دبلوماسية الصفقات: كيف تدير الولايات المتحدة الأمريكية ملفات إيران وأوكرانيا من سويسرا؟
الولايات المتحدة الأمريكية تفتح فصلاً جديداً في كتاب العلاقات الدولية من فوق منصة مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث اختلطت مشاعر الطمأنينة بعبق التحذيرات الجيوسياسية في لحظة فارقة من تاريخ القارة العجوز. لم يكن خطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مجرد كلمات بروتوكولية، بل كان محاولة جادة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي والسياسي بين ضفتي الأطلسي بعد سنوات من التجاذب والتوتر. وصف روبيو بلاده بأنها ابنة أوروبا، في استعارة عاطفية تهدف إلى ردم الهوة التي خلفتها الإدارات السابقة، مؤكداً أن المصير المشترك يحتم على الطرفين المضي قدماً نحو تجديد ما وصفه بأعظم حضارة في تاريخ البشرية.
هذا الخطاب جاء في وقت حساس للغاية، حيث يسعى البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترمب إلى إثبات قدرته على القيادة العالمية من خلال رؤية تعتمد على القوة والسيادة، مع توجيه دعوة صريحة للأوروبيين للانضمام إلى هذا المسار التجديدي بدلاً من الانعزال أو الاكتفاء بدور المتفرج على تحولات موازين القوى الدولية.
حسب تقرير لموقع اندبندنت عربية، فقد أثار هذا التوجه ردود فعل واسعة النطاق في العواصم الأوروبية التي كانت تترقب بحذر أي إشارة تصدر عن الإدارة الأميركية الحالية. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أعربت عن ارتياحها الكبير لنبرة روبيو، معتبرة إياه صديقاً قديماً وحليفاً قوياً يفهم خصوصية العلاقة الأطلسية، رغم إدراكها وجود أصوات أكثر حدة داخل الإدارة الأميركية.
ومن جانبه، رحب وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو بالإشارة إلى التراث المشترك، لكنه أكد في الوقت ذاته أن الاستراتيجية الأوروبية نحو الاستقلال الاستراتيجي لن تتغير، مشدداً على أن الحاجة إلى أوروبا قوية ومستقلة تظل قائمة بغض النظر عن طبيعة الخطابات في المحافل الدولية. وفي برلين، رأى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن خطاب روبيو يمثل رسالة واضحة للالتزام بالنظام الدولي القائم على القواعد، مع ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة لتصبح أكثر فاعلية في مواجهة الأزمات الراهنة التي تعصف بالأمن والسلم الدوليين.
رياح التغيير في الاستراتيجية الأطلسية
إن سعي الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة ترتيب البيت الداخلي للحلفاء يأتي في ظل تباين واضح بين خطاب روبيو الهادئ وخطاب نائب الرئيس جي دي فانس الذي ألقاه قبل عام، والذي كان يتسم بنبرة انتقادية حادة تجاه القارة الأوروبية. هذا التحول في النبرة لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن عن مبادئ "أميركا أولاً"، بل هو إعادة تموضع ذكية تهدف إلى حشد الحلفاء خلف رؤية ترمب لمواجهة ما يسمى بقوى المحو الحضاري. حذر روبيو بوضوح من أن الهجرة الجماعية باتت تشكل أزمة وجودية تهدد استقرار المجتمعات الغربية وتغير ملامحها الثقافية، داعياً الحلفاء إلى الفخر بإرثهم والوقوف صفاً واحداً للدفاع عن هذه القيم المشتركة.
ولم يخلُ الخطاب من توجيه سهام النقد للأمم المتحدة، التي وصفها بأنها باتت عاجزة عن تقديم إجابات للمسائل الملحة، مستشهداً بفشلها في إيجاد تسوية للحرب في غزة، مما يستدعي، من وجهة نظر واشنطن، إصلاحاً جذرياً للمنظومة الدولية لتعود قادرة على ممارسة دورها في فض النزاعات.
