تحالف الكبار في لندن.. بنوك بريطانيا تضع حجر الأساس لنظام دفع عابر للأزمات
تشهد العاصمة البريطانية لندن تحركاً اقتصادياً هو الأبرز منذ عقود حيث تسعى بنوك بريطانيا لإنهاء التبعية المالية للشركات الأمريكية الكبرى. في قلب "السيتي" يجتمع كبار التنفيذيين لرسم ملامح شركة وطنية جديدة تتولى إدارة المدفوعات الرقمية بشكل سيادي كامل. هذه الخطوة تأتي استجابة لواقع يسيطر فيه قطبان أجنبيان على الشرايين الحيوية لمعاملات الأفراد اليومية بشكل يثير القلق.
حسب تقرير لموقع «اندبندت عربية» يقود هذا التحول الاستراتيجي فيم مارو المسؤول التنفيذي في بنك باركليز بهدف حماية بنوك بريطانيا من أي تعطل مفاجئ في الشبكات العالمية. تعتمد الفكرة على إنشاء بنية تحتية موازية تضمن استمرار البيع والشراء في حال خروج الأنظمة الأمريكية عن الخدمة. إن الهدف الجوهري هو خلق صمام أمان وطني يمنع شلل الأسواق التجارية البريطانية في لحظات الأزمات الكبرى التي قد تعصف بالنظام العالمي.
وتكشف تقارير هيئة تنظيم أنظمة الدفع أن الاعتماد على الشبكات الخارجية وصل لمستويات حرجة تهدد استقلال قرارات بنوك بريطانيا المالية والسياسية. إذ تمر حالياً أكثر من 95 في المئة من معاملات البطاقات عبر قنوات "فيزا" و"ماستركارد" فقط دون وجود بديل محلي. ومع التلاشي التدريجي لاستخدام العملات الورقية أصبح التحكم في المنصات الرقمية يمثل السيطرة الفعلية على حركة الأموال داخل المملكة المتحدة بأكملها.
رياح التغيير الجيوسياسي وتحديات السيادة
لم تكن فكرة الاستقلال المالي وليدة الصدفة بل فرضتها التوترات الدولية المتصاعدة التي جعلت بنوك بريطانيا تشعر بضرورة التحرك السريع والجاد. لقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن البنية التحتية المالية يمكن أن تتحول بسهولة إلى سلاح سياسي يستخدم للضغط على الدول والحلفاء. إن التصريحات الأمريكية المتقلبة تجاه الحلفاء في "الناتو" دقت ناقوس الخطر في أروقة صنع القرار المالي البريطاني بشكل غير مسبوق.
ويرى الخبراء في لندن أن تجربة روسيا مع العقوبات المالية كانت درساً قاسياً دفع بنوك بريطانيا لإعادة حساباتها المتعلقة بالأمن القومي الاقتصادي. عندما توقفت البطاقات الأمريكية عن العمل هناك واجه ملايين المستهلكين شللاً تاماً في الوصول إلى مدخراتهم المالية الشخصية. هذا المشهد المرعب دفع المسؤولين البريطانيين للتأكيد على ضرورة امتلاك مفاتيح الأنظمة التقنية التي تدير أموال المواطنين داخل حدودهم الوطنية.
إن الاعتماد الكلي على التكنولوجيا الأجنبية يعني أن الاقتصاد البريطاني قد يعود لعصر ما قبل التكنولوجيا في حال حدوث خلاف دبلوماسي حاد. صرح أحد المصرفيين بأن غياب البديل الوطني قد يعيد البلاد تقنياً إلى حقبة الخمسينيات حيث كان النقد هو الوسيلة الوحيدة المتاحة. لذلك تعتبر المبادرة الجديدة بمثابة بناء درع تقني يحمي بنوك بريطانيا من أي سيناريوهات مستقبلية قد تتضمن عزل المملكة عن المنظومة المالية الدولية.
هيكلة "دليفيري كو" وخارطة الطريق نحو 2030
تحت مسمى "دليفيري كو" بدأت المؤسسات المالية الكبرى في وضع القواعد التأسيسية لكيان سيادي يضم معظم بنوك بريطانيا الرائدة في القطاع. يشارك في هذا المشروع الضخم أسماء رنانة مثل "نات ويست" و"لويدز" و"ستاندرد يو كي" لبناء هذا النظام المالي المبتكر. الهدف هو تطوير منصة تقنية فائقة التطور تضاهي في كفاءتها الأنظمة العالمية مع الاحتفاظ بملكية البيانات والإدارة داخل الأراضي البريطانية.
