< قراءة تحليلة|«استعمار جديد بشرعية دولية».. ماذا تقول الصحف العالمية عن تدشين مجلس السلام؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

قراءة تحليلة|«استعمار جديد بشرعية دولية».. ماذا تقول الصحف العالمية عن تدشين مجلس السلام؟

ترامب
ترامب

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الخميس، على ميثاق "مجلس السلام"، وجاء ذلك على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في مدينة دافوس السويسرية، بحضور ممثلين عن عدد من الدول العربية الأوروبية والآسيوية. 

مجلس السلام تحت المجهر الإعلام الدولي 

وتباينت ردود الفعل العالمية حول هوية هذا المجلس وسط مخاوف أن يكون هذا مجلس موازي وبديل عن الأمم المتحدة، وأصبح هذا الإعلان التاريخي حديث الصحافة الدولية وسط تساؤلات حول الهدف الحقيقي من هذا المجلس وتأثيره على الأحداث العالمية. 

وفي تقرير نشرته شبكة CNN الأمريكية، اشارت إلى أن كان من المقرر في الأصل أن يكون المجلس، الذي يرأسه ترامب إلى أجل غير مسمى هيئة محدودة مهمتها الإشراف على إعادة إعمار غزة، التي دمرتها الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين. لكن غرضه توسع منذ ذلك الحين ليشمل معالجة النزاعات في جميع أنحاء العالم. 

وقدم ترامب فكرة مجلس السلام كجزء من المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة المكونة من 20 بندا، وأيد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الخطة في نوفمبر - مما منحها شرعية دولية - مع تفويض للمجلس للإشراف على نزع السلاح وإعادة بناء غزة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال توقيعه ميثاق مجلس السلام 

ووفق لميثاق المجلس، فمن المقرر أن يتولى ترامب منصب رئيس مجلس الإدارة إلى أجل غير مسمى، وربما يستمر في هذا المنصب بعد انتهاء ولايته الثانية كرئيس، وسيترأس "مجلس السلام" "مجلس تنفيذي تأسيسي" يضم صهر ترامب جاريد كوشنر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.

ووافقت العديد من الدول على دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، لكن في مقابل ذلك كانت هناك دول أخرى لم تخفي مخاوفها وأعربت عن رفضها أو وضعت هذه الدعوة تحت الدراسة، وضمن الدول التي رفضت فرنسا والنرويج وارجعت السبب إلى حول كيفية عمل مجلس السلام بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

كما أكدت الصين أنها تلقت دعوة، لكنها لم تُعلن ما إذا كانت ستشارك أم لا. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية يوم الأربعاء إن الصين "ستظل ملتزمة التزاماً راسخاً بحماية النظام الدولي الذي تُعدّ الأمم المتحدة جوهره".

فيما قالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إن هناك احتمالات لوجود مسائل دستورية تتعلق بالانضمام، وأنها لن تحضر مراسم التوقيع. وقالت وزيرة الخارجية الأيرلندية هيلين ماكنتي إنها ستدرس الدعوة "بعناية".

واشار التقرير الذي نشرته CNN إن هناك دبلوماسيون ومسؤولون وقادة عالميون أعربوا عن مخاوف كبيرة بشأن توسيع نطاق صلاحيات مجلس الإدارة، ورئاسة ترامب غير المحددة المدة، والضرر المحتمل الذي قد يلحق بعمل الأمم المتحدة.

الدفع مقابل العضوية الدائمة

وستشغل الدول الأعضاء مقاعدها لمدة ثلاث سنوات، وبعدها يتعين عليها دفع مليار دولار للحصول على مقعد دائم. وستُخصص الأموال المُجمّعة لإعادة إعمار غزة، إلا أن هذه الخطوة انتقدها البعض لكونها عُرضة للفساد.

أما صحيفة Politico، أشارت أن ميثاق المجلس لا يتضمن أي إشارة مباشرة إلى غزة ويبدو أنه يمنحه تفويضاً واسعاً لحل النزاعات العالمية، الأمر الذي يخشى البعض أن يؤدي فعلياً إلى إنشاء منظمة أمم متحدة موازية.

رحّبت ألمانيا بدعوة ترامب، لكنها لا تزال مترددة. وقد عزت برلين رسمياً غياب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن مراسم التوقيع إلى إن هدف برلين هو صياغة رد موحد على خطة ترامب لمجلس السلام، مع التأكيد على ضرورة بقاء الأمم المتحدة الهيئة المتعددة الأطراف الرئيسية لحل النزاعات.

فيما أشارت شبكة ABC الأمريكية، إلى أن طموح الرئيس دونالد ترامب في أن يلعب "مجلس السلام" دوراً في الصراعات العالمية خارج غزة هو أحدث محاولة أمريكية للالتفاف على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مما يثير تساؤلات جديدة حول أهمية الهيئة العالمية التي يبلغ عمرها 80 عاماً، وعدم اليقين بشأن مستقبلها كقوة رئيسية في الوساطة من أجل السلام في جميع أنحاء العالم.

ترامب وعداء مع الأمم المتحدة

وقال ترامب للصحفيين خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض: "لم تكن الأمم المتحدة مفيدةً على الإطلاق. أنا معجبٌ جداً بإمكانيات الأمم المتحدة، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى هذه الإمكانيات قط. كان ينبغي للأمم المتحدة أن تحسم جميع الحروب التي حسمتها بنفسي. لم أذهب إليها قط، ولم يخطر ببالي حتى أن أذهب إليها".

