< إعادة ترتيب الأوراق العسكرية.. الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف ويعيد رسم المشهد الأمني
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

إعادة ترتيب الأوراق العسكرية.. الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف ويعيد رسم المشهد الأمني

الجيش السوري
الجيش السوري

في تحول ميداني لافت يعكس إعادة ترتيب الأوراق العسكرية والسياسية في البلاد، أعلن الجيش السوري تسلمه قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، عقب انسحاب القوات الأميركية منها، بالتزامن مع تطورات متسارعة في مخيم الهول شرقي البلاد. 

هذا التطور لا يقتصر على بعده العسكري فحسب، بل يمتد ليحمل أبعاداً استراتيجية وأمنية وإنسانية، في ظل إعادة انتشار القوات الحكومية في مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وتزايد الحديث عن عمليات تهريب لعائلات مقاتلي تنظيم "داعش". ويأتي تسلم الجيش السوري لهذه المواقع الحساسة ليشكل محطة مفصلية في مسار استعادة السيطرة على الحدود الشرقية، وإعادة تنظيم الملف الأمني في شمال وشرق البلاد، في مرحلة تتسم بحساسية سياسية وإقليمية عالية.

الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف بعد انسحاب أميركي

أعلنت وزارة الدفاع السورية، الخميس، أن وحدات من الجيش السوري تسلمت قاعدة التنف الواقعة في بادية الجنوب الشرقي، وذلك "من خلال التنسيق بين الجانب السوري والجانب الأميركي"، وفق بيان رسمي نقلته وكالة الصحافة الفرنسية. وأوضح البيان أن القوات باشرت فوراً تأمين القاعدة ومحيطها، وبدأت الانتشار على طول الشريط الحدودي السوري – العراقي – الأردني. وكانت القوات الأميركية متمركزة في القاعدة ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، قبل أن تؤكد مصادر سورية انسحابها باتجاه الأردن مساء الأربعاء، بحسب ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن مصدرين سوريين.

وتكتسب قاعدة التنف أهمية استراتيجية نظراً لموقعها القريب من الطريق الدولي الرابط بين بغداد ودمشق، إضافة إلى كونها نقطة تماس حدودية حساسة. وخلال سنوات النزاع، شكلت القاعدة مركزاً متقدماً للوجود العسكري الأميركي في الجنوب السوري، وموقعاً لمراقبة التحركات المسلحة في البادية. ومع تسلم الجيش السوري لهذه القاعدة، تتغير المعادلة الميدانية في المنطقة، ويعاد تثبيت سلطة الدولة على عقدة جغرافية كانت خارج سيطرتها المباشرة لسنوات.

إعادة انتشار القوات الحكومية على الحدود الثلاثية

يمثل انتشار الجيش السوري على الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية خطوة استراتيجية تهدف إلى ضبط المعابر غير النظامية والحد من عمليات التهريب، سواء ما يتعلق بالسلاح أو الأفراد. وتعد بادية التنف منطقة مفتوحة جغرافياً، ما جعلها سابقاً ممراً لنشاط جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة. ومن هنا، فإن تثبيت نقاط تمركز عسكرية رسمية يعزز من قدرة الدولة على مراقبة التحركات العابرة للحدود.

كما يأتي هذا الانتشار في سياق أوسع من إعادة تموضع الجيش السوري في مناطق كانت تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بعد التوصل إلى اتفاق ينص على دمج تدريجي للقوات العسكرية والإدارية بين الطرفين في محافظة الحسكة. هذا المسار يعكس توجهاً نحو إعادة توحيد المؤسسات الأمنية تحت مظلة مركزية، بما يحد من ازدواجية القرار الأمني في مناطق شمال وشرق البلاد.

