شروط تجنّب الحرب: المعضلة الاستراتيجية لإيران
لتجنّب الضربة الأمريكية، لا يكفي أن تُقدِّم إيران إشارات تهدئة عامة أو تعود إلى لغة التفاوض بوصفها غاية في حد ذاتها، بل المطلوب مجموعه متكاملة من التنازلات القابلة للتحقق، تعالج بواعث القلق الاستراتيجي الأمريكي، وتعيد تعريف موقع إيران داخل معادلة الأمن الإقليمي، فواشنطن لا تنظر إلى السلوك الإيراني بوصفه ملفًا نوويًا منفصلًا، بل كمنظومة تهديد مركّبة تمتد من القدرات النووية، إلى الصواريخ الباليستية، مرورًا بشبكات النفوذ الإقليمي ، ومن ثمّ، فإن أي مسار لتفادي المواجهة العسكرية يقتضي معالجة هذه المنظومة كوحدة واحدة، لا تفكيكها انتقائيًا.
في قلب هذه المطالب يقف الملف النووي، ولكن بصيغة تختلف جوهريًا عن ما كان مطروحًا في اتفاق 2015. فالطلب الأمريكي لا يقتصر على العودة إلى سقوف التخصيب المحدودة أو إعادة تفعيل آليات الرقابة السابقة، بل يذهب إلى تفكيك فعلي لقدرة إيران على التحوّل السريع إلى دولة نووية، ويشمل ذلك وقف التخصيب عند مستويات منخفضة بشكل دائم، والتخلّص الكامل من المخزون عالي التخصيب، وقبول نظام تفتيش موسّع ومفتوح زمنيًا، لا يخضع لقيود سياسية أو تفاوضية لاحقة. وتشير تقديرات صانعي القرار في واشنطن، المدعومة بتوافق داخل المؤسستين السياسية والعسكرية، إلى أن استمرار الغموض النووي الإيراني لم يعد يُدار كأزمة قابلة للاحتواء، بل أصبح يُصنّف كخطر استراتيجي تتزايد احتمالات تفاقمه مع كل يوم يمر دون تحوّل جوهري في سياسة إيران النووية.
غير أن النووي وحده لا يكفي. فالبرنامج الصاروخي الإيراني، ولا سيما الصواريخ الباليستية متوسطة وبعيدة المدى، يُنظر إليه في واشنطن كأداة الربط الحقيقية بين الطموح النووي والقدرة على فرض الوقائع بالقوة، ومن هنا، فإن تجنّب الضربة يستلزم قبول قيود واضحة وملزمة على تطوير هذه المنظومات، سواء من حيث المدى أو الدقة أو الانتشار، فالمطلوب ليس تعهّدات سياسية عامة، بل التزامات محدده قابلة للقياس والتحقق، بما يقطع الطريق أمام تحويل أي إنجاز نووي محتمل إلى قدرة ردع أو ابتزاز عسكري.
إلى جانب ذلك، تحتل السلوكيات الإقليمية موقعًا متقدّمًا في سلّم الشروط الأمريكية، فواشنطن تعتبر أن شبكة الوكلاء التي تديرها طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن تمثّل الامتداد العملي للسياسة الإيرانية خارج حدودها، وأداة لتقويض الاستقرار الإقليمي وتهديد حلفاء الولايات المتحدة، وبالتالي، فإن المطلوب ليس مجرد خفض حدّة الخطاب أو ضبط إيقاع التصعيد، بل تفكيك تدريجي وموثوق لهذه الشبكات، ووقف الدعم العسكري واللوجستي لها، والقبول بمبدأ حصرية السلاح بيد الدول الوطنية. دون ذلك، ستظل أي تفاهمات أخرى هشّة وقابلة للانهيار.
كما يدخل أمن الملاحة الدولية، خصوصًا في الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر، ضمن المعايير الحاسمة لتجنّب العمل العسكري، فالهجمات غير المباشرة أو العمليات التي تُنسب إلى إيران أو حلفائها تُقرأ في واشنطن باعتبارها اختبارًا لإرادة الردع الأمريكية، لا كحوادث معزولة. ومن ثمّ، فإن التزامًا صريحًا ومُثبتًا بعدم استهداف الممرات البحرية بات شرطًا أساسيًا لإعادة بناء أي قدر من الثقة.
ولا يقلّ ملف العلاقات مع القوى الدولية أهمية، ولا سيما في ظل التقارب العسكري بين إيران وكلٍّ من روسيا والصين، فالإدارة الأمريكية ترى أن هذا التقارب، خاصة في مجالات التسليح والتكنولوجيا الحسّاسة، يُضاعف من خطورة التحدي الإيراني ويُدرجه ضمن سياق صراع دولي أوسع. لذلك، فإن تخفيف هذا الانخراط، أو على الأقل وضع حدود واضحة له، يُعد جزءًا من المعادلة غير المعلنة لتفادي التصعيد العسكري.
لذا فإن ما تطلبه الولايات المتحدة من إيران ليس تغييرًا تكتيكيًا في السلوك، بل تحوّلًا استراتيجيًا في المنطق الحاكم للسياسة الإيرانية: من منطق إدارة التوتر واستثمار حافة الهاوية، إلى منطق تقليص مصادر الصدام وقبول قواعد اشتباك أكثر تقييدًا ، فالفشل في إدراك هذا التحوّل، أو الرهان على أن الوقت وحده كفيل بتبديد التهديد، قد يدفع الأمور نحو خيار عسكري بات يُنظر إليه في واشنطن باعتباره أداة استباقية مشروعة، لا ملاذًا أخيرًا
ومع استحالة تصور أن حكم الملالي سيقبل تقديم كل هذه التنازلات، التي قد يفسرونها على أنها استسلام كامل لثقلهم الاستراتيجي، يظل التوتر متأججًا، ويضع الطرفين في سباق محموم بين إدارة أزمة قابلة للانفجار في أي لحظة، وخيار عسكري قد يتحوّل إلى قرار حاسم قبل أن يتحقق أي حل تفاوضي مستدام، تاركًا المنطقة بأسرها على شفا مواجهة قد تعيد إعادة رسم موازين القوى الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
السفير عمرو حلمي