< الذراع الطويلة.. كيف نفذت واشنطن عملية اعتقال الزبير البكوش في قلب العاصمة الليبية؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

الذراع الطويلة.. كيف نفذت واشنطن عملية اعتقال الزبير البكوش في قلب العاصمة الليبية؟

الزبير البكوش
الزبير البكوش

​شهدت الساحة الليبية والدولية تطوراً دراماتيكياً متسارعاً خلال الساعات الماضية، حيث تصدر اسم المواطن الليبي الزبير البكوش واجهات الأخبار العالمية عقب إعلان السلطات الأميركية عن نجاحها في توقيفه ونقله إلى أراضيها لمحاكمته بتهم ثقيلة تتعلق بالإرهاب.

  قضية الزبير البكوش حلقة جديدة في سلسلة الملاحقات الأميركية الطويلة المتعلقة بالهجوم الذي استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012، وهو الحادث الذي لا يزال يلقي بظلاله على العلاقات الليبية الأميركية رغم مرور أكثر من عقد من الزمان. وتأتي عملية القبض على الزبير البكوش لتفتح ملفات شائكة حول سيادة الدولة الليبية، ومدى التعاون الأمني بين حكومة الوحدة الوطنية والجانب الأميركي، خاصة في ظل التصريحات المتضاربة حول مكان وتوقيت وطريقة الاعتقال التي نفذها مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتعاون مع جهات لم يتم الكشف عنها رسمياً حتى اللحظة، مما أثار موجة من الجدل الشعبي والسياسي داخل ليبيا حول قانونية هذه الإجراءات.

​كواليس عملية القبض في عمارات ككلة

​تشير المعلومات الواردة من عائلة المتهم إلى أن عملية توقيف الزبير البكوش جرت في ظروف مباغتة وبعيدة عن الأضواء الإعلامية في البداية، حيث أكد شقيقه عمر البكوش أن القوة المنفذة اقتحمت منزله الواقع في عمارات ككلة بالعاصمة طرابلس. هذا التفصيل المكاني يدحض الشائعات التي روجت لاختطافه من أماكن عامة أو مناطق نائية، ويوضح أن العملية كانت دقيقة ومستهدفة لمنزله بشكل مباشر. وفي ظل صمت رسمي من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تبرز تساؤلات ملحة حول كيفية دخول عناصر أجنبية أو تعاون عناصر محلية لتنفيذ هذا القبض داخل النطاق الجغرافي الذي تسيطر عليه الحكومة. إن غياب التعليق الحكومي الرسمي حتى الآن زاد من حدة التكهنات حول وجود اتفاقات سرية لتسليم المطلوبين، خاصة أن العملية تزامنت مع إشادة واسعة من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، الذي نشر صوراً لوصول البكوش إلى قاعدة أندروز الجوية، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تنسى أبداً ما حدث في بنغازي، وهو ما يعطي للعملية صبغة سياسية ودعائية قوية للإدارة الأميركية الحالية.

​تاريخ الملاحقة وموقف حكومة الدبيبة السابق

​بالعودة إلى جذور الملاحقة القضائية، كشفت مصادر مقربة من العائلة أن الضغوط الأميركية للحصول على الزبير البكوش ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى عام 2021 إبان إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن. في ذلك الوقت، تقدمت واشنطن بطلب رسمي لحكومة الوحدة الوطنية لتسليم البكوش الذي كان محتجزاً لدى إحدى الجهات الأمنية الليبية، إلا أن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة رفض الطلب في حينه متمسكاً بضرورة إجراء التحقيقات على الأراضي الليبية وفقاً للقانون المحلي. 

وبالفعل، خضع البكوش لتحقيقات مطولة استمرت لأكثر من ستة أشهر، شارك فيها محققون وضباط من الجانب الأميركي داخل ليبيا. وانتهت تلك التحقيقات في نهاية عام 2021 بتبرئته من التهم المنسوبة إليه لعدم كفاية الأدلة، مما أدى إلى إطلاق سراحه وعودته لممارسة حياته الطبيعية في طرابلس. هذا التباين بين موقف الحكومة في 2021 والواقع الحالي يضع السلطات الليبية في موقف محرج، فإما أن الضغوط الأميركية أصبحت أقوى من أن تقاوم، أو أن هناك معطيات وأدلة جديدة ظهرت فجأة استوجبت هذا التغيير الجذري في التعامل مع الملف.