تطورات متسارعة داخل مخيم الهول

بالتوازي مع التطورات العسكرية في التنف، شهد مخيم الهول في شرق سوريا تغيرات لافتة. فقد أفادت مصادر في منظمات إنسانية وشهود لوكالة الصحافة الفرنسية بأن معظم عائلات العناصر الأجانب في تنظيم "داعش" غادرت المخيم عقب انسحاب القوات الكردية التي كانت تديره أواخر يناير الماضي. وتسلمت القوات الأمنية السورية إدارة المخيم، ضمن انتشار أوسع في مناطق شمال وشرق البلاد.

وكان المخيم يضم نحو 24 ألف شخص، بينهم ما يقارب 15 ألف سوري، ونحو 6300 امرأة وطفل أجنبي من 42 جنسية، وفق بيانات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية. وأكد مصدر في منظمة إنسانية أن القسم الخاص بالأجانب بات شبه فارغ، فيما أشار مصدر آخر إلى أنه لم يتبق سوى نحو 20 عائلة في قسم "المهاجرات"، الذي كان مخصصاً للنساء الأجنبيات وأطفالهن، ومعظمهن من روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى.

وذكر المصدر أن عدداً كبيراً من هؤلاء جرى تهريبهم إلى إدلب ومحافظات أخرى، بينما اندمجت قلة في الأقسام المخصصة للسوريين داخل المخيم. كذلك أفرغ جزء من السوريين، الذين يزيد عددهم على 15 ألفاً، إضافة إلى أكثر من 2200 عراقي، دون صدور إحصاءات رسمية نهائية حتى الآن.

اتهامات متبادلة بشأن مسؤولية الانسحاب

أكد مصدر في إدارة المخيم التابعة لوزارة الداخلية السورية لوكالة الصحافة الفرنسية أن السلطات تعمل على إجراء إحصاء شامل لأعداد القاطنين، من دون أن يؤكد حصول عمليات فرار. وأشار إلى أن أي خلل أمني محتمل تتحمل مسؤوليته قوات "قسد" التي انسحبت من المخيم قبل استكمال ترتيبات التسليم. في المقابل، تحدث عامل في منظمة إنسانية عن مغادرة عدد من الأشخاص، بينهم أجانب، للمخيم، لكنه أقر بعدم وجود أرقام رسمية دقيقة.

وقد أظهر مقطع فيديو اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية شوارع شبه خالية في منطقة السوق داخل المخيم، وهي منطقة كانت عادة تعج بالحركة. كما أفاد شاهد عيان بأنه رأى مسلحين يخرجون نساء منقبات بعد سيطرة القوات الحكومية على المخيم، ما يثير تساؤلات حول طبيعة العمليات التي جرت خلال فترة الانتقال الإداري والأمني.

تحولات استراتيجية في شمال وشرق سوريا

تشير هذه التطورات مجتمعة إلى مرحلة جديدة في المشهد السوري، حيث يعزز الجيش السوري حضوره في مناطق استراتيجية كانت لسنوات خارج سيطرته المباشرة. فاستعادة قاعدة التنف تمثل رسالة سياسية وأمنية تتجاوز حدود الموقع الجغرافي، إذ تعكس تقلصاً في الوجود العسكري الأجنبي، وإعادة تموضع للقوى المحلية تحت سلطة مركزية.

وفي الوقت نفسه، يطرح ملف مخيم الهول تحديات أمنية وإنسانية معقدة، خصوصاً في ظل رفض العديد من الدول استعادة رعاياها من عائلات تنظيم "داعش". كما أن الحديث عن انتقال بعض الأفراد إلى إدلب، التي شكلت معقلاً لفصائل معارضة خلال سنوات النزاع، يضيف بعداً جديداً للمعادلة الأمنية.

في المحصلة، يبرز الجيش السوري كلاعب محوري في إعادة صياغة الخريطة الأمنية للبلاد، سواء عبر الانتشار الحدودي في بادية التنف أو من خلال إدارة ملفات حساسة مثل مخيم الهول. وبينما تتواصل عمليات الإحصاء وإعادة التنظيم، تبقى التحديات قائمة في ضمان عدم تحول هذه التحولات إلى ثغرات أمنية جديدة، في ظل واقع إقليمي متغير ومعادلات دولية لا تزال قيد التشكل.