وتحظى هذه المبادرة الطموحة بدعم سياسي واسع من الحكومة البريطانية التي ترى في المشروع تعزيزاً لمكانة لندن كمركز مالي عالمي مستقل. ومن المقرر أن يقدم بنك إنجلترا التصاميم الهندسية والتقنية اللازمة لهذا المشروع الوطني الضخم خلال العام المقبل للبدء في التنفيذ. تسعى بنوك بريطانيا من خلال هذا التعاون لضمان جاهزية النظام الجديد للعمل بكامل طاقته قبل حلول الموعد النهائي المحدد في عام 2030.
ومن المثير للاهتمام أن الشركات الأمريكية نفسها تشارك في تمويل هذا المشروع رغم أنه يستهدف تقليص هيمنتها المطلقة على السوق المحلية. يعكس هذا التوجه رغبة "فيزا" و"ماستركارد" في الحفاظ على علاقات جيدة مع بنوك بريطانيا وضمان مكان لهما في المستقبل المالي الجديد. هذا التوافق الغريب يهدف لضمان انتقال سلس للنظام الجديد دون إحداث هزات عنيفة في سوق الخدمات المصرفية الحالية المستقرة.
مرونة النظام المالي ومواجهة الأخطار السيبرانية
تؤكد نائبة محافظ بنك إنجلترا سارة بريدن أن تنويع مسارات الدفع هو ضرورة تقنية لحماية الاقتصاد من الهجمات السيبرانية المتزايدة عالمياً. إن وجود نظام بديل تديره بنوك بريطانيا سيوفر مرونة إضافية تمكن الدولة من الصمود في وجه أي اختراقات تقنية واسعة النطاق. لا يقتصر الأمر على الاستقلال السياسي بل يمتد ليشمل بناء حصن رقمي يحمي بيانات ومعاملات الملايين من المواطنين البريطانيين يومياً.
وتعتبر المنافسة في قطاع المدفوعات محركاً أساسياً للابتكار وخفض التكاليف التي تتحملها الشركات الصغيرة والمتوسطة عند قبول المدفوعات الرقمية من الزبائن. فدخول نظام وطني جديد ستدعمه بنوك بريطانيا سيجبر الشركات العالمية على تحسين خدماتها وتقديم أسعار أكثر تنافسية للبقاء في الدائرة المالية. المستهلك النهائي سيكون المستفيد الأكبر من وجود خيارات متعددة تضمن له سرعة التنفيذ وأمان المعاملات المالية في كل الأوقات.
وعلى الرغم من الترحيب المعلن من الشبكات الأمريكية بالمنافسة إلا أن هناك سباقاً خفياً على كسب ثقة المستخدم البريطاني في السنوات القادمة. تحاول بنوك بريطانيا إثبات قدرتها على بناء نظام يجمع بين السهولة التقنية والسيادة الوطنية دون التضحية بالارتباط الوثيق مع الأسواق المالية. إن هذا التوازن الدقيق يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية المعلوماتية وتطوير برمجيات تشفير وطنية متقدمة للغاية تحاكي المعايير الدولية.
مستقبل المدفوعات بين السيادة الوطنية والتكامل العالمي
لا تنوي المملكة المتحدة الانعزال عن النظام المالي العالمي بل تسعى لامتلاك "خيار وطني" يمنحها حرية الحركة في الأوقات الصعبة والمعقدة. تتطلع بنوك بريطانيا إلى نموذج يزاوج بين القدرة على العمل محلياً باستقلالية تامة والقدرة على الربط مع الشبكات الدولية عند الحاجة. هذا التوجه يعبر عن فلسفة اقتصادية جديدة تعيد تعريف مفهوم الأمن القومي في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
وبينما يتحدث الاتحاد الأوروبي عن إنشاء "إيرباص للمدفوعات" لمنافسة واشنطن تختار لندن مساراً عملياً يعتمد على الشراكة بين القطاعين العام والخاص. إن نجاح بنوك بريطانيا في هذا التحدي سيمثل نموذجاً تحتذي به الدول الأخرى التي تخشى من التغول التكنولوجي للدول الكبرى على اقتصادها. فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد حدوداً جغرافية فقط بل أصبحت شيفرات برمجية وأنظمة دفع تدير نبض الحياة اليومية.
ويبقى التحدي الأكبر هو إقناع الجمهور بالتحول إلى النظام الجديد مع الحفاظ على استقرار الثقة في العملة الوطنية والنظام المصرفي القائم. ستستمر بنوك بريطانيا في العمل الجاد لتوفير بيئة مالية آمنة ومستقلة تضمن ازدهار الاقتصاد البريطاني بعيداً عن تقلبات السياسة الدولية المتسارعة. إن رحلة الوصول إلى عام 2030 ستكون محملة بالتحديات التقنية والسياسية لكنها تظل ضرورة حتمية لضمان مستقبل مالي مشرق ومستقر.