سباق الخط الأصفر.. صراع نزع سلاح «حماس» بين الطموح الأمريكي والمخاوف الإسرائيلية
تشهد الساحة السياسية والعسكرية في قطاع غزة تحولات دراماتيكية متسارعة مع دخول عام 2026، حيث تصدر ملف نزع سلاح "حماس" واجهة الأحداث الدولية بعد أن بدأ الجيش الإسرائيلي خطوات ميدانية أحادية الجانب بإنشاء نقاط تجميع متطورة على طول ما يعرف بالخط الأصفر الذي يشطر القطاع إلى نصفين، في محاولة لفرض واقع جديد يسبق تشكيل القوة الدولية المفترضة.
وتأتي هذه التحركات في ظل غياب اتفاق معلن ورسمي مع الفصائل الفلسطينية، مما يجعل من عملية نزع سلاح "حماس" اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترمب على تنفيذ وعودها بإرساء سلام مستدام، خاصة وأن المهلة الزمنية التي حددها جاريد كوشنر ضمن خطة المئة يوم بدأت في التآكل مع مرور العشرين يوماً الأولى دون أي تسليم فعلي لقطعة سلاح واحدة، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات وجودية حول جدوى الحلول السياسية في مواجهة الترسانة العسكرية التي تقدرها الاستخبارات الإسرائيلية بعشرات آلاف القطع والبنادق الآلية، وسط حالة من التشكيك والترقب تسود الأوساط الإقليمية والدولية المعنية بهذا الملف الشائك.
وحسب تقرير لموقع اندبندت عربية، فإن المشهد الميداني في غزة يعكس هوة عميقة بين الخطط النظرية والواقع العملي، حيث تبرز قضية نزع سلاح "حماس" كعقبة كؤود أمام أي ترتيبات مستقبلية لإدارة القطاع المدمر، إذ تخشى تل أبيب أن تتحول البعثة الدولية المرتقبة إلى مجرد غطاء شكلي يسمح للحركة بإخفاء قدراتها الحقيقية والاكتفاء بتسليم الأجزاء المتهالكة من عتادها. وتشير التقارير الواردة من قلب الحدث إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يكتفِ بالانتظار، بل شرع في بناء بنية تحتية لوجستية على طول الخط الأصفر تشمل حاويات ضخمة مجهزة لاستقبال العتاد، وهو إجراء يوحي بأن هناك تفاهمات سرية تجري خلف الكواليس برعاية وسطاء من مصر وقطر وتركيا، على الرغم من النفي الرسمي من جانب الفصائل.
إن هذا التعارض في الروايات يضع نزع سلاح "حماس" في دائرة الضوء كعملية معقدة تتداخل فيها الجوانب الأمنية بالسياسية، حيث تطالب إسرائيل بتمثيل مباشر في لجان الإشراف لضمان الوصول إلى كل "كلاشنيكوف" في غزة، في حين تصر واشنطن على أن تكون العملية بقيادة دولية مستقلة تضمن عدم انزلاق القطاع نحو الفوضى الشاملة أو الاقتتال الداخلي بين الميليشيات.
رهانات كوشنر ومأزق المئة يوم في غزة
تتمحور الرؤية الأمريكية الحالية حول خطة طموحة عرضها جاريد كوشنر خلال منتدى دافوس، تهدف إلى إتمام عملية نزع سلاح "حماس" خلال فترة زمنية محددة تركز على تدمير البنية التحتية العسكرية والأنفاق العابرة للحدود، مع تقديم ضمانات دولية بعدم السماح بإعادة تسليح القطاع تحت أي ظرف.
ويبدو أن كوشنر يستند في تفاؤله إلى نجاحات سابقة في ملفات الرهائن والمعونات، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى أن الفصائل الفلسطينية ما زالت تدرس المقترحات الأمريكية ضمن سياق "خطة ترمب" ذات العشرين نقطة، دون أن تبدي التزاماً صريحاً بالتخلي عن ذخيرتها القتالية. وفي ظل هذا الجمود، يبرز الخط الأصفر كحيز جغرافي فاصل ليس فقط بين مناطق السيطرة، بل بين مرحلتين من الصراع، حيث تحاول الولايات المتحدة تحويله إلى ممر آمن لنقل الأسلحة وتدميرها، بينما تراه الحركة مجرد أداة للضغط والابتزاز السياسي. ومع استمرار الحوارات غير المباشرة، يبقى السؤال معلقاً حول قدرة الدبلوماسية على إقناع مقاتلين متمرسين بتسليم بنادقهم مقابل وعود بإعادة الإعمار أو الاندماج في قوى أمنية جديدة، وهو ما تراه إسرائيل رهاناً محفوفاً بالمخاطر قد يؤدي إلى استعادة الحركة لقوتها في الخفاء.
