أسرار السيادة والعبور.. قراءة في وثائق حرب أكتوبر السرية لأعمال قتال القوات الجوية
يأتي الكشف عن وثائق حرب أكتوبر السرية المتعلقة بأعمال قتال القوات الجوية ليضع بين أيدي الباحثين والأجيال الجديدة مادة خاماً تتسم بالمصداقية والمجردة من أي تأويلات ذاتية، حيث تقدم هذه المجموعة الوثائقية التي صدرت في كتاب متخصص بإعداد أيمن محمد عيد وسمير صلاح الدين السعدني وباعتماد أمني من وزارة الدفاع صورة بانورامية دقيقة للمجهود الجوي المصري الذي لم يكن مجرد أداة لبدء الحرب بل كان العمود الفقري الذي استندت إليه كافة العمليات البرية والبحرية، إذ تبدأ الحكاية من غرف العمليات المظلمة التي شهدت وضع خطط "جرانيت 2 المعدلة" وخرائط الخداع الاستراتيجي وصولاً إلى اللحظات الحاسمة في السادس من أكتوبر وما تلاها من أيام شهدت أعنف الاشتباكات الجوية في التاريخ الحديث، مما يجعل من قراءة هذه الأوراق فرصة لإعادة اكتشاف عبقرية المقاتل المصري وقدرته على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها لكسر التفوق النوعي للعدو، وهي وثائق تعيد صياغة التاريخ وتمنحنا نافذة مباشرة على عقل المؤسسة العسكرية المصرية في لحظات اتخاذ القرار المصيري التي غيرت وجه الشرق الأوسط للأبد.

كواليس التخطيط ومعادلة الخداع في وثائق حرب أكتوبر السرية
إن المتأمل في نصوص وثائق حرب أكتوبر السرية يدرك أن نصر أكتوبر لم يكن وليد الصدفة بل كان نتاج عمل مؤسسي استخباراتي وعملياتي مضنٍ بدأ قبل ساعة الصفر بشهور طويلة، حيث تشير التقارير المرفوعة من شعبة عمليات القوات الجوية في فبراير 1973 إلى دراسات دقيقة للمناخ وإمكانيات الطائرات لتحديد المواعيد المثلى للضربة الجوية، ولم تتوقف العبقرية المصرية عند التجهيز الفني بل امتدت لتشمل خطة خداع استراتيجي محكمة وثقتها الأوامر الصادرة في يناير 1973 والتي شملت بناء مطارات وهمية في الجنوب وتسريب معلومات مضللة عن عدم جاهزية السلاح الجوي، وهو ما أربك حسابات العدو وجعله يوجه أنظاره بعيداً عن الجبهة الحقيقية، بينما كانت الإدارة الهندسية والأمن الجوي يعملان في صمت لتجهيز القواعد الميدانية، وتكشف الوثائق أن دور الحرب الإلكترونية كان حاسماً منذ اللحظات الأولى حيث صدرت توجيهات محددة لإعاقة مراكز السيطرة الإسرائيلية في أم مرجم وأم خشيب وتشويش الرادارات في بالوظة والطاسة لضمان مرور الطائرات المصرية دون رصد، مما يؤكد أن المعركة كانت تدار بعقل إلكتروني متطور سبق عصرنا الحالي، وجعل من اختراق العمق السيناوي عملية جراحية دقيقة أصابت مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية في مقتل وشلت قدرتها على الرد السريع خلال الساعات الأولى للعبور العظيم.

ملحمة السماء ومعارك السيادة الجوية فوق الدلتا والقناة
عندما دقت الساعة الثانية ظهراً في السادس من أكتوبر انطلقت أكثر من مائتي طائرة مصرية لترسم ملامح النصر وتوثق وثائق حرب أكتوبر السرية هذه اللحظة عبر بلاغات عسكرية فورية رصدت نجاح الضربة الجوية الأولى في تدمير مطارات العدو ومواقع صواريخ الهوك، ولم يكتفِ الطيران المصري بهذا الإنجاز بل استمر في تقديم الدعم المباشر للقوات البرية وحماية الكباري من محاولات التدمير الإسرائيلية، وتبرز معركة المنصورة في الحادي عشر من أكتوبر كأحد أعظم الاشتباكات الجوية حيث تصدت ست عشرة طائرة مصرية لعشرين طائرة فانتوم إسرائيلية وأسقطت عدداً كبيراً منها في مشهد أثبت تفوق التكتيك المصري على التكنولوجيا الغربية، وتكشف التقارير اليومية عن كثافة غير مسبوقة في الطلعات الجوية التي بلغت ذروتها في الثامن من أكتوبر بأكثر من أربعمائة طلعة، شملت ضرب تجمعات الدبابات ومراكز الإمداد اللوجستي للعدو، كما توضح الوثائق المشاركة العربية الفعالة من خلال أسراب الطائرات العراقية والجزائرية والدعم السعودي الذي جسد مفهوم القومية العربية في أبهى صوره الميدانية، حيث كانت السماء المصرية مسرحاً لتعاون عسكري متكامل أدى إلى تحجيم دور القوات الجوية الإسرائيلية التي كانت تدعي السيادة المطلقة على المنطقة قبل نشوب القتال.
صراع الثغرة وتوثيق الصمود الجوي حتى وقف القتال
شكلت ثغرة الدفرسوار اختباراً قاسياً للإرادة العسكرية المصرية ولكن وثائق حرب أكتوبر السرية تظهر كيف تعاملت القيادة الجوية مع هذا التحدي بمرونة وشجاعة فائقتين، إذ توضح برقيات الاستطلاع الجوي الصادرة في الثامن عشر من أكتوبر تحذيرات دقيقة عن حشود إسرائيلية تحاول العبور إلى غرب القناة، مما استدعى تدخل لواءات الطيران لقصف تجمعات الدبابات ومعدات العبور رغم كثافة الدفاعات الجوية الميدانية للعدو التي استخدمت وسائل خداع حرارية، وتكشف التقارير أن الطيارين المصريين نفذوا مهاماً استشهادية لتعطيل تقدم قوات العدو في منطقة سرابيوم وطريق الإسماعيلية، ولم تتوقف العمليات عند القصف بل شملت إبرار قوات الصاعقة خلف خطوط العدو لتعطيل حركته وإرباك حساباته، وتؤكد الوثائق المفرج عنها في عام 2024 أن المجهود الجوي المصري استمر بنفس القوة حتى لحظة وقف إطلاق النار، حيث ظلت الطائرات المصرية تطارد طائرات الاستطلاع المعادية وتضرب مراكز الإمداد في العمق، مما حافظ على توازن القوى الميداني ومنع العدو من استغلال الثغرة لتحقيق مكاسب استراتيجية كبرى، إن هذه السجلات التي بقيت حبيسة الأرشيف لعقود تبرهن اليوم على أن القوات الجوية كانت الضمانة الحقيقية للنصر وحائط الصد الأول الذي حطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر وصان التاريخ المصري الحديث بأحرف من نور.