف الغريبة التي تلامس الأسطورة، أن نجيب الريحاني في أيامه الأخيرة كان يشعر بدنو أجله بشكل غريب. أثناء تصوير فيلم "غزل البنات"، كان يمازح ليلى مراد ويقول لها: "يا ليلى أنا شكلي مش هشوف الفيلم ده". وبالفعل، توفي الريحاني قبل عرض الفيلم بأسابيع قليلة نتيجة إصابته بمرض "التيفود" وإهمال طبي بسيط في المستشفى، ليرحل وهو في قمة عطائه الفني.
فلم يكن نجيب الريحاني مجرد ممثل كوميدي، بل كان ظاهرة إنسانية وفنية معقدة، رحل وترك لنا مدرسة "السهل الممتنع"، حيث الكوميديا ليست تهريجاً، بل هي تشريح للوجع الإنساني بأسلوب راقٍ.