من الاعتداء على المجندات إلى التمرد.. ملامح تشكل دولة حريدية تهدد الاستقرار الداخلي في إسرائيل
حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينت من تسارع وتيرة تشكل دولة حريدية موازية داخل الكيان، لا تخضع للقوانين السيادية. جاء ذلك في سياق تعليق غاضب ومطول نشره عبر منصاته الرقمية، مستنكراً حادثة الاعتداء الوحشية التي طالت مجندتين في مدينة بني براك، معتبراً إياها عرضاً لمرض عضال ينهش الدولة.
ليلة الرعب في شوارع بني براك
بدأت القصة عندما وجدت مجندتان إسرائيليتان نفسيهما محاصرتين وسط حشد غاضب في مدينة بني براك. لم تكن المجندتان في مهمة قتالية، بل كانتا تمران عبر المدينة التي تعد معقلاً لليهود المتشددين، لتتحول رحلتهما فجأة إلى كابوس حقيقي هدد حياتهما بشكل مباشر وأثار فزع عائلتيهما.
تجمهر العشرات من الشبان المتشددين حول المركبة التي كانت تقل المجندتين في مشهد يعكس الكراهية العميقة لكل ما هو عسكري. وبدأت الهتافات المعادية تتعالى، وضربات الأيادي تانهال على السيارة، في محاولة لترهيب الفتاتين اللتين تمثلان في نظر المهاجمين تدنيساً لقيم مجتمعهم المنغلق والرافض للخدمة العسكرية.
تدخلت الشرطة الإسرائيلية في اللحظات الأخيرة لإنقاذ الموقف قبل أن يتطور إلى ما لا يحمد عقباه. عملية الإنقاذ لم تكن مجرد إجراء أمني روتيني، بل كانت عملية معقدة لإخراج جنود يرتدون الزي العسكري من قلب مدينة إسرائيلية، وكأنهم في أرض معادية تتطلب تأميناً خاصاً للخروج منها بسلام.
أثار الحادث موجة غضب عارمة في الأوساط العلمانية والسياسية في إسرائيل، واعتبره كثيرون تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء. ولم يتردد نفتالي بينت في التعبير عن صدمته، مشيراً إلى أن آباء المجندات باتوا يخشون على حياة بناتهم من "مثيري الشغب اليهود" أكثر من خوفهم من الأعداء الخارجيين في بعض الأحيان.
أكد بينت في معرض حديثه أن تجاهل هذه الظاهرة لن يجعلها تختفي بل سيفاقمها. وحذر من أن استمرار سياسة غض الطرف عن هذه الاعتداءات سيؤدي حتماً إلى انفجار اجتماعي كبير في وجه الجميع، محولاً الشوارع الإسرائيلية إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين التيارات المتناقضة.
مناطق محرمة وسلطة القانون الغائبة
يرى بينت أن ما حدث ليس حادثاً فردياً معزولاً، بل هو دليل قاطع على نشوء دولة حريدية فعلية تتمتع بحكم ذاتي غير معلن. هذه الدولة، بحسب وصفه، وضعت لنفسها حدوداً وقوانين خاصة تمنع دخول السلطات الرسمية إليها إلا بشروط وتنسيقات مسبقة ومعقدة للغاية.
أشار رئيس الوزراء السابق إلى واقع مؤلم تعيشه الشرطة الإسرائيلية عند التعامل مع المناطق الحريدية. فالشرطة تجد نفسها مكبلة بتعليمات صارمة تمنعها من تنفيذ أوامر التجنيد أو الاعتقال داخل هذه الأحياء، خوفاً من إشعال فتيل الشغب والمواجهات التي قد تخرج عن السيطرة في دقائق معدودة.
وصل الأمر إلى حد أن الشرطة تغضب من وحدات الجيش إذا دخلت هذه المناطق دون تنسيق مسبق. وشبه بينت هذا الوضع الشاذ بدخول القوات العسكرية إلى مدينة رفح الفلسطينية، حيث يتطلب الأمر تخطيطاً عسكرياً وحذراً شديداً، وهو ما يعد مفارقة صارخة داخل دولة تدعي سيادتها الكاملة على أراضيها.
