< لغز اجتماع لندن.. هل فاوض بشار الأسد إسرائيل قبل توليه السلطة؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

لغز اجتماع لندن.. هل فاوض بشار الأسد إسرائيل قبل توليه السلطة؟

بشار الأسد
بشار الأسد

بشار الأسد الرئيس السوري السابق، يعود للظهور مرة أخرى، من خلال وثائق بريطانية أفرج عنها مؤخرا.

​تتشابك خيوط السياسة والتاريخ في منطقة الشرق الأوسط لتكشف عن فصول غامضة من الصراع والتفاوض، حيث تبرز الوثائق البريطانية المفرج عنها مؤخراً حقائق مثيرة حول مرحلة التسعينيات، وهي الفترة التي شهدت صعوداً تدريجياً لدور بشار الأسد في المشهدين السوري والإقليمي قبل سنوات من توليه السلطة.

  يسلط التقرير الضوء على لغز اجتماع لندن المزعوم الذي قيل إنه ضم بشار الأسد بشخصيات إسرائيلية، في وقت كانت فيه المنطقة تغلي بالتحولات السياسية والأمنية، وتزامن ذلك مع إحكام دمشق قبضتها على مفاصل الدولة اللبنانية، وإدارة ملفاتها الحساسة بدءاً من التمديد الرئاسي وصولاً إلى تشكيل الحكومات، وسط حالة من الترقب الدولي لمسار عملية السلام في الشرق الأوسط، مما جعل من قصة اجتماع لندن نقطة ارتكاز في فهم الصراعات الداخلية وتوازنات القوى التي رسمت ملامح المنطقة في تلك الحقبة الحرجة.

​وحسب "اندبندنت عربية"، فقد رفعت وزارة الخارجية البريطانية الحجب عن ملفات سرية تعود لعام 1995، تتناول بالتفصيل المراسلات الدبلوماسية التي واكبت التطورات في لبنان وسوريا، ومن أبرز ما تضمنته هذه الوثائق هو الحديث عن اجتماع لندن الذي وصف بـ "السري" بين نجل الرئيس السوري آنذاك بشار الأسد وممثلين إسرائيليين، وتفيد المراسلات البريطانية بأن الخارجية السورية سارعت لنفي الخبر، إلا أن الصياغة الدبلوماسية السورية والبيان الصادر عن وزير الإعلام حينها لم يكن مقنعاً بما يكفي للجانب البريطاني، الذي اعتبر النفي أقل من أن يكون قاطعاً، مما فتح الأبواب أمام احتمالات صحة اللقاء أو كونه جس نبض سياسي، وتأتي هذه التسريبات في سياق ملف بريطاني يحمل الرقم المرجعي FCO 93/8339، والذي لا يقتصر فقط على الجانب الاستخباري، بل يمتد ليشمل الرؤية البريطانية لكيفية إدارة حافظ الأسد للملف اللبناني من خلال ابنه بشار، الذي بدأ يظهر كلاعب دبلوماسي يحمل رسائل والده الشخصية إلى بيروت لضمان استقرار النفوذ السوري وتمرير أجندة دمشق في ظل ضغوط دولية متزايدة.

غموض المفاوضات السرية وتداعياتها الإقليمية

لقد أثار نشر وكالة الصحافة الفرنسية لخبر عقد اجتماع لندن في ذلك الوقت عاصفة من التكهنات في الأوساط السياسية، حيث كانت إسرائيل ودمشق تسارعان لنفي هذه الأنباء، لكن الوثائق البريطانية تشير إلى أن الاهتمام بهذه القصة نبع من خصوصية اسم بشار الأسد، فبينما كانت اللقاءات العارضة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في المحافل الدولية، مثل لقاء ابنة مصطفى طلاس وشمعون بيريز في باريس، تمر مرور الكرام كأحداث اجتماعية، فإن ارتباط اسم نجل الرئيس بلقاء سري كان يعني تغيراً جوهرياً في استراتيجية النظام السوري.

