خارج موسكو… سردية الخسائر الصامتة في الحرب الروسية في أوكرانيا
الحرب الروسية في أوكرانيا تكشف فجوة عميقة بين قلب العاصمة وأطراف البلاد، حيث تتوزع الخسائر البشرية بطريقة تعكس خرائط الفقر والتنمية والفرص الضائعة. لم تعد الأرقام مجرد إحصاءات عسكرية، بل تحولت إلى مرآة اجتماعية تكشف من يدفع الثمن الأكبر، ومن يبقى بعيداً نسبياً عن أتون المعركة.
في قراءة تحليلية نشرتها BBC، يتضح أن 67 في المئة من القتلى ينحدرون من مناطق ريفية وبلدات صغيرة يقل عدد سكانها عن مئة ألف نسمة، رغم أن هذه المناطق تضم 48 في المئة فقط من سكان روسيا. الفجوة الرقمية هنا ليست تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على اختلال عميق في توزيع الأعباء.
وتشير البيانات إلى أن معدل الخسائر كان الأدنى في المدن الكبرى، وعلى رأسها موسكو، حيث سُجلت خمسة وفيات فقط لكل عشرة آلاف ذكر، أي ما يعادل 0.05 في المئة.
تفاوت في التنمية والأجور والتعليم بين المدن الكبرى والمناطق الريفية
هذه النسبة المتدنية تعكس واقعاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي تعيشه الأطراف البعيدة عن مركز القرار، وفي المقابل، ترتفع معدلات الوفيات بشكل لافت في أقاليم فقيرة مثل بورياتيا بشرق سيبيريا، وتوفا جنوبها، حيث يزيد معدل القتلى 27 إلى 33 مرة مقارنة بالعاصمة، بينما الفارق لا يرتبط فقط بالجغرافيا، بل بواقع اقتصادي واجتماعي متراكم عبر عقود.
يرى عالم الديموغرافيا الروسي أليكسي راكشا أن العامل الحاسم وراء هذه الفجوة هو التفاوت في مستويات التنمية والأجور والتعليم بين المدن الكبرى والمناطق الريفية. فكلما تراجعت فرص العمل وارتفعت معدلات الفقر، زادت احتمالات انخراط الشباب في الجيش بحثاً عن دخل ثابت أو فرصة للهروب من واقع مسدود.
ويضيف راكشا أن الجنود المنحدرين من مناطق أفقر وأقليات عرقية يشكلون نسبة أكبر في صفوف الجيش مقارنة بحصتهم من إجمالي السكان. هذا الخلل الديموغرافي ينعكس مباشرة في أعداد القتلى، لتتحول الحرب الروسية في أوكرانيا إلى معادلة غير متكافئة بين المركز والهامش.
عالم ديموغرافي روسي آخر أوضح أن المناطق التي سجلت خسائر مرتفعة كانت تعاني أصلاً من انخفاض متوسط العمر المتوقع قبل اندلاع الحرب. بمعنى أن الحرب لم تبدأ المأساة، بل عمّقت مساراً قائماً من التراجع الصحي والاجتماعي والاقتصادي في تلك الأقاليم.
ويقول إن الدافع للانخراط في القتال لا يقتصر على الفقر، بل يشمل أيضاً شعوراً بانسداد الأفق وغياب البدائل. عندما تتقلص فرص التعليم والعمل، ويغيب الأمل في تحسين مستوى المعيشة، يصبح التجنيد خياراً يبدو واقعياً، حتى لو كان محفوفاً بالمخاطر.
قرية سيدانكا شاهدة على هذا الواقع
في أقصى الشرق، تقف قرية سيدانكا شاهدة على هذا الواقع، بينما المنازل الخضراء المتناثرة وسط الثلج والأشجار العارية تبدو ساكنة، لكن قصصها تعج بأسماء شباب لم يