< غزة ولبنان تحت الحصار الجوي: مطارات إسرائيلية جديدة تعيد رسم حدود المواجهة
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

غزة ولبنان تحت الحصار الجوي: مطارات إسرائيلية جديدة تعيد رسم حدود المواجهة

مطار بن جوريون
مطار بن جوريون

​تتأهب المنطقة لتحولات جذرية بعد مصادقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إنشاء مطارين دوليين جديدين في خطوة استراتيجية استهدفت تغيير الواقع الجيوسياسي القائم في غزة ولبنان بشكل نهائي وشامل.

هذا المشروع الذي يحمل أبعاداً اقتصادية ظاهرية يخفي في طياته خطة أمنية معقدة تهدف لتحويل المناطق الحدودية المتوترة إلى مراكز لوجستية عالمية تربط القارات وتؤمن حركة الطيران المدني من التهديدات العسكرية المستقبلية.

تستند الرؤية الإسرائيلية الجديدة إلى قناعة تامة بأن مرحلة الدفاع والتحصين خلف القبة الحديدية قد انتهت لصالح مرحلة "البناء العظيم" التي تكرس صورة المنتصر المستقر القادر على تطويع الجغرافيا لصالح الازدهار القومي الطويل الأمد.

تعكس هذه الخطوة الجريئة رغبة تل أبيب في كسر مفهوم الأطراف وتطوير منطقتي النقب والجليل عبر بنية تحتية فائقة الحداثة تنهي عزلة الحدود وتجذب ملايين السياح والمستثمرين إلى مناطق كانت حتى وقت قريب ساحات للحرب.

تثير هذه التحركات مخاوف عميقة لدى الجانبين الفلسطيني واللبناني اللذين يريان في المطارين أداة للهيمنة الجوية وسرقة الأجواء السيادية وفرض واقع ديموغرافي جديد يهدد حقوقهم التاريخية في إدارة مرافقهم الملاحية المستقلة والمعترف بها دولياً.

​استراتيجية العبور من الحرب إلى الازدهار

​تعتبر الحكومة الإسرائيلية أن التغيرات الجوهرية التي طرأت على الواقع الأمني في غزة ولبنان تسمح اليوم بالانتقال من عقلية الملاجئ إلى عقلية المطارات الدولية الضخمة التي تعزز الوجود المدني الكثيف على الحواف الحدودية الحساسة والخطرة.

يرى بنيامين نتنياهو أن إنشاء هذه المرافق يمثل محفزاً هائلاً للتنمية سيخلق آلاف فرص العمل ويقضي تماماً على مفهوم الضواحي المهملة عبر ربط الشمال والجنوب بالمركز من خلال شبكة معقدة من القطارات السريعة والطرق الملاحية.

تؤكد باحثة الاقتصاد السياسي نتالي ليڤ أن هذه المشاريع تهدف لتكريس صورة التعافي السريع والانتشار السكاني الواسع مما يعزز الموقف السياسي للائتلاف الحاكم ويمنع انهياره في ظل الاتهامات السابقة بالفشل الأمني والعسكري والسياسي واللوجستي.

يعتبر اختيار المواقع القريبة من الحدود رسالة دعائية ضخمة مفادها أن تل أبيب لم تعد تعيش حالة الطوارئ الدائمة بل انتقلت لمرحلة البناء القومي الذي لا تقوم به إلا الدول التي حققت استقراراً جوهرياً دائماً.

​التوزيع الجغرافي وحتمية البدائل الملاحية

​تفرض الضرورة التقنية وجود مطارات بديلة لمطار بن غوريون الذي اقترب من طاقته الاستيعابية القصوى البالغة خمسة وعشرين مليون مسافر سنوياً مما جعل إسرائيل تخشى من أي عطل فني أو أمني يعزلها عن العالم الخارجي.

يقع مطار الجنوب المقترح في منطقة صقلج بالنقب على بعد خمسة عشر كيلومتراً فقط من حدود غزة ولبنان في مشهد يعكس الثقة الأمنية الجديدة والقدرة على تأمين حركة الطيران المدني الدولية الكثيفة في تلك المنطقة.

أما مطار الشمال فسيقام في سهل مرج ابن عامر فوق أنقاض قاعدة رامات ديفيد الجوية العسكرية ليبعد نحو خمسة وأربعين كيلومتراً عن الحدود اللبنانية موفراً بذلك حلاً استراتيجياً لتوزيع ضغط الرحلات وتأمين المسارات الملاحية البديلة.