وتروي التقارير الدبلوماسية كيف أن دمشق اعتبرت القصة مؤامرة إسرائيلية تهدف إلى إحراج حافظ الأسد وإرباك ترتيبات توريث السلطة التي كانت قد بدأت تلوح في الأفق بعد وفاة باسل الأسد، وفي المقابل، نقلت الوثائق عن مسؤولين إسرائيليين تصريحات تلمح إلى أن تسريب خبر اجتماع لندن قد يكون نتاج صراعات داخلية داخل أجنحة النظام السوري نفسه، مما يضيف طبقة من الغموض حول حقيقة الجهة المستفيدة من كشف مثل هذه التحركات السرية.

الدور السوري في لبنان ومهمات بشار الأسد الخارجية

بالتوازي مع لغز اجتماع لندن، كانت بيروت تشهد تحركات مكثفة لبشار الأسد، حيث كشفت البرقيات البريطانية أن مهمته الرسمية الأولى خارجياً كانت في لبنان، بهدف طمأنة الرئيس إلياس الهراوي بشأن دعم دمشق لتمديد ولايته الرئاسية، وهو ما عكس بوضوح مدى تغلغل القرار السوري في السيادة اللبنانية، فقد كان كبار القادة اللبنانيين مثل رفيق الحريري ونبيه بري يتوجهون إلى دمشق أو يستقبلون مبعوثها الشاب لتلقي التوجيهات بشأن مستقبل الحكومة والبرلمان، وتصف الوثائق البريطانية حالة الاستياء الشعبي اللبناني من هذه التدخلات السافرة، حيث كان بشار الأسد يتحرك كحاكم فعلي ينسق مع الأطراف المختلفة لضمان بقاء التوازنات تحت المظلة السورية، ولم يكن هذا الدور بعيداً عن ملف السلام، إذ إن وزير الإعلام السوري أكد حينها أن بشار غير مخول بالتفاوض، في محاولة لصد الإشاعات حول اجتماع لندن، لكن هذه التصريحات فُهمت لاحقاً كجزء من عملية تمويه سياسي ريثما تنضج الظروف الإقليمية.

تشكيل حكومة الحريري واختبار القوة السياسية

وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، جاء تشكيل حكومة رفيق الحريري عام 1995 ليكون بمثابة اختبار حقيقي للنفوذ السوري وقدرة الحريري على المناورة، فبينما كانت الأنظار تتجه نحو دمشق لمعرفة مصير الوزراء المقربين منها، فاجأ الحريري الجميع باستبعاد أسماء وازنة مثل سليمان فرنجية وميشال سماحة رغم ولائهما المطلق لسوريا، وتشير الوثائق البريطانية إلى أن هذا التعديل الحكومي لم يكن ليتم لولا ضوء أخضر سوري، أو ربما في إطار صفقة أوسع تشمل الترتيبات التي كان بشار الأسد يشرف عليها ميدانياً في بيروت، وعلى الرغم من أن الحكومة الجديدة ضمت 30 وزيراً وحافظت على توازنات طائفية دقيقة، إلا أن استبعاد "حزب الله" من التمثيل الوزاري كان مطلباً دولياً، وتحديداً أمريكياً، استجابت له دمشق في تلك المرحلة لتجنب أي تصعيد قد يعرقل مسار المفاوضات السرية أو العلنية، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى أهمية اجتماع لندن كإشارة مبكرة لمحاولات الانفتاح أو المناورة التي كان يمارسها النظام السوري مع الغرب وإسرائيل خلف الكواليس.

إن مراجعة هذه الوثائق بعد عقود تكشف عن عمق الترابط بين الملفات الشخصية للقادة والقرارات الاستراتيجية للدول، فقصة اجتماع لندن لم تكن مجرد خبر صحفي عابر، بل كانت جزءاً من حراك دبلوماسي معقد في منطقة لا تعرف الثبات، حيث أثبتت الأيام أن دور بشار الأسد الذي بدأ من لبنان وتوسع ليشمل ملفات إقليمية كبرى كان مخططاً له بعناية تحت إشراف والده، وتؤكد "اندبندنت عربية" من خلال استعراضها لهذه الأرشيفات أن السياسة في الشرق الأوسط تُبنى غالباً في الغرف المظلمة، وأن ما ينفى اليوم قد يكون حقيقة الأمس التي غيرت مجرى التاريخ، ليبقى التساؤل قائماً حول حجم التنازلات والاتفاقات التي لم تخرج للنور بعد، والتي قد تكون وثائق بريطانية قادمة كفيلة بكشفها وتوضيح معالمها.