وقال السفير الأمريكي المتقاعد روبرت وود، الذي عمل في البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة في عهد قادة جمهوريين وديمقراطيين، إنه إذا كان ترامب يحاول استبدال مجلس الأمن بمجلس سلام يتعامل مع قضايا تتجاوز غزة، "فأنا لا أعتقد أن ذلك سيحظى باهتمام كبير".

فيما انتقدت صحيفة “الجارديان” البريطانية في مقال لها لهذا المجلس وشبته بأنه هيئة استعمارية جديدة، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة وجدت نفسها ضحية لعملية خداع كلاسيكية، حيث اعتقدت أنها تشتري شيئًا، لكنها حصلت على شيء آخر تمامًا.

عندما صوتوا لصالح تأييد مجلس السلام في نوفمبر، كان أعضاء آخرون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يأملون في إلزام ترامب بعملية سلام غزة، لكن يبدو الآن أنهم خُدعوا لدعم نادٍ يهيمن عليه ترامب قائم على مبدأ الدفع مقابل اللعب: نسخة عالمية من محكمة مارالاغو الخاصة به تهدف إلى إزاحة الأمم المتحدة نفسها.

إنّ ملامح "مجلس السلام" الذي شكّله ترامب، والذي ظهر خلال الأيام القليلة الماضية، يختلف اختلافاً كبيراً عن الهيئة التي كان المجلس يعتقد أنه يُقرّها. فقد تمّ تمرير القرار 2803 بأغلبية 13 صوتاً مقابل لا شيء، مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، في محاولة لإضفاء طابع رسمي من الأمم المتحدة على وقف إطلاق النار الذي توسط فيه ترامب في غزة. وكانت المناقشات التي سبقت التصويت في 18 نوفمبر، ونص القرار نفسه، تدور جميعها حول النزاع.

وأشار المقال إلى إن تسليم السيطرة على غزة إلى "مجلس" يديره ترامب لمدة عامين يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة الراسخة في حق تقرير المصير والسيادة الوطنية ومناهضة الاستعمار. كما أنه كان أكثر غموضاً من أي قرار آخر للأمم المتحدة بشأن حفظ السلام في العصر الحديث.

كما ذكر أنه لم يرد ذكر غزة بتاتاً في ميثاق "مجلس السلام". بل يصوّر هذا الميثاق المجلس كهيئة دائمة لتعزيز السلام والحكم الرشيد في جميع أنحاء العالم. وسيكون "عملياً" و"ذا توجه نحو النتائج"، و"هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام"، وسيتمتع "بالشجاعة للتخلي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مراراً وتكراراً".

إن استخدام كلمة "ميثاق" بحد ذاته هو صدى لميثاق الأمم المتحدة . ومع ذلك، فقد استندت تلك الوثيقة الصادرة عام 1945 إلى مجموعة من المبادئ التي كانت دروساً مستفادة بصعوبة من الحرب العالمية الثانية: أولوية عدم الاعتداء، وحق تقرير المصير، وحقوق الإنسان الأساسية، و"المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء وبين الدول الكبيرة والصغيرة".

مجلس السلام.. ناد ترامب العالمي

لا يستخدم ميثاق مجلس إدارة ترامب مثل هذه اللغة. يُخصص معظم النص لقواعد النادي، التي تجعل الرئيس (ترامب نفسه - الشخص الوحيد المذكور بالاسم) صاحب السلطة المطلقة. جميع الأعضاء الآخرين يختارهم هو، وله الحق في عزلهم. الرئيس (المذكور 35 مرة في الوثيقة) له الحق في تحديد موعد اجتماعات المجلس ومواضيعها. كما يمكنه إصدار القرارات من تلقاء نفسه.

وذكرت الصحيفة البريطانية، أن جميع الأعضاء الآخرين يأتون ويذهبون وفقًا للقواعد، إلا إذا اشتروا عضوية مدى الحياة مقابل مليار دولار "من الأموال النقدية"، وحتى ذلك لا يبدو أنه يوفر ضمانًا ضد طردهم من قبل ترامب.

لطالما أثار عدم المساواة المتمثلة في الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهي الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، استياء بقية دول العالم. وقد أدى استخدام حق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الدائمين، وإساءة استخدامه، ولا سيما من قبل روسيا والولايات المتحدة، إلى شلّ عمل المجلس كهيئة للحوكمة العالمية.

يستبدل مجلس السلام هذا الظلم بظلمٍ أشدّ وطأةً – ظلمٌ دائمٌ لا تستطيع تحمّله إلا الدول الغنية التي تملك مليارات الدولارات الفائضة. وفي هذا المنتدى الجديد، سيمتلك ترامب وحده حقّ النقض المطلق.

وأوضحت الصحيفة أنه مع أن الميثاق لا يتطرق إلى غزة، فإن المجلس سيشرف على مجلس تنفيذي عام، ومجلس تنفيذي خاص بغزة، وتحتهما "لجنة وطنية لإدارة غزة"، وهي أعلى مستوى يُسمح للفلسطينيين أنفسهم بالمشاركة فيه. كما سيتم إنشاء قوة استقرار دولية، يشرف عليها لواء أمريكي. والمجلس آليات لتعزيز وقف إطلاق النار في غزة، ونظرياً لتحقيق السلام والحكم الرشيد وإعادة إعمار القطاع. لكن تشير كل الدلائل إلى أن هذه الآليات تهدف أيضاً إلى إزاحة وكالات الأمم المتحدة التي دأبت تاريخياً على التواجد في مناطق ما بعد النزاعات لتحقيق الاستقرار والمساعدة في إعادة بناء المجتمعات المنكوبة، واستبدالها بمشاريع تجارية ربحية.