تتحول أحياء مثل ميا شعاريم وبني براك تدريجياً إلى كانتونات مغلقة أمام الثقافة الإسرائيلية العامة. وفي هذه الكانتونات، لا تسري القوانين المدنية، ولا يتم تدريس المناهج الحكومية، وتفرض قيود صارمة على اللباس والسلوك، مما يخلق هوة سحيقة بين سكان هذه المناطق وبقية المجتمع الإسرائيلي.
يعكس هذا الانفصال واقعاً خطيراً يهدد وحدة النسيج المجتمعي في إسرائيل. فبينما يلتزم المواطن العادي بالقانون ويدفع الضرائب ويخدم في الجيش، يرى أمامه مجتمعاً كاملاً يعيش بقواعده الخاصة، محمياً بنفوذ سياسي يمنع أي محاولة لفرض سيادة الدولة عليه أو إلزامه بواجباته الوطنية.
فاتورة الانقسام من جيوب المواطنين
لم يكتف بينت بانتقاد الجانب الأمني، بل فتح ملف التمويل المالي الشائك. وأوضح أن هذه الـ دولة حريدية المستقلة لا تعتمد على مواردها الذاتية، بل تعيش بالكامل على تمويل يأتي من "الدولة المجاورة"، قاصداً بذلك بقية دافعي الضرائب الإسرائيليين الذين يتحملون العبء الاقتصادي.
تذهب أموال الضرائب التي يتم تحصيلها من الطبقة العاملة والوسطى لدعم مؤسسات تشجع التهرب من الخدمة العسكرية. ويتم توجيه ميزانيات ضخمة للمدارس الدينية التي ترفض تدريس المواد الأساسية كالرياضيات واللغة الإنجليزية، مما ينتج جيلاً غير مؤهل لسوق العمل ويعتمد في معيشته على المخصصات الحكومية.
تحدث بينت بمرارة عن المفارقة في توزيع الأعباء المالية، حيث يحصل المجتمع الحريدي على تخفيضات هائلة في ضريبة الأملاك (الأرنونا). كما يتم دعم دور الحضانة لأطفالهم وتمويل شبكات التعليم الخاصة بهم، في وقت يئن فيه المواطن العادي تحت وطأة غلاء المعيشة والارتفاع المستمر في الأسعار.
يخلق هذا الوضع شعوراً متزايداً بالغبن لدى الإسرائيليين الذين يخدمون في الاحتياط لشهور طويلة. فهم يتركون أعمالهم وعائلاتهم للمخاطرة بحياتهم، بينما تذهب أموالهم لتمويل فئة ترفض المشاركة في هذا العبء، بل وتهاجم الجنود الذين يحمونها في بعض الأحيان، مما يعمق الشرخ النفسي والمجتمعي.
إن استمرار هذا النزيف الاقتصادي لتمويل الانعزال الحريدي يضعف الاقتصاد الإسرائيلي ككل. فمع تزايد نسبة السكان الذين لا يشاركون في سوق العمل بفعالية، تتقلص القاعدة الإنتاجية للدولة، مما ينذر بمستقبل اقتصادي قاتم إذا لم يتم تدارك الأمر وإدماج هذه الشريحة في الدورة الاقتصادية.
الابتزاز السياسي ومناورات البقاء
وجه بينت سهام نقده المباشر إلى رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، محملاً إياه المسؤولية الكاملة. واعتبر أن سياسات نتنياهو القائمة على البقاء السياسي بأي ثمن هي التي مهدت الطريق لترسيخ أركان أي دولة حريدية تسعى للانفصال عن واجبات المواطنة مع الاحتفاظ بامتيازاتها المالية.
وصف بينت نتنياهو بأنه زعيم منهك وضعيف، خاضع تماماً لابتزاز شركائه في الائتلاف. وأشار تحديداً إلى زعيمي حركتي "شاس" و"يهودوت هتوراه"، اللذين يمسكان بمفاصل الحكومة ويهددون بإسقاطها في حال لم يتم تلبية مطالبهم المتعلقة بالإعفاء من التجنيد وزيادة المخصصات المالية لجمهورهم.
يرى بينت أن الحكومة الحالية تدرك تماماً أن قانون التجنيد الجديد ما هو إلا خدعة. فالوزراء يعلمون في قرارة أنفسهم أن هذا القانون لن يؤدي إلى تجنيد حريدي واحد، ومع ذلك يواصلون ترويجه وشراء الوقت للحفاظ على تماسك الكتلة السياسية التي تضمن بقاءهم في السلطة.
