الجوهرة الذهبية.. نيسان تراهن على السعودية لقيادة ثورة السيارات الذكية في المنطقة.
تشهد المنطقة العربية تحولات اقتصادية جذرية تقودها رؤى طموحة واستثمارات ضخمة في قطاعات الطاقة والنقل واللوجستيات، حيث تبرز السعودية ومصر وقطر كلاعبين محوريين في رسم خارطة الطريق نحو نمو مستدام يعتمد على التكنولوجيا والابتكار. وتتنوع هذه الجهود بين تعزيز الحصص السوقية لشركات السيارات العالمية، وتحقيق قفزات نوعية في معدلات النمو القومي، وتطوير الحقول النفطية البحرية، وصولاً إلى بناء ممرات لوجستية بحرية متكاملة تربط الموانئ الخليجية وتعزز كفاءة التجارة الإقليمية والعالمية.
وحسب تقرير لـ «الشرق الأوسط»، وصف رئيس شركة نيسان العالمية إيفان إسبينوسا السعودية بأنها الجوهرة الذهبية التي تقود نمو الشركة في المنطقة، مؤكداً أن المملكة تمثل ركيزة استراتيجية بفضل حضور العلامة القوي وربحيتها المستدامة. وأشار إلى أن نيسان تمتلك قاعدة عملاء أوفياء في الخليج، مما يجعل السوق السعودية محوراً أساسياً في خططها الحاضرة والمستقبلية، مع التركيز على الاستثمار في منتجات مخصصة للبيئة المحلية مثل طراز باترول الشهير.
أوضح إسبينوسا خلال زيارته للمملكة أن طموحات رؤية 2030 تتقاطع بشكل وثيق مع توجهات نيسان في مجالات القيادة الذاتية والذكاء الاصطناعي ومركبات الطاقة الجديدة. وأبدى إعجابه بالطاقة الإيجابية والروح الطموحة التي لمسها في المجتمع السعودي، مؤكداً أن المشاركة في فعاليات مثل فورمولا إي تعكس التزام الشركة بنقل التكنولوجيا من حلبات السباق إلى خطوط الإنتاج التجاري، خاصة في تطوير البطاريات وأنظمة التحكم بالجر المتقدمة للمستقبل.
استراتيجية نيسان العالمية وإعادة الهيكلة الصناعية
تمضي نيسان في تنفيذ خطة التعافي الاستراتيجية التي تهدف إلى تحسين كفاءة الإنتاج وإعادة ضبط هيكل التكاليف العالمية لتحقيق أرباح تشغيلية صلبة رغم التحديات الجمركية الدولية. وتتضمن الخطة تقليص عدد المصانع حول العالم لتركيز الجهود على المواقع الأكثر إنتاجية، مع ضمان حماية الوظائف وانتقال الموظفين إلى وحدات العمل المستقبلية. وتهدف الشركة من خلال هذه الإجراءات إلى تعزيز مرونتها المالية والقدرة على مواصلة الابتكار في قطاع السيارات الذكية.
تركز نيسان في رؤيتها التقنية على تحويل السيارة إلى كيان ذكي يتعلم سلوك السائق البشري ليوفر تجربة قيادة طبيعية ومريحة تقلص القلق المرتبط بالأنظمة الآلية. وتستفيد الشركة من تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تسريع مراحل التصميم الأولي للموديلات الجديدة، مما يقلص الوقت من أسابيع إلى أيام معدودة. كما تعمل على تعزيز شراكاتها البرمجية لتطوير خوارزميات متقدمة تضمن بقاء الشركة في ريادة سوق التنقل الذكي والكهربائي العالمي في السنوات المقبلة.
بالنسبة للمحركات، تؤكد نيسان مواكبتها لتفضيلات العملاء المتنوعة من خلال توفير خيارات تشمل محركات الاحتراق التقليدية وتقنية إي باور الهجينة والمركبات الكهربائية الكاملة. وتخطط الشركة لإدخال هذه التقنيات المتقدمة إلى أسواق الشرق الأوسط في الوقت المناسب، مع التركيز على الفئات المتوسطة والحلول الهجينة للمركبات الكبيرة التي تتناسب مع احتياجات السحب والأداء الشاق في المنطقة. وتعكس هذه المرونة الاستراتيجية قدرة نيسان على التكيف مع التحولات البيئية والطلب الاستهلاكي المتغير.