يشير الخبراء العسكريون إلى أن هذا التوزيع الجغرافي يمنع شلل الدولة في حالات الطوارئ حيث يضمن مطار الشمال استمرار الحركة الجوية في حال استهداف الوسط بينما يؤمن مطار الجنوب التواصل مع العالم في أصعب الظروف.

​الدرع الأمني والسيادة الجوية المفروضة

​يؤكد الباحث العسكري رائد صافي أن إسرائيل تستخدم هذه المطارات كدرع أمني بشري وتقني حيث يصعب على أي جهة عسكرية استهداف مناطق تضم حركة طيران مدنية دولية كثيفة ومستمرة مما يوفر حماية غير مباشرة للمواقع العسكرية.

تهدف هذه الخطوة أيضاً إلى حجز الترددات الملاحية والأجواء بما يمنع غزة ولبنان من المطالبة بسيادة جوية كاملة أو تشغيل مطارات منافسة في تلك المناطق الضيقة التي تسعى تل أبيب للسيطرة على موجاتها الرادارية والتقنية بالكامل.

تعتبر إسرائيل أن الوجود المكثف للسياح والمستثمرين في هذه المناطق الحدودية سيعيد الثقة الاقتصادية الدولية ويحول الأطراف إلى مراكز جذب عالمية تندرج ضمن مشاريع الممر الاقتصادي الجديد الذي يربط القارة الآسيوية بالأسواق الأوروبية المتنوعة.

إن تحويل مناطق الصراع السابقة إلى مراكز لوجستية يمثل قمة التفوق الاستراتيجي حيث يتم استبدال منظومات الدفاع الجوي بمنشآت اقتصادية حيوية تجعل من خيار العودة للمواجهة العسكرية أمراً مكلفاً وصعباً على كافة الأطراف الإقليمية والدولية.

​هندسة الديموغرافيا وتحديات الهوية الحدودية

​يسعى وزير المالية بتسلئيل سموتريتش من خلال هذه المشاريع إلى توطين مليون إسرائيلي جديد في مناطق الأطراف معتبراً المطارين هما رأس الحربة في خطة زيادة السكان وتثبيت واقع ديموغرافي جديد لا يمكن التراجع عنه مستقبلاً.

يعتبر الجانب الإسرائيلي أن بناء مطار ضخم قرب حدود غزة ولبنان هو الرد الحاسم الذي يثبت السيادة المطلقة على الأرض ويحول التهديدات السابقة إلى فرص للاستثمار والنمو السكاني الدائم والمستقر بعيداً عن مفاهيم المواجهة.

تتزايد المخاوف من أن تكون هذه المطارات أدوات ضمن استراتيجية "التهجير الناعم" عبر توفير منافذ سفر قريبة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة لتسهيل هجرة السكان المحليين وتغيير الهوية السكانية للمناطق الحدودية لصالح المشروع الاستيطاني التوسعي.

يرى الأكاديميون الفلسطينيون أن هذه الخطوات تمثل فصلاً عنصرياً جوياً حيث تُبنى مرافق عالمية فائقة التطور بجانب مناطق تعاني من حصار مشدد وقيود خانقة على الحركة مما يعمق الفوارق المعيشية ويؤجج الصراع على السيادة والكرامة.

​ردود الفعل اللبنانية والمواجهة القانونية

​تنظر الحكومة اللبنانية بحذر شديد لهذه التطورات وتعتبرها بلطجة جوية تهدد سلامة الملاحة الدولية في مطار بيروت وتؤدي إلى تداخل فني في مسارات الهبوط والإقلاع مما دفعها لتقديم شكاوى رسمية لدى مجلس الأمن الدولي.

بدأ لبنان دراسة جدية لتشغيل مطار القليعات في الشمال كبديل استراتيجي ومنافس تقني للتحركات الإسرائيلية مؤكداً تمسكه بالقرار الدولي سبعة عشر صفر واحد ورفضه القاطع لأي محاولة لخنق الأجواء اللبنانية أو تهميش مرافقها السيادية الوطنية.

تؤكد وزارة النقل والمواصلات الفلسطينية أن إنشاء مطار صقلج يمثل خرقاً صريحاً لاتفاقيات أوسلو التي تمنح الفلسطينيين الحق في إدارة مجالهم الجوي الخاص وبناء مرافقهم الحيوية بعيداً عن التدخلات الأمنية والتقنية القسرية لسلطات الاحتلال.

ستبقى قضية المطارات الجديدة في غزة ولبنان محوراً لصراع طويل الأمد بين رغبة إسرائيل في فرض واقع اقتصادي أمني جديد وبين تمسك الشعوب بحقوقها السيادية في أجوائها وأراضيها ومستقبل أجيالها القادمة فوق ترابها الوطني المستقل.