< بين الحرس والبرلمان الإيراني.. عواقب تصنيف الجيوش الأوروبية إرهابية على أمن الخليج
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

بين الحرس والبرلمان الإيراني.. عواقب تصنيف الجيوش الأوروبية إرهابية على أمن الخليج

 الحرس الثوري
الحرس الثوري

بعد أن شهدت قاعة البرلمان الإيراني تحولاً دراماتيكياً تجاوز حدود الجدل السياسي التقليدي ليدخل منطقة "الاشتباك القانوني" المباشر مع القارة العجوز، حيث لم يكن تصويت النواب على تفعيل "المادة السابعة" لتصنيف الجيوش الأوروبية كمنظمات إرهابية مجرد رد فعل عابر، بل كان إعلاناً رسمياً عن انتهاء حقبة "الوساطة الأوروبية" وبدء مرحلة المواجهة المفتوحة. 

زلزال تشريعي يضرب ممرات الطاقة ويمزق قفازات الدبلوماسية الناعمة بين إيران وأوروبا، في وقت جاء فيه تحرك البرلمان الإيراني  رداً على مساعي بروكسل لتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وضع أمن الخليج العربي وممرات التجارة العالمية في عين العاصفة، محولاً مضيق هرمز من شريان حيوي للطاقة إلى ساحة احتكاك محتملة بين الزوارق الإيرانية والقطع البحرية الأوروبية.

ومع ارتداء النواب الإيرانيين لزي الحرس الثوري تحت قبة البرلمان، اكتملت المشهدية الرمزية التي تشير إلى أن طهران قررت خلع ثوب الدبلوماسية وارتداء بزة الحرب، مما يغلق الأبواب أمام إحياء الاتفاق النووي ويضع استقرار المنطقة على كف عفريت، وسط مخاوف دولية من تحول السفارات إلى مراكز توتر قانوني وطرد الملحقين العسكريين، ما يعني قطع آخر خيوط الاتصال قبل الانفجار الكبير.

رمزية البزة العسكرية واحتراق جسور التفاوض

لم يكن مشهد النواب في البرلمان الإيراني وهم يرتدون الزي العسكري الأخضر المميز للحرس الثوري الإيراني مجرد استعراض للقوة، بل كان رسالة سياسية عميقة موجهة بالدرجة الأولى إلى الداخل الإيراني وإلى العواصم الأوروبية على حد سواء. 

ووفقاً لتحليل نشرته صحيفة "شرق" الإيرانية، فإن هذا التوحد الشكلي بين السلطة التشريعية والمؤسسة العسكرية يهدف إلى إظهار جبهة داخلية صلبة لا تقبل التجزئة، حيث اعتبر المحللون أن الرسالة هي أن أي مساس بالحرس الثوري هو مساس بالدولة الإيرانية ككل. 

هذا التصعيد الرمزي تزامن مع تفعيل المادة السابعة من قانون "الإجراء المضاد" الذي يتيح للحكومة الإيرانية التعامل مع القوات المسلحة للدول الأوروبية كقوات إرهابية، مما يمنح القضاء والقوات المسلحة الإيرانية غطاءً قانونياً للتعامل مع أي نشاط أوروبي في المنطقة كنشاط إرهابي. 

وحسب ما نقله موقع "إيران إنترناشيونال"، فإن خطوة البرلمان الإيراني تعكس حالة من اليأس من المسارات الدبلوماسية التي قادتها فرنسا وألمانيا وبريطانيا خلال السنوات الماضية، حيث ترى طهران أن أوروبا قد انحازت بشكل كامل للموقف الأمريكي المتشدد، مما جعل العودة إلى طاولة المفاوضات النووية أمراً شبه مستحيل في ظل هذه الأجواء المشحونة بالعداء المتبادل.

مضيق هرمز ورهان الملاحة في حقل الألغام القانوني

بمجرد دخول هذا تصنيف البرلمان الإيراني حيز التنفيذ، انتقل التوتر من أروقة السياسة إلى مياه الخليج الدافئة، حيث أصبحت القواعد القانونية للتعامل مع السفن والقطع البحرية الأوروبية محكومة بقوانين "مكافحة الإرهاب" الإيرانية.

ووفق خبراء فإن هذا التحول يرفع من احتمالات الاحتكاك العسكري في مضيق هرمز، حيث قد تجد السفن الحربية الأوروبية التي تشارك في مهام حماية الملاحة نفسها عرضة للاعتراض أو المضايقة من قبل القوات البحرية الإيرانية بحجة أنها "قوات إرهابية" غير قانونية.

إن خطورة الموقف تكمن في أن طهران قد تستخدم هذا الغطاء القانوني لتبرير احتجاز ناقلات نفط تابعة لدول أوروبية أو فرض قيود مشددة على مرور السفن التي ترفع أعلاماً أوروبية، مما يضع أمن الطاقة العالمي في خطر حقيقي. 