التنين الصيني يحذر من فك الارتباط
على الجانب الآخر من المعادلة الدولية، وقفت الصين في مؤتمر ميونيخ لتوجه تحذيراً شديد اللهجة من الدعوات غير المحسوبة التي تطالب بفك الارتباط الاقتصادي. وزير الخارجية الصيني وانغ يي أكد أن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تتبنى سياسة واقعية وإيجابية تجاه بكين، بدلاً من الانجرار وراء المشاعر المتسرعة التي تهدف إلى قطع سلاسل التوريد وتقويض العلاقات الثنائية.
وبينما عبر وانغ يي عن ارتياح بلاده لبعض التصريحات الإيجابية الصادرة عن البيت الأبيض مؤخراً، إلا أنه أشار بوضوح إلى أن بعض القوى داخل واشنطن لا تزال تسعى لتشويه سمعة الصين وتجاوز الخطوط الحمراء، خاصة في ملف تايوان الذي يمثل صاعق تفجير لأي صراع محتمل.
الصين تبدو مستعدة لكافة السيناريوهات، بما في ذلك المواجهة، لكنها تفضل مسار التعاون الذي يخدم مصالح الطرفين، محذرة من أن فك الارتباط لن يؤدي إلا إلى زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي وزيادة حدة الاستقطاب الدولي في وقت يحتاج فيه العالم إلى التكاتف لمواجهة التحديات المشتركة.
ماراثون جنيف الدبلوماسي وفرص السلام
في خضم هذه التجاذبات السياسية، تبرز جنيف كساحة مرتقبة لمفاوضات دبلوماسية مكثفة قد تغير مسار الحرب في أوكرانيا وتفتح ثغرة في جدار الأزمة الإيرانية. وتخطط الولايات المتحدة الأمريكية لإرسال وفد رفيع المستوى يضم المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر للقاء الجانب الإيراني بوساطة عمانية، في خطوة تعكس رغبة إدارة ترمب في إغلاق الملفات الشائكة عبر صفقات مباشرة. وبالتزامن مع ذلك، ستشهد المدينة السويسرية محادثات ثلاثية تجمع واشنطن وموسكو وكييف، حيث يضغط الرئيس ترمب بقوة على نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتحرك بسرعة نحو اتفاق سلام، محذراً من ضياع فرصة تاريخية قد لا تتكرر، خاصة وأن الكرملين أبدى إشارات تفيد برغبته في التوصل إلى تسوية بعد أربع سنوات من القتال الدامي. هذه التحركات الدبلوماسية تأتي وسط تباين في التقديرات الاستخباراتية والسياسية، حيث يشكك السفير الأميركي لدى الناتو في جدية الروس في الوصول إلى اتفاق عادل ودائم، مما يضع جهود البيت الأبيض تحت مجهر الاختبار الحقيقي.
صرخة ماكرون وأوروبا الجيوسياسية
بينما تنشغل واشنطن وموسكو في صياغة ملامح التسوية، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صرخة مدوية في ميونيخ، داعياً القارة الأوروبية إلى استعادة وعيها الجيوسياسي والتحول إلى قوة قادرة على حماية مصالحها بعيداً عن الركون الكامل للمظلة الأميركية. يرى ماكرون أن الولايات المتحدة الأمريكية ستظل شريكاً، لكن على الأوروبيين أن يتعلموا كيف يصبحون قوة عسكرية وسياسية قادرة على ردع العدوان الروسي حتى في حال توقف المدافع في أوكرانيا. واقترح الرئيس الفرنسي إعادة هيكلة منظومة الأمن الأوروبية بالكامل، معتبراً أن المنظومة القديمة التي صممت في حقبة الحرب الباردة لم تعد صالحة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. ودعا إلى دمج الردع النووي الفرنسي في بنية الأمن المستقبلية للاتحاد الأوروبي وبناء قدرات دفاعية مشتركة مع بريطانيا وألمانيا، مشدداً على أن الوقت قد حان لإبداء الجرأة السياسية وبناء "أوروبا قوية" تستطيع الدفاع عن نفسها وعن قيمها الديمقراطية في وجه حملات التضليل والضغوط الخارجية التي تستهدف تقويض استقرار المجتمعات الغربية من الداخل والخارج.