< دبي التي لا تظهر في الصور..  علي الشعالي يغسل وجه المدينة من مساحيق الدعاية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

دبي التي لا تظهر في الصور..  علي الشعالي يغسل وجه المدينة من مساحيق الدعاية

جلسة كيف تكتب الأسئلة
جلسة كيف تكتب الأسئلة الكبرى؟

بينما كانت أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب تضج بصخب الباعة وزحام الزوار، اختتمت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة برنامج «استراحة معرفة»  ضمن فعاليات المعرض في دورته الـ 57 بجلسة حملت عنوان «كيف تكتب الأسئلة الكبرى؟»،  أدارتها الوكيلة الأدبية رولا البنا، وجمعت بين الكاتب والناشر الإماراتي علي الشعالي، والكاتبة المصرية ضحى عاصي.

 في تلك المساحة التي نظمتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم  كان الهدوء يمارس سلطته، فلم تكن الكلمات تُلقى لملء الوقت، بل لزعزعة اليقين، حيث وجد علي الشعالي نفسه في مواجهة  مع "الأسئلة الكبرى" التي تهرب منها الكتابة السائدة نحو بريق الجوائز أو هدوء الماضي، وهو يعلن أن الأدب الذي لا يربك قارئه هو مجرد حبر ضائع على ورق زائد.

علي الشعالي الذي يدرك  أن المكان في الرواية ليس مسرحاً صامتاً، بل  سلطة تمارس احتواءها على أبطاله، رفض  تحويل مدينته "دبي" إلى مجرد أيقونة سياحية براقة أو غلاف لبطاقة بريدية لامعة، وانحاز في سرده للأزقة التي تفوح منها رائحة التوابل وعرق الكادحين، وللأسواق القديمة التي تختبئ في ظلال الأبراج الشاهقة، ففي روايته "اسمي علياء وهذا أبي"، لا نرى المدينة من خلال شاشات العرض، بل نلمسها عبر جلود الشخصيات المنهكة وهوياتها المتشظية.

 يرى علي الشعالي أن "البطل الحقيقي" في نصه هو ذلك التوتر القائم بين الهوية الرسمية التي تمنحها الأوراق، ونظيرتها الإنسانية التي تُصهر في أزقة المدينة الرطبة، بالنسبة له، الكتابة هي فعل استعادة للمكان من قبضة "الدعاية"، وإعادة تمليكه للناس العاديين، للباعة الآسيويين، وللعائلات التي تختبر قيمها تحت ضغط التغيير المتسارع.

هروب نحو الحاضر.. لغة القوة وفلسفة "إبدال الأدمغة"

يؤمن علي الشعالي بأن الروائي الحقيقي هو "ابن لحظته" بامتياز، ومن هنا ينبع رفضه القاطع للاختباء خلف عباءة التاريخ أو استحضار الشخصيات التراثية لتصفية حسابات الحاضر، بالنسبة له، المستقبل ليس خيالاً علمياً بعيداً، بل هو واقع يقرع أبوابنا عبر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. 

وفي رواية "الحي الحي"، يذهب علي الشعالي بعيداً في طرح أسئلته الوجودية من خلال فرضية "إبدال الأدمغة"، ليضعنا أمام مرآة صلبة: ماذا يتبقى من "الأنا" إذا تغيرت المادة؟ وهل الروح مجرد نبضات كهربائية أم أنها جوهر لا يقبل الاستنساخ؟

هذا الانشغال بالمستقبل لم ينفصل عن وعيه العميق باللغة العربية، ليس كقالب جمالي، بل كأداة للصراع والسيطرة في العصر الرقمي، حيث أشار  علي الشعالي بذكاء إلى أن الآخرين يدرسون لغتنا ويوظفونها بدقة في مناطق النزاع والمنصات العالمية كقوة ناعمة، بينما نكتفي نحن بتقديسها شكلياً دون إدراك تأثيرها الجيوسياسي والمعرفي الحقيقي.

من تجريد الشعر إلى خشونة الواقع..  السرد كمرآة عارية

انتقال علي الشعالي من عالم القصيدة الموغل في التجريد إلى رحابة السرد الروائي لم يكن مجرد تغيير في الجنس الأدبي، بل كان استجابة لضرورة أخلاقية ومعرفية، حيث يرى الشعالي أن هناك قضايا إنسانية لا تحتمل مجاز الشعر الكثيف، بل تتطلب لغة "خشنة" ومباشرة تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع قبحه وجماله على حد سواء.

الكتابة عند علي الشعالي تنبع من حالة "تشوش" أصيلة؛ فهو يعتقد يقيناً أن التصالح مع الذات هو عدو الإبداع الأول،  فالمغتربون، والقلقون، والذين لا يجدون مكاناً ثابتاً لهوياتهم، هم وحدهم القادرون على صياغة أسئلة تقلب الطاولة على اليقين. 

هكذا اختتمت الجلسة، تاركةً الجمهور أمام حقيقة واحدة: أن الأدب مع علي الشعالي لا يقدم إجابات تريح الأعصاب، بل يمنحنا "لغة أصدق للشك"، ويجعل من الأسئلة الكبرى جزءاً أصيلاً من لحم النص، لا مجرد عناوين عابرة على أغلفة الكتب.