< وجه هارفرد المظلم.. جيفري إبستين يطوع «الرياضيات الحيوية» لخدمة إمبراطورية النزوات
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

وجه هارفرد المظلم.. جيفري إبستين يطوع «الرياضيات الحيوية» لخدمة إمبراطورية النزوات

جامعة هارفرد
جامعة هارفرد

شفت الوثائق العلمية المسربة مؤخراً عن فصل صادم ومروع من حياة المجرم الجنسي المدان جيفري إبستين، الذي نجح لسنوات طويلة في التسلل إلى أروقة جامعة هارفرد العريقة، منتحلاً صفة عالم مجنون ومهووس بالبحوث الجنسية والرياضيات الحيوية. 

أظهرت آلاف الصفحات من المراسلات والوثائق التي كُشف النقاب عنها أن إبستين لم يكن مجرد متبرع مالي عابر، بل كان يتلاعب بالعلم ويوظف ثروته الطائلة لتوجيه البحوث نحو مسارات تخدم مصالحه الشخصية وشهواته المظلمة. 

ومن المثير للدهشة أن هذا الرجل استطاع تحويل المكتب رقم 610 في مبنى برنامج ديناميكيات التطور داخل جامعة هارفرد إلى مقر دائم له، حتى عُرف المكان لسنوات طويلة بين الأكاديميين باسم "مكتب جيفري"، في إشارة واضحة إلى عمق تغلغله في قلب واحدة من أرقى المؤسسات التعليمية في العالم.

وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن هذه العلاقة المشبوهة بدأت تأخذ طابعاً مؤسسياً عندما قرر إبستين التقرب من علماء متخصصين في مجالات حديثة ومعقدة، وعلى رأسها علم الأحياء الرياضي.

هذا العلم، الذي يهدف إلى كشف أسرار الكائنات الحية عبر تطبيق معادلات رياضية دقيقة، شكل مدخلاً مثالياً لإبستين ليغلف هوسه الجنسي بغطاء أكاديمي رصين. ومن خلال بناء "معاهد" خاصة وتمويل برامج بحثية غامضة، استطاع إبستين أن يفرض أجندته على عقول علمية بارزة، مستغلاً حاجة الباحثين إلى التمويل السخي الذي كان ينثره دون حساب، طالما أن النتائج تصب في مصلحة رؤيته المشوهة للطبيعة البشرية والسلوك الجنسي.

برنامج التطور والتمويل المسموم في هارفرد

تعد حكاية معهد "نواك" أو برنامج ديناميكيات التطور (PED) واحدة من أكثر القصص دلالة على سطوة إبستين داخل جامعة هارفرد. فبشيك قيمته 6.5 مليون دولار، تمكن عالم الأحياء الرياضية مارتن نواك من تأسيس هذا البرنامج الذي يحاكي التطور البشري باستخدام النماذج الرياضية.

 لم يكن إبستين مجرد ممول يكتفي بكتابة الشيكات، بل كان حاضراً بقوة في التفاصيل البحثية، حيث أوهم الجميع بأنه باحث متعمق في "علم تحسين النسل" والأساس الجيني للسلوك البشري. كانت لقاءاته المتكررة مع نواك والأكاديميين في المنطقة تتم عدة مرات سنوياً، مما جعل وجوده داخل أسوار جامعة هارفرد أمراً طبيعياً ومعتاداً، رغم السمعة السيئة التي بدأت تلاحقه منذ عام 2008.

إن خطورة هذا البرنامج تكمن في تركيزه على موضوعات كانت تمثل شغفاً مريضاً لإبستين، مثل محاولة فهم "البنية الخفية" للنشاط الجنسي من خلال المعادلات الرياضية. وبدلاً من أن يكون العلم وسيلة للارتقاء بالبشرية، حاول إبستين تحويله إلى أداة للتنبؤ بالأوبئة الجنسية وتطوير نماذج تدعم نموذج "الدعارة بأسلوب علمي". ورغم أن جامعة هارفرد قامت أخيراً في عام 2021 بإغلاق هذا البرنامج وفرضت عقوبات على نواك، إلا أن التساؤلات تظل قائمة حول كيفية سماح صرح علمي بهذا الحجم لمجرم مدان بالتحكم في مسارات البحث العلمي لسنوات طويلة.

شبكة العلماء والمراسلات السرية

لم يتوقف طموح إبستين عند حدود المختبرات، بل سعى لبناء شبكة من العلاقات مع نخبة العقول العالمية. فقد كشفت لجنة في الكونغرس مؤخراً عن نحو 20 ألف صفحة من رسائل البريد الإلكتروني التي تعود لإبستين، والتي فضحت علاقات وثيقة مع علماء بارزين مثل عالم الفلك لورانس كراوس، والاقتصادي لورانس سامرز، واللغوي الشهير نعوم تشومسكي. 

