توطين الصناعة والذكاء الاصطناعي.. ثمار مصرية من دبلوماسية اللقاحات والأدوية
لم يعد الصراع العالمي مقتصراً على التكنولوجيا العسكرية أو الهيمنة الاقتصادية فقط، بل انتقل إلى ساحات مختبرات الأدوية ومراكز الأبحاث، حيث برزت دبلوماسية اللقاحات والأدوية كأداة ناعمة أعادت بها الصين تشكيل خريطة نفوذها في الأسواق الناشئة. حيث بدأ الأمر مع جائحة الكورونا التي حولت الصين من بؤرة لبداية الأزمة إلى طوق نجاة للدول النامية، خاصة في إفريقيا، عبر إرسال شحنات ضخمة ونقل تكنولوجيا التصنيع المتقدمة. فهذه الاستراتيجية لم تكن مجرد استجابة إنسانية عابرة، بل كانت جزءاً من رؤية استراتيجية تدمج فيها الصين موروثها العريق في الطب التقليدي مع أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتخلق روشتة حداثة تنافس المعايير العالمية وتفرض واقعاً صحياً يخدم مصالحها طويلة الأمد.
آفاق التعاون المشترك ومؤتمر الصيدلة الدولي 2026
برز هذا التوجه بوضوح خلال فعاليات المؤتمر الدولي المشترك للصيدلة 2026 الذي استضافته القاهرة مؤخراً، حيث ركزت النقاشات على دمج الطب الصيني التقليدي مع الأدوية الغربية عبر منظور الذكاء الاصطناعي. شهد المؤتمر مشاركة مصرية واسعة بتمثيل 12 شركة وطنية كبرى إلى جانب أربع شركات صينية كبري، مما يعكس دور مصر كمنصة انطلاق رئيسية للتوسع العالمي للطب الصيني ضمن مبادرة الحزام والطريق. وناقش المشاركون طفرات علم الوراثة وتكنولوجيا اللقاحات والتحول الرقمي في التصنيع، وهو ما يرسخ لمفهوم دبلوماسية اللقاحات والأدوية كجسر للتعاون البحثي بين البلدين. فالحضور المكثف للشركات الصينية يبرز رغبتها في تحويل مصر إلى مركز لوجستي لمنتجاتها الصيدلانية ونشر ثقافة الطب الصيني ، مستغلة الثقة المتزايدة في الخبرات الفنية الصينية التي بدأت تكسر احتكار القوى الكبرى لسوق الدواء العالمي، وتمنح الدول الإفريقية بدائل أكثر مرونة تتماشى مع احتياجاتها المحلية المتنامية من خلال تعزيز آليات دبلوماسية اللقاحات والأدوية.
المصالح الاستراتيجية وتوطين الصناعة على أرض مصر
تجد القاهرة في هذه الشراكة فرصة ذهبية لتحقيق طموحاتها كمركز إقليمي رائد وفرصة لنمو اقتصادها ، حيث تهدف الدولة المصرية من خلال دبلوماسية اللقاحات والأدوية إلى نقل المعرفة وتدريب الكوادر البشرية على أرقى تقنيات التصنيع. وتعتمد الرؤية المصرية على تقليل فاتورة الاستيراد وتأمين الأمن الصحي القومي عبر دمج التكنولوجيا الصينية في تتبع سلاسل الإمداد وتطوير اللقاحات الحيوية. فقد كان نجاح توطين لقاحات سينوفاك محلياً بمثابة الاختبار الحقيقي لجدوى دبلوماسية اللقاحات والأدوية، مما يمهد الطريق لتعاون أوسع يشمل التشخيص المبكر والتحليلات الجينية. وعلي جانب آخر، تظل هذه العلاقة نموذجاً لتبادل المنافع، حيث تحصل بكين على مساحة نفوذ سياسي واسعة، بينما تؤمن مصر مستقبلها الطبي وتتحول إلى فاعل أساسي في إدارة دبلوماسية اللقاحات والأدوية على الصعيد الدولي، بما يضمن استدامة الرعاية الصحية وتطورها الرقمي في المنطقة.