القفزة النوعية للاقتصاد المصري في عام 2026
أعلنت الحكومة المصرية عن تسجيل معدل نمو اقتصادي لافت بلغ 5.3 في المائة خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي، وهو ما يعد الزيادة الأكبر منذ سنوات. وعزا وزير التخطيط الجديد هذا النجاح إلى حزمة الإصلاحات الهيكلية والمالية والنقدية التي عززت استقرار الاقتصاد الكلي. وتتوقع الحكومة أن يصل معدل النمو السنوي إلى 5.2 في المائة بنهاية العام، متجاوزاً بذلك المستهدفات السابقة التي كانت تطمح لتحقيق 4.5 في المائة فقط.
ساهمت العديد من الأنشطة الاقتصادية في دفع عجلة النمو بمصر، حيث حققت قناة السويس نمواً كبيراً بنسبة 24.2 في المائة مع بدء التعافي الجزئي في حركة الملاحة. كما سجل قطاع المطاعم والفنادق زيادة بنسبة 14.6 في المائة نتيجة استقبال رقم قياسي من السائحين وصل إلى 19 مليون زائر خلال عام 2025. وتصدرت الصناعة غير البترولية قائمة المساهمين في نمو الناتج المحلي الإجمالي بفضل سياسات التوطين الصناعي وتعزيز الصادرات المصنعة.
شهدت قطاعات البنوك والتأمين في مصر نمواً مطرداً ساهم في دعم جهود الشمول المالي وتوسيع نطاق الخدمات المصرفية للمواطنين، مما عزز من مرونة الاقتصاد الداخلي. كما سجلت قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والاتصالات معدلات نمو إيجابية، مما يعكس شمولية النهضة الاقتصادية وتأثيرها على مختلف جوانب الحياة اليومية. وتعمل الدولة حالياً على استغلال هذا الزخم لتحسين مستويات المعيشة وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المشاريع القومية الكبرى.
ثورة الغاز الطبيعي والاستكشافات البحرية في المتوسط
تقود وزارة البترول المصرية جهوداً حثيثة لزيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، حيث من المتوقع بدء الإنتاج من حقل غرب مينا بالبحر المتوسط قبل نهاية العام. وسوف يضيف هذا الحقل كميات ضخمة تصل إلى 160 مليون قدم مكعبة يومياً، بالإضافة إلى كميات كبيرة من المتكثفات، مما يسهم في تأمين احتياجات السوق المحلية. وتأتي هذه الخطوات ضمن برنامج طموح لحفر آبار جديدة بالتعاون مع شركات عالمية كبرى مثل شل وكوفبيك.
أكد وزير البترول أن ضخ استثمارات جديدة في أنشطة الاستكشاف يعكس نجاح السياسات التحفيزية والمصداقية التي تتمتع بها الدولة المصرية في التعامل مع الشركاء الدوليين. وتستهدف الوزارة من خلال هذه المشاريع خفض الفاتورة الاستيرادية وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة في منطقة شرق المتوسط. ويشهد عام 2026 تنفيذ أكبر برنامج لحفر آبار الغاز في المياه العميقة، مما يعزز القدرات الإنتاجية لمصر على المدى المتوسط والبعيد بشكل استراتيجي.
تعتمد شركة شل في عملياتها بمصر على أحدث سفن الحفر العالمية لتنفيذ برنامج يشمل حفر أربع آبار جديدة في مناطق امتياز استراتيجية لتقييم المكامن الغازية. وتهدف هذه العمليات إلى فتح آفاق جديدة لاكتشافات الغاز في حوض هيرودوتس والمناطق المتاخمة، مما يعيد بناء الثقة في قطاع البترول المصري كبيئة استثمارية جاذبة. وتتكامل هذه الجهود مع تسهيلات الإنتاج القائمة لضمان سرعة ربط الآبار الجديدة بالشبكة القومية للغاز وتحقيق العائد الاقتصادي المنشود.