​التهم الأميركية والدوافع وراء استهداف البكوش

​تستند لائحة الاتهام الموجهة ضد الزبير البكوش في المحاكم الأميركية إلى قانون مكافحة الإرهاب، حيث تواجه وزيرة العدل الأميركية بام بوندي المتهم الليبي بتهم القتل العمد، والحرق العمد للمباني الدبلوماسية، والمشاركة في مؤامرة إرهابية دولية. ترى واشنطن أن البكوش كان عنصراً فاعلاً ومحركاً في الهجمات التي وقعت في 11 سبتمبر 2012، والتي أدت إلى مقتل السفير كريس ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين.

 في المقابل، تدافع عائلة البكوش بشدة عن براءته، مشيرة إلى أنه غادر مدينة بنغازي قبل سنوات من تغلغل التنظيمات المتطرفة مثل "داعش" في المدينة، وأنه لم يكن منتمياً لأي تيار سياسي أو تنظيم ديني متشدد طوال حياته. هذا التضارب في الروايات يضع القضية أمام اختبار قانوني حقيقي في الولايات المتحدة؛ فبينما يراه الأميركيون "صيداً ثميناً" في قضية أمن قومي حساسة، تراه أسرته "كبش فداء" لعملية تصفية حسابات سياسية أو محاولة لإغلاق ملف بنغازي بتقديم متهمين جدد، بغض النظر عن قوة الأدلة المادية التي تدينهم بشكل قطعي.

​خلفية تاريخية عن هجوم بنغازي 2012

​لفهم حساسية قضية الزبير البكوش، يجب العودة إلى أحداث ليلة 11 سبتمبر 2012 في بنغازي، حين تعرض المجمع الدبلوماسي الأميركي لهجوم مسلح عنيف باستخدام الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية. لم يكن الهجوم مجرد حادث أمني، بل تحول إلى أزمة سياسية كبرى في الولايات المتحدة، عُرفت بـ "أزمة بنغازي"، والتي لاحقت كبار المسؤولين الأميركيين لسنوات. 

أسفر الهجوم عن مقتل السفير كريس ستيفنز اختناقاً بسبب الدخان، بالإضافة إلى خبير المعلومات شون سميث، وعنصري الأمن تيرون وودز وغي نايت. كما استهدف الهجوم ملحقاً استخباراتياً تابعاً للـ CIA كان يبعد مسافة قصيرة عن القنصلية. منذ ذلك الحين، تعهدت واشنطن بملاحقة كل من له صلة بالحادث، وقد نجحت سابقاً في اختطاف ونقل قادة مثل أحمد بوختالة ومصطفى الإمام. وتأتي عملية القبض على البكوش لتؤكد استمرار الاستراتيجية الأميركية القائمة على "الذراع الطويلة"، والتي تعني ملاحقة المتهمين في قضايا الإرهاب العابر للحدود مهما طال الزمن ومهما كانت التعقيدات السياسية في الدول التي يتواجدون فيها.

​التداعيات السياسية والقانونية لتسليم المواطنين

​تثير قضية الزبير البكوش قلقاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية في ليبيا، حيث يُنظر إلى عمليات التسليم خارج إطار القضاء الليبي كخرق للسيادة الوطنية وانتهاك لحقوق المواطنة. يرى قانونيون أن غياب اتفاقية تبادل مجرمين واضحة ومفعلة بين ليبيا والولايات المتحدة يجعل من مثل هذه العمليات "اختطافاً دولياً" أكثر من كونها إجراءً قانونياً سليماً. علاوة على ذلك، فإن الانقسام السياسي في ليبيا يجعل من السهل استخدام مثل هذه الملفات في الصراعات الداخلية، حيث تتبادل الأطراف المتنازعة الاتهامات بالتفريط في السيادة مقابل الحصول على دعم دولي أو ضمان البقاء في السلطة.

 إن نقل البكوش إلى قاعدة أندروز الجوية وبدء إجراءات محاكمته في واشنطن سيضع القضاء الأميركي تحت المجهر، خاصة في ظل ادعاءات البراءة السابقة في التحقيقات الليبية-الأميركية المشتركة. كما أن صدى هذه العملية سيتردد طويلاً في الشارع الليبي، وقد يؤدي إلى تزايد حالة عدم الثقة في المؤسسات الأمنية والسياسية التي تظهر عاجزة عن حماية مواطنيها أو توضيح الحقائق للشعب حول ماهية التعاون الأمني مع القوى الكبرى.