عقبات القوات الدولية وتحديات الانتشار الميداني
يواجه مشروع تشكيل "قوة الاستقرار" الدولية، المنوط بها تنفيذ مهمة نزع سلاح "حماس"، تحديات لوجستية وسياسية جسيمة، حيث ترفض معظم الدول المرشحة إرسال جنودها إلى مناطق لا تزال تشهد نشاطاً عسكرياً مكثفاً ومحاولات مستمرة من الفصائل لترميم قدراتها الصاروخية. ورغم الحديث الإسرائيلي عن احتمال مشاركة قوات أمنية إندونيسية خضعت لتدريبات خاصة للانتشار في المناطق الخاضعة لسيطرة تل أبيب، إلا أن الموقف الرسمي لجاكرتا يلفه الغموض، مما يعزز شكوك نتنياهو وفريقه الأمني في قدرة أي جهة خارجية على فرض واقع منزوع السلاح. وتعتبر إسرائيل أن أي تأخير في نشر هذه القوات يمنح الفصائل فرصة ذهبية لتعزيز مكانتها وتضليل الاستخبارات الدولية، ولذلك يصر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير على أن قواته جاهزة للتدخل المباشر وتنفيذ المهمة عبر عملية عسكرية واسعة إذا فشلت المسارات الدبلوماسية. إن هذا التلويح المستمر بالحرب يضع نزع سلاح "حماس" تحت ضغط التوقيت، حيث تعتبر تل أبيب عام 2026 عاماً حاسماً لتصميم أمنها القومي، ولا تبدي استعداداً لمنح المهلة الزمنية الأمريكية فرصة أطول مما تستحق إذا لم تلمس نتائج ملموسة على الأرض.
استراتيجية التضليل ومخاوف الترسانة المخفية
تنبثق المخاوف الإسرائيلية من تقديرات استخباراتية تشير إلى وجود أكثر من عشرين ألف عنصر مسلح في غزة يمتلكون قرابة ستين ألف قطعة سلاح متنوعة، وهو ما يجعل من عملية نزع سلاح "حماس" مهمة شبه مستحيلة دون رقابة صارمة وشاملة.
نتنياهو، في مشاوراته مع الإدارة الأمريكية، شدد على ضرورة رؤية "أكوام من الكلاشنيكوف" في نقاط التجميع كدليل مادي على نجاح الاتفاق، محذراً من أن الحركة قد تلجأ لتسليم الأسلحة الخفيفة أو الفردية مع الاحتفاظ بالأسلحة النوعية والمنشآت الاستراتيجية تحت الأرض.
هذا الارتياب الإسرائيلي يدفع باتجاه المطالبة بإشراف مباشر من ضباطها على الحاويات المنشرة على الخط الأصفر، وهو مطلب ترفضه الحركة بشدة وتعتبره محاولة لإخضاع السلاح الفلسطيني لإرادة الاحتلال. في المقابل، تحاول واشنطن تلطيف الأجواء عبر طرح برامج لتمويل "إعادة شراء الأسلحة"، وهي استراتيجية تعتمد على الحوافز المالية لتشجيع العناصر المسلحة على التخلي عن عتادهم، إلا أن هذه المقاربة تصطدم بالعقيدة العسكرية للفصائل التي ترى في السلاح ضمانة لبقائها السياسي والميداني في أي ترتيبات قادمة لقطاع غزة.
الموقف الفلسطيني بين المقاربة الوطنية والرفض الميداني
على الجانب الآخر، يبرز موقف حركة "حماس" الذي يعبر عنه قادتها في الخارج كخالد مشعل، والذي يؤكد على أن الحركة ليست منغلقة على الحوار السياسي لكنها تشترط رؤية وطنية شاملة لا تؤدي إلى خلق حالة من الفوضى أو تمكين الميليشيات. وترى الحركة أن فكرة تسليم السلاح في نقاط تجميع إسرائيلية مهينة وغير عملية، مفضلة الحديث عن "عدم استعراض السلاح" بدلاً من نزعه بالكامل، وهو ما يشكل فجوة واسعة في مفاهيم الحل بين الأطراف المتصارعة.
وتعتبر الحركة أن أي محاولة لفرض نزع سلاح "حماس" بالقوة أو عبر الابتزاز الاقتصادي ستواجه بمقاومة عنيفة، خاصة في ظل ما ترصده الاستخبارات من محاولات حثيثة لترميم القدرات القتالية وتصنيع القذائف محلياً. ومع اقتراب نهاية مهلة الـ100 يوم المقترحة، يبدو أن الصراع على غزة يتجه نحو مفترق طرق خطير؛ فإما التوصل إلى صيغة تضمن توازناً دقيقاً بين الأمن الإسرائيلي والمطالب الفلسطينية، أو العودة إلى المربع الأول حيث الرصاص هو اللغة الوحيدة المسموعة، مما يجعل من نقاط التجميع على الخط الأصفر مجرد نصب تذكاري لاتفاق لم يولد بعد، ويؤكد أن الطريق نحو غزة منزوعة السلاح ما زال محفوفاً بالألغام السياسية والعسكرية.