دخلت الفن صدفة ورحلت مقتولة.. هدى شعراوي وأسرار صادمة في حياتها
شهدت العاصمة السورية دمشق أمس فاجعة إنسانية وفنية كبرى تمثلت في مقتل هدى شعراوي، الفنانة القديرة التي طالما رسمت البسمة على وجوه الملايين، حيث عثرت السلطات الأمنية عليها جثة هامدة داخل منزلها في حي باب سريجة العريق، لتبدأ رحلة البحث عن خيوط الجريمة التي وقعت في ظروف غامضة وصادمة للشارع السوري والعربي على حد سواء، خاصة وأن الراحلة كانت تعد أيقونة من أيقونات الزمن الجميل وواحدة من المؤسسات للحركة الفنية النسائية في البلاد.
تفاصيل الجريمة المروعة وسقوط المشتبه بها
كشف قائد الأمن الداخلي السوري العميد أسامة عاتكة عن كواليس التحقيقات التي انطلقت فور العثور على جثة الضحية، وفقا لما رصده موقع تحيا مصر، حيث تبين من المعاينة الأولية أن الوفاة ناتجة عن اعتداء عنيف بأداة صلبة أدى إلى نزيف حاد فارقت على إثره الحياة، وأشار المسؤول الأمني إلى أن المتابعة الفورية والتحريات الجنائية قادت للاشتباه بخادمة المنزل التي توارت عن الأنظار فور وقوع الحادثة.
مما استدعى استنفاراً أمنياً أفضى لإلقاء القبض عليها في وقت قياسي، لتقر بارتكابها الفعل الجرمي بانتظار استكمال التحقيقات لمعرفة الدوافع الحقيقية وراء مقتل هدى شعراوي وما إذا كانت هناك أطراف أخرى حرضت أو ساهمت في هذه النهاية المأساوية لفنانة الثمانين عاماً.

مسيرة حافلة من حي الشاغور إلى نجومية باب الحارة
لم يكن خبر مقتل هدى شعراوي مجرد حادثة جنائية عابرة، بل كان طعنة في ذاكرة الفن العربي، فالراحلة التي ولدت في حي الشاغور بدمشق عام 1938، بدأت مشوارها الفني بالصدفة وهي لم تتجاوز التاسعة من عمرها حين اكتشف موهبتها الفنان أنور البابا.
لتصبح من أوائل الفتيات اللواتي دخلن مبنى الإذاعة السورية وكسرن قيود التحفظ الاجتماعي السائد آنذاك، وقد تنوعت بصمتها بين الغناء والمسرح والسينما، إلا أن شخصية "أم زكي" في مسلسل "باب الحارة" ظلت العلامة الفارقة التي التصقت بوجدان الجمهور، حيث قدمت فيها دور "الداية" والحكيمة بطريقة جعلتها فرداً من كل بيت عربي.
انقسام الشارع بين الحزن والمطالبة بالعدالة
أحدثت التقارير الواردة حول مقتل هدى شعراوي موجة من الجدل الواسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين ناعٍ للفنانة الراحلة ومستنكر لبشاعة الجريمة، وبين ناشطين حقوقيين طالبوا بضرورة البحث في أسباب الدوافع العميقة التي دفعت الخادمة لارتكاب فعلتها.
مشيرين إلى ضرورة عدم إغفال الجوانب النفسية والاجتماعية في مثل هذه القضايا، في حين استذكر آخرون مقاطع فيديو قديمة للراحلة كانت تتحدث فيها عن معاناتها مع العمالة المنزلية، مما أضفى صبغة من التراجيديا على الحادثة، مؤكدين أن غياب فنانة بحجمها وبهذه الطريقة يمثل خسارة لا تعوض للوسط الثقافي السوري.
الوداع الأخير وإرث فني لن ينمحي
بينما ينتظر الجمهور التقرير الطبي النهائي وصدور الأحكام القضائية، تبقى ذكرى هدى شعراوي حية من خلال أعمالها التي لم تنقطع حتى آخر أيامها، إذ كان ظهورها الأخير في مسلسل "ليالي روكسي" دليلاً على شغفها الذي لم يطفئه العمر، وقد نعتها نقابة الفنانين بكلمات مؤثرة عكست قيمة هذه القامة الكبيرة، ورغم أن مقتل هدى شعراوي وضع نقطة النهاية لمسيرة استمرت ثمانية عقود.
إلا أن أرشيفها الضخم في الدراما التلفزيونية والسينمائية سيظل شاهداً على موهبة فذة دخلت الفن صدفة لتخرج منه كأحد أهم أعمدة الفن السوري المعاصر، تاركة خلفها حزناً عميقاً في قلوب رفاق دربها ومحبيها.