أكد رئيس الوزراء السابق أن نتنياهو وشركاءه مستعدون لتفكيك الشعب الإسرائيلي وجيشه مقابل الحفاظ على كراسيهم. وأوضح أن هذا الخضوع المستمر للمطالب الفئوية يضرب بعرض الحائط المصلحة العليا للدولة، ويجعل من الحكومة رهينة لمجموعة ضغط لا تعترف بالصهيونية كقيمة أساسية للدولة.
إن حالة الشلل السياسي التي تعيشها إسرائيل تمنع اتخاذ أي قرارات حاسمة بشأن ملف التجنيد. فكلما اقتربت لحظة الحقيقة، لجأ السياسيون إلى المناورات والتأجيل، خشية فقدان الأغلبية البرلمانية، مما يترك المشكلة تتفاقم وتكبر مثل كرة الثلج التي توشك أن تسحق الجميع في طريقها.
الجذور التاريخية والديموغرافية للأزمة
تعود جذور أزمة الحريديم إلى الأيام الأولى لتأسيس إسرائيل، حين وافق ديفيد بن غوريون على إعفاء بضع مئات من طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية. كان الهدف حينها الحفاظ على نواة لدراسة التوراة بعد محرقة الهولوكوست، ولم يتخيل أحد أن يتحول هذا الاستثناء البسيط إلى معضلة وجودية تهدد مستقبل الدولة بأسرها.
مع مرور العقود، تضخمت أعداد الحريديم بشكل هائل بفضل معدلات الولادة المرتفعة جداً في أوساطهم. وتحول الاستثناء الذي كان يشمل 400 طالب فقط إلى إعفاء جماعي يشمل عشرات الآلاف من الشباب في سن التجنيد سنوياً، مما خلق اختلالاً ديموغرافياً وعسكرياً لا يمكن تجاهله.
يشكل الحريديم اليوم حوالي 13.3% من سكان إسرائيل، ومن المتوقع أن تتضاعف نسبتهم في العقود القادمة. هذا النمو السكاني السريع يمنحهم قوة انتخابية متصاعدة، تجعلهم الرقم الصعب في أي معادلة سياسية، وتجبر الأحزاب الكبرى على استرضائهم لضمان تشكيل ائتلاف حكومي مستقر.
يعيش المجتمع الحريدي في عزلة طوعية عن الثقافة العلمانية المحيطة به. فهم يرفضون استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الهواتف الذكية والتلفزيون إلا بشروط صارمة، ويعتمدون على نظام تعليمي ديني بحت يركز على دراسة النصوص المقدسة ويهمل العلوم الحديثة، مما يكرس عزلتهم الفكرية والاجتماعية.
تعتمد الأحزاب الدينية في قوتها على الطاعة العمياء للحاخامات والزعماء الروحيين. فعندما يصدر الحاخام أمراً بالتصويت لمرشح معين، يلتزم الجميع بذلك دون نقاش، مما يجعلهم كتلة تصويتية صلبة ومنظمة للغاية، قادرة على فرض شروطها على أي مرشح لرئاسة الوزراء يسعى للوصول إلى السلطة.
عادت الأحزاب الدينية بقوة إلى المشهد السياسي مع حكومة نتنياهو الحالية، بعد فترة قصيرة من الغياب خلال حكومة بينت-لابيد. واستغلت هذه العودة لتعزيز مواقعها والمطالبة بتشريعات تضمن استمرار تدفق الأموال لمؤسساتها، وتثبيت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية بقوة القانون الأساسي، لقطع الطريق على أي تدخل قضائي مستقبلاً.
يمثل هذا الصراع جوهر التناقض بين مفهوم الدولة الحديثة ومفهوم الـ دولة حريدية الدينية. فإسرائيل تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما دمج هذا المكون الكبير في نسيج الدولة وحقوقها وواجباتها، أو الرضوخ لواقع الانفصال الذي قد يؤدي في النهاية إلى تفكك الدولة من الداخل.
تبقى قضية تجنيد الحريديم هي القنبلة الموقوتة الأخطر في السياسة الإسرائيلية. ومع استمرار الحرب والحاجة الماسة للمقاتلين، يصبح التهرب من الخدمة مسألة حياة أو موت، وليس مجرد نقاش سياسي، مما يضع المجتمع الإسرائيلي أمام اختبار هو الأصعب منذ تأسيسه، اختبار يهدد وحدته ومستقبله.