إن القوات البحرية الإيرانية قد تلجأ إلى تكتيكات "حرب العصابات البحرية" مستغلة التصنيف الجديد لشرعنة عملياتها أمام الرأي العام الداخلي، وهو ما سيجبر القوى الدولية على تعزيز وجودها العسكري، مما يزيد من احتمالية وقوع خطأ حسابي يؤدي إلى اندلاع مواجهة شاملة لم يخطط لها أحد.

دول الخليج وتحديات البقاء في قلب العاصفة الجيوسياسية

تجد دول الخليج العربي نفسها اليوم في وضع لا تحسد عليه، حيث تقع في بؤرة التوتر المباشر بين جارتها القوية وشركائها الأمنيين والتجاريين في أوروبا. 

وبحسب دراسة نشرها معهد "تشاتام هاوس"، فإن أي تصعيد عسكري أو قانوني بين إيران وأوروبا سينعكس فوراً على استقرار الأسواق الخليجية وتدفقات الاستثمار الأجنبي، إذ تخشى دول المنطقة من أن تتحول أراضيها أو مياهها الإقليمية إلى ساحة لتصفيات الحسابات.

وتؤكد تقارير اقتصادية أن القلق الخليجي ينبع من احتمال تعطل سلاسل الإمداد العالمية في حال نفذت طهران تهديداتها بإغلاق المضائق أو مضايقة السفن، وهو ما سيعني قفزة جنونية في أسعار النفط والتأمين البحري. وفي هذا السياق.

كما تشير تحليلات "وول ستريت جورنال" إلى أن دول الخليج قد تضطر لموازنة علاقاتها بدقة متناهية لتجنب الانجرار إلى هذا الصراع، خاصة في ظل سعيها لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط، وهو ما يتطلب استقراراً إقليمياً طويل الأمد يبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى بسبب التشريعات التصادمية التي تتبادلها طهران وبروكسل.

خريف السفارات ونهاية عصر الملحقين العسكريين

لا تتوقف تداعيات التصنيف عند الحدود البحرية، بل تمتد لتضرب عمق العمل الدبلوماسي في طهران، حيث بدأت أصوات برلمانية إيرانية متطرفة تطالب بطرد الملحقين العسكريين الأوروبيين فوراً باعتبارهم "عناصر تنسيق إرهابية".

ووفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية "إرنا"، فإن هناك ضغوطاً متزايدة لتحويل مقار السفارات الأوروبية إلى مراكز خاضعة للرقابة القانونية المشددة، مما يعيق قدرة الدبلوماسيين على أداء مهامهم التقليدية. 
هذا التوجه، في حال تحققه، سيعني عملياً قطع قنوات الاتصال العسكري التي كانت تساهم في منع سوء الفهم الميداني، وهو ما وصفه محللون في "مجموعة الأزمات الدولية" بأنه "انتحار دبلوماسي" ينهي أي فرصة للوساطة.

إن تحويل البعثات الدبلوماسية إلى نقاط توتر قانوني يفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة تشمل تجميد الأصول الأوروبية في إيران أو حتى ملاحقة القادة العسكريين الأوروبيين عبر مذكرات توقيف دولية تصدرها المحاكم الإيرانية، مما يحول العلاقة مع بروكسل من خلاف سياسي حول الملف النووي إلى عداء وجودي ومباشر يصعب علاجه في المستقبل القريب.

الزحف نحو المواجهة الشاملة وضياع بوصلة التهدئة

يبدو أن المنطقة تتجه نحو مسار مجهول المعالم، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين السياسة والحرب القانونية، حيث لم تعد أوروبا  تمتلك الكثير من الأوراق للضغط على طهران سوى العقوبات الاقتصادية، بينما ترد إيران بتصعيد تشريعي يمس صلب الأمن القومي الأوروبي في البحار.

تصادم في التصنيفات الإرهابية يخلق واقعاً قانونياً معقداً يمنع أي طرف من التراجع دون فقدان ماء الوجه، مما يجعل احتمالات التهدئة تتلاشى لصالح منطق "العين بالعين"، بينما الخليج، الذي ظل لعقود ركيزة لاستقرار العالم، بات اليوم رهينة لقرارات تشريعية قد تحول أي رحلة بحرية روتينية إلى فتيل لإشعال حرب كبرى. وبينما ينتظر العالم الخطوة التالية من بروكسل، يبدو أن طهران قد حسمت خيارها بالاستعداد للأسوأ، مراهنة على قدرتها على الصمود في وجه العزلة الدولية، حتى لو كان الثمن هو إحراق آخر الجسور التي تربطها بالغرب وتغيير خارطة التحالفات في الشرق الأوسط إلى الأبد.