< بورصة الرياض تحرق مراكب العزلة.. السوق السعودية تستقبل المستثمرين وتودع البيروقراطية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

بورصة الرياض تحرق مراكب العزلة.. السوق السعودية تستقبل المستثمرين وتودع البيروقراطية

بورصة السعودية
بورصة السعودية

السوق السعودية تدخل اليوم مرحلة تاريخية تتجاوز فيها مفاهيم الاستثمار التقليدية، حيث أطلقت المملكة العنان لرؤوس الأموال العالمية عبر إلغاء كافة الحواجز أمام المستثمرين الأجانب، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خارطة التدفقات النقدية في المنطقة.
هذا التحول الجذري، الذي أعلنت عنه هيئة السوق المالية، ينهي حقبة "المستثمر الأجنبي المؤهل" ليفتح الأبواب مشرعة أمام الأفراد والمؤسسات من شتى بقاع الأرض للتملك المباشر في الأسهم المدرجة، وهي قفزة نوعية تعزز من كفاءة التداول وتضع بورصة الرياض في قلب المشهد المالي العالمي.

ومع ذلك، لم تكن البداية مفروشة بالورود، إذ اصطدم هذا التفاؤل الاستراتيجي بجدار من الضغوط الجيوسياسية وعمليات جني الأرباح التي ألقت بظلالها على مؤشر "تاسي" في أولى جلساته بعد القرار، مما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي يعيشها الاقتصاد السعودي حالياً بين طموحات الانفتاح وتحديات الاستقرار الإقليمي.

مخاض الانفتاح في مواجهة عواصف الجغرافيا السياسية

رغم الزخم الكبير الذي أحدثه قرار فتح السوق السعودية أمام جميع فئات المستثمرين، إلا أن شاشات التداول سجلت تراجعاً حاداً بلغ نحو 2.6 في المئة، وهو ما اعتبره المحللون ضريبة طبيعية لموجة الصعود القوية التي سبقت التنفيذ الفعلي للقرار. 

المؤشر العام كان قد كسب أكثر من 10 في المئة من قيمته منذ الإعلان الأولي عن هذه التعديلات في مطلع العام الماضي، مما جعل عمليات جني الأرباح أمراً حتمياً مع وصول الأسعار إلى مستويات مغرية للبيع. 

ولم يكن المناخ السياسي بمنأى عن التأثير، إذ إن نذر المواجهة العسكرية في المنطقة والترقب لسياسات الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه إيران، فرضا حالة من الحذر الشديد، مما دفع المستثمرين إلى توخي الحيطة بدلاً من الاندفاع خلف السيولة الأجنبية الوافدة. 

هذا التباين بين القرار التاريخي والأداء اللحظي يجسد واقع الأسواق المالية التي تتحرك بدوافع متعددة، حيث تتصارع القيمة الاستثمارية طويلة الأجل مع القلق من المجهول القريب.
 

رحلة التحول من القيود المشروطة إلى التملك المطلق

لقد مرت السوق السعودية برحلة طويلة من النضج التنظيمي بدأت في منتصف عام 2015، حينما سُمح لأول مرة للأجانب بالدخول عبر شروط صارمة تطلبت تأهيلاً مسبقاً ورؤوس أموال ضخمة. واليوم، نرى ثمرة هذا التدرج في إلغاء الإطار التنظيمي لاتفاقات المبادلة، وهو ما يعني انتقال المستثمر الدولي من دور "المستفيد الاقتصادي" غير المباشر إلى مالك أصيل للسهم يتمتع بكافة الحقوق. 

هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء فني، بل هي رسالة ثقة موجهة إلى المراكز المالية في نيويورك ولندن وهونغ كونغ، مفادها أن البورصة السعودية أصبحت تمتلك الأدوات التشريعية التي تضاهي كبرى الأسواق العالمية. 

وتشير التوقعات  إلى أن رفع سقف الملكية الأجنبية المحتمل إلى 100 في المئة سيكون المحفز الأكبر في المرحلة المقبلة، حيث يترقب بنك "جيه بي مورغان" تدفقات تتجاوز 10 مليارات دولار، مما يعزز من عمق السوق ويقلل من حدة التذبذبات الناتجة عن تعاملات الأفراد المحليين.

قطاعات النخبة والرهان على استدامة الأرباح المؤسسية

في ظل هذا الانفتاح، تتجه الأنظار نحو القطاعات القيادية التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، حيث يُتوقع أن تكون البنوك والاتصالات والرعاية الصحية هي الوجهة الأولى للسيولة العالمية.
ويرى خبراء المال أن السوق السعودية ستشهد نوعاً من "الانتقائية الذكية"، إذ إن المستثمر الأؤسسي الأجنبي لا ينجرف خلف الشائعات، بل يبحث عن العوائد المجزية والنتائج المالية الرصينة.

قطاع التعدين، رغم تعرضه لضغوط مؤقتة نتيجة تراجع أسعار المعادن النفيسة، يظل أحد الأهداف الاستراتيجية للاستثمارات الأوروبية والصينية التي تبحث عن فرص النمو المرتبطة برؤية 2030. 

الأهم من ذلك، أن دخول شريحة الأفراد الأجانب سيمنح التداولات اليومية سيولة مرنة، بينما ستتكفل المؤسسات الكبرى ببناء مراكز استثمارية طويلة الأمد، مما يخلق توازناً مفقوداً في السابق بين المضاربة السريعة والاستثمار الاستراتيجي المستدام.

الآفاق المستقبلية وموعد النضوج الكامل للتدفقات النقدية

بالنظر إلى المستقبل، فإن الأثر الحقيقي لفتح السوق السعودية لن يظهر في غضون أيام أو أسابيع، بل يتوقع المحللون أن يبدأ التدفق النقدي المكثف في النصف الثاني من عام 2026. 

هذه الفترة الزمنية ضرورية لمديري الصناديق الدولية لإعادة توزيع محافظهم الاستثمارية ودراسة الفرص المتاحة بعد إلغاء البيروقراطية السابقة. إن التحول إلى سوق مفتوحة بالكامل يضع الشركات المدرجة أمام اختبار الشفافية والامتثال للمعايير الدولية، حيث سيصبح التنافس على جذب المستثمر الأجنبي محركاً لتطوير الأداء المؤسسي. 

ومع وصول ملكية الأجانب حالياً إلى مستويات قياسية تتجاوز 120 مليار دولار، فإن الطريق ممهد لكسر أرقام جديدة بحلول عام 2027، شريطة أن تظل العوامل الكلية للاقتصاد السعودي قوية بما يكفي لامتصاص الصدمات الجيوسياسية الخارجية التي لا تزال تمثل التحدي الأبرز في مسيرة الصعود.