التكامل البحري واللوجستي بين السعودية وقطر
وقعت المملكة العربية السعودية ودولة قطر مذكرة تفاهم تاريخية تهدف إلى ربط الموانئ وتطوير الأنظمة الذكية لتعزيز كفاءة التجارة البينية والإقليمية بين البلدين. وتشمل الاتفاقية إنشاء ممرات بحرية مشتركة ومراكز توزيع إقليمية تضع الموانئ الخليجية في قلب التنافسية الدولية، بما يتوافق مع رؤية السعودية 2030 ورؤية قطر الوطنية 2030. ويهدف هذا التعاون إلى تبادل الخبرات في إدارة الموانئ ورفع الكفاءة التشغيلية للأسطول البحري المشترك بفاعلية عالية.
تتضمن المذكرة ثمانية مجالات رئيسية للتعاون، من أبرزها دراسة فرص الربط البحري والبري المباشر وتطوير الخدمات اللوجستية المتكاملة لدعم حركة انسياب البضائع. كما يركز الطرفان على التحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي في حوكمة البيانات والنافذة البحرية الموحدة لتقليل الوقت والتكلفة. وتسعى الهيئة العامة للموانئ السعودية والشركة القطرية لإدارة الموانئ إلى بناء شراكات فاعلة تخدم المصالح الاستراتيجية وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار في القطاع الخاص البحري بالمنطقة.
تولي الاتفاقية السعودية القطرية اهتماماً خاصاً بالسلامة البحرية وحماية البيئة من خلال تبادل الخبرات في مكافحة التلوث والاستجابة للطوارئ البحرية المشتركة بشكل فوري. كما يشمل التعاون تطوير الكوادر البشرية عبر برامج تدريبية متخصصة وتنسيق المواقف في المنظمات الدولية لدعم مبادرات الموانئ الخضراء والممرات الآمنة.
ويعكس هذا التحرك التزام الدولتين بتطوير قطاع الموانئ كمحرك رئيسي للاقتصاد، مما يساهم في تعزيز التكامل الخليجي الشامل وتحقيق الريادة في الخدمات اللوجستية العالمية.
مستقبل الاستثمار والنمو المستدام في المنطقة العربية
يظهر المشهد الاقتصادي العربي في عام 2026 حالة من التفاؤل والنمو المدروس الذي يستند إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد. وتلعب الاستثمارات الأجنبية في قطاع السيارات والطاقة دوراً حيوياً في نقل المعرفة وتوفير فرص العمل للشباب في السعودية ومصر. كما تساهم الاتفاقيات اللوجستية بين دول الخليج في خلق بيئة تجارية موحدة تسهل حركة رؤوس الأموال والسلع، مما يعزز من مكانة المنطقة كمركز تجاري عالمي لا غنى عنه.
إن النجاحات المحققة في قطاعات السياحة وقناة السويس بمصر، والريادة السعودية في جذب كبرى شركات التقنية وصناعة السيارات، ترسم ملامح مستقبل مشرق للأجيال القادمة. وتتكامل هذه النجاحات مع الجهود القطرية في تطوير البنية التحتية للموانئ والخدمات البحرية المتقدمة، مما يشكل كتلة اقتصادية قوية قادرة على مواجهة التحديات العالمية. ويبقى الابتكار والاستدامة هما المحركين الأساسيين لهذه النهضة التي تشهدها المنطقة، حيث يتم استغلال الموارد الطبيعية والبشرية بأفضل الطرق الممكنة.
في الختام، يمثل التعاون الإقليمي والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة الضمانة الأساسية لاستمرار هذا الزخم الاقتصادي في مواجهة التقلبات الدولية المختلفة. ومع استمرار تنفيذ رؤى التطوير الوطنية، يتوقع الخبراء أن تظل المنطقة العربية وجهة مفضلة للاستثمارات العالمية طويلة الأمد في مختلف المجالات الصناعية والخدمية. إن قصة النجاح التي ترويها أرقام النمو المصري وطموحات نيسان في السعودية والتعاون البحري مع قطر هي مجرد بداية لمرحلة جديدة من الازدهار والريادة الاقتصادية العالمية.