المثير للصدمة أن بعض هؤلاء العلماء، وخاصة من المنتسبين لجامعة هارفرد، استمروا في التواصل مع إبستين حتى بعد إدانته رسمياً بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي على قاصرين، مما يشير إلى أن بريق المال كان أقوى من الوازع الأخلاقي لدى بعض هؤلاء الأكاديميين.

وتظهر السجلات أن لورانس كراوس وحده تبادل أكثر من 60 رسالة مع إبستين، بينما مازحت عالمة الفيزياء النظرية في جامعة هارفرد، ليزا راندال، إبستين بشأن إقامته الجبرية عقب سجنه، بل وقامت بزيارة جزيرته الخاصة في الكاريبي عام 2014. هذه الوثائق لا تكشف فقط عن علاقات شخصية، بل تظهر أن العلماء كانوا يستشيرون إبستين في شؤون تتعلق بالمنشورات العلمية والتأشيرات وفرص التمويل، مما جعل منه "عراباً" غير رسمي للعلوم في أوساط معينة داخل جامعة هارفرد ووادي السيليكون، حيث كان يفضل العلماء "المخالفين" للرأي السائد والذين يتبنون آراءً مثيرة للجدل تتوافق مع أجندته.

الدعارة العلمية وفيروسات الشهوة

في واحدة من أكثر تفاصيل التقرير غرابة، كشفت الوثائق عن اقتراح قدمه عالم الفيروسات ناثان وولف لإبستين في عام 2013، يتضمن تمويل دراسة حول "فرضية الفيروس المثير للشهوة الجنسية". ك

انت الدراسة تهدف لاختبار ما إذا كانت بعض الكائنات الدقيقة في الأعضاء التناسلية يمكن أن تحفز زيادة النشاط الجنسي لدى طلاب الجامعات. هذا النوع من البحوث، الذي يدمج بين علم الفيروسات والرغبات الجنسية الجامحة، يجسد تماماً كيف كان إبستين يسعى لشرعنة نزواته من خلال مختبرات جامعة هارفرد وغيرها من المؤسسات المرموقة.

إن محاولات إبستين لتوجيه البحث العلمي نحو "الأساس الجيني للسلوك البشري" تعكس عودة مقلقة لأفكار تحسين النسل التي كانت سائدة في عصور مظلمة، وهو ما أكدته مؤرخة العلوم نعومي أوريسكس حين أشارت إلى أن إبستين قوض نزاهة البحث العلمي عبر "انتقاء" مسارات تناسب رغباته الشخصية. 

لقد كان إبستين يكره المؤسسات التي تلتزم بالتوجهات السياسية والأخلاقية الصارمة، ووجد في بعض أقسام جامعة هارفرد مرتعاً خصباً لبناء نموذجه "العلمي الشرير" الذي يقوم على استغلال البشر تحت ذريعة فهم ديناميكيات التطور والرياضيات الحيوية.

إرث إبستين المسموم ومستقبل النزاهة العلمية

اليوم، وبعد سنوات من انتحار إبستين في زنزانته عام 2019، لا تزال أصداء فضيحته تتردد في أروقة البحث الأكاديمي. إن الكشف المتأخر عن هذه الوثائق في عام 2025 و2026 يضع المؤسسات الكبرى، وعلى رأسها جامعة هارفرد، أمام مسؤولية تاريخية لمراجعة بروتوكولات التمويل والتعاون مع المانحين. فالمشكلة لم تكن في المال فحسب، بل في القدرة على شراء الصمت والولاء العلمي، لدرجة أن إبستين أخذ معه الكثير من الأسرار التي دفنت في جزيرته الخاصة أو في مكاتب جامعة هارفرد التي كانت تفتح له الأبواب الموصدة.

في الختام، تظل قضية إبستين وتغلغله في جامعة هارفرد درساً قاسياً حول كيفية تحول العلم إلى سلاح في يد المجرمين إذا غابت الرقابة الأخلاقية. إن تكرار الحديث عن ارتباط العلماء بهذا الرجل يؤكد أن النزاهة العلمية قد عانت طويلاً من طغيان التمويل الشخصي المشبوه. وبينما يحاول المجتمع العلمي اليوم تطهير نفسه من إرث إبستين، تبقى الوثائق المسربة شاهداً على مرحلة مظلمة ظن فيها مجرم جنسي أنه يستطيع السيطرة على سر الحياة نفسها من خلال معادلات رياضية رعاها في قلب جامعة هارفرد.