< سراب السيادة.. صراع إثيوبيا للتحول إلى قوة بحرية في مواجهة «الفيتو» الصومالي
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

سراب السيادة.. صراع إثيوبيا للتحول إلى قوة بحرية في مواجهة «الفيتو» الصومالي

آبي أحمد
آبي أحمد

في قلب القرن الأفريقي الملتهب، تنبعث من رماد الجغرافيا أحلام إمبراطورية قديمة تسعى لتجاوز لعنة اليابسة التي طاردتها منذ استقلال إريتريا قبل ثلاثة عقود، حيث تجد إثيوبيا نفسها اليوم في سباق مع الزمن لكسر حصارها الجغرافي والتحول إلى قوة بحرية مهيمنة في مياه البحر الأحمر وخليج عدن.

لم يكن التوقيع المفاجئ لمذكرة التفاهم مع إقليم "أرض الصومال" الانفصالي، مجرد اتفاق تجاري عابر، بل كان بمثابة زلزال جيوسياسي أعاد رسم خارطة التحالفات والخصومات في المنطقة، واضعاً طموحات أديس أبابا في صدام مباشر مع السيادة الصومالية التي تعتبر هذا التحرك انتهاكاً صارخاً لوحدة أراضيها.

وبينما يرى رئيس الوزراء آبي أحمد أن الوصول إلى البحر هو مسألة وجودية تضمن مستقبل شعبه وتنمية بلاده، تنظر مقديشو ومعها عواصم عربية وإقليمية إلى هذا التوسع كتهديد للأمن القومي العربي وخرق للقانون الدولي، مما يحول مياه المنطقة إلى ساحة حرب باردة قد تنفجر في أي لحظة لتشعل صراعاً إقليمياً لا يمكن التنبؤ بنهايته، وسط تداخل معقد للمصالح الدولية التي تتجاذب أطراف الأزمة بين الاعتراف بالواقع الجديد أو التمسك بقدسية الحدود الموروثة.

الطموحات الإثيوبية ورهان كسر الانغلاق الجغرافي

تبدأ القصة من هواجس أديس أبابا التي لم تغادر مخيلة القيادة السياسية منذ فقدانها لموانئ عصب ومصوع، حيث أصبحت إثيوبيا الدولة الحبيسة الأكثر سكاناً في العالم، مما جعل اقتصادها رهينة لميناء جيبوتي الذي يمر عبره أكثر من ٩٥٪ من تجارتها الخارجية بتكاليف باهظة تتجاوز ملياري دولار سنوياً. هذا العبء المالي لم يكن المحرك الوحيد، بل إن الرؤية الاستراتيجية لآبي أحمد تتبنى عقيدة مفادها أن النفوذ الإقليمي لا يكتمل إلا بوجود ذراع عسكرية وبحرية في واحدة من أهم الممرات المائية في العالم. لذا جاء الاتفاق مع "أرض الصومال" كضربة معلم سياسية تمنح إثيوبيا حق استئجار ٢٠ كيلومتراً من الساحل لمدة خمسين عاماً مقابل الاعتراف المحتمل بالإقليم كدولة مستقلة، وهو الرهان الذي تراه أديس أبابا ضرورياً لتأمين أمنها القومي وتوسيع نطاق مناوراتها الجيوسياسية بعيداً عن ضغوط دول الجوار. ولكن هذا الطموح اصطدم بجدار صلب من الرفض القانوني والسياسي، حيث اعتبرت التقارير الدولية الصادرة عن مراكز أبحاث مثل "مجموعة الأزمات الدولية" أن هذه الخطوة قفزة في المجهول قد تؤدي إلى عزلة دبلوماسية للبلاد بدلاً من تأمين منفذها البحري المنشود.

المواجهة القانونية وتصاعد التوتر مع مقديشو

لم تتأخر الصومال في الرد على ما اعتبرته طعنة في الظهر، حيث شنت مقديشو حملة دبلوماسية مكثفة جابت خلالها العواصم الكبرى لحشد الدعم ضد التحركات التي تقودها إثيوبيا في أراضيها السيادية. الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وصف الاتفاق بأنه عمل من أعمال العدوان، مؤكداً أن سيادة الصومال ليست محل تفاوض أو مساومة مقابل أحلام التوسع الجغرافي لجيرانه. هذا الموقف الصومالي لم يكن مجرد تصريحات إعلامية، بل ترجم إلى تحركات على الأرض من خلال تعزيز التحالفات العسكرية مع القوى الإقليمية المنافسة لأديس أبابا، وفي مقدمتها مصر وتركيا. وبينما تصر إثيوبيا على أن رغبتها في الوصول إلى البحر سلمية وتهدف للتنمية المشتركة، فإن القانون الدولي يقف في صف مقديشو التي تستند إلى ميثاق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الذي يرفض المساس بالحدود المعترف بها. 
وبحسب تقارير صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن الصراع تحول من نزاع على منفذ بحري إلى معركة على الشرعية الدولية، حيث تحاول أديس أبابا فرض واقع جديد مستغلة ضعف الوضع الأمني في الصومال، بينما تراهن الأخيرة على التضامن العربي والإسلامي لإفشال هذا المخطط الذي تراه مشروعاً استعمارياً في ثوب اقتصادي.

توازنات القوى الإقليمية وتداخل المصالح الدولية

دخلت الأزمة نفقاً مظلماً مع تدخل القوى الإقليمية التي وجدت في الصراع فرصة لتصفية حسابات قديمة أو تعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي الحيوية. مصر، التي تعاني أصلاً من توترات مع إثيوبيا بسبب ملف سد النهضة، وجدت في التهديد البحري الصومالي جبهة جديدة للضغط على أديس أبابا، مما دفعها لتوقيع بروتوكول تعاون عسكري مع مقديشو وإرسال مساعدات عسكرية نوعية.

هذا الدخول المصري القوي أربك حسابات إثيوبيا التي بدأت تشعر بأن طموحها البحري قد يكلفها مواجهة عسكرية واسعة النطاق لا تقتصر على الصومال وحده. ومن جهة أخرى، برز الدور التركي كوسيط يحاول نزع فتيل الأزمة عبر جولات حوار في أنقرة، إلا أن الفجوة بين المطالب الإثيوبية بالوصول السيادي للبحر والرفض الصومالي لأي انتقاص من سيادته جعلت مساعي الوساطة تراوح مكانها. وتكشف تقارير "المعهد الرزي للدراسات" أن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تنظر بقلق بالغ إلى هذا التصعيد، خشية أن يؤدي انهيار التعاون الأمني بين دول المنطقة إلى عودة نشاط حركة الشباب الإرهابية وقرصنة السفن، مما يهدد أمن الملاحة الدولية في باب المندب.

مآلات الصراع ومستقبل الاستقرار في القرن الأفريقي

يبقى السؤال الجوهري معلقاً في أفق التوقعات: هل ستتمكن إثيوبيا من تحويل "سراب السيادة" إلى واقع ملموس، أم أن الفيتو الصومالي سيظل الصخرة التي تتحطم عليها أحلام آبي أحمد؟.
الواقع الميداني يشير إلى أن أديس أبابا ماضية في بناء قدراتها البحرية وتدريب كوادرها البحرية حتى قبل الحصول على الميناء، مما يعكس إصراراً لا يلين على استعادة مجدها البحري المفقود. ومع ذلك، فإن الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الداخلية التي تعاني منها إثيوبيا قد تجبرها في نهاية المطاف على البحث عن حلول وسط، مثل الدخول في شراكات تجارية محضة دون المطالبة بملكية سيادية للأراضي الساحلية. وفي المقابل، فإن الصومال يدرك أن الاستمرار في حالة العداء مع جاره القوي قد يستنزف موارده المحدودة، لكن التنازل عن السيادة يعد انتحاراً سياسياً لأي قيادة في مقديشو. إن المشهد الراهن ينذر بصراع طويل الأمد، حيث تتداخل فيه العاطفة القومية مع المصالح الحيوية، وتظل فيه إثيوبيا تبحث عن نافذة على العالم في محيط من الرفض والارتياب، مما يجعل منطقة القرن الأفريقي تعيش على فوهة بركان قد يغير وجه المنطقة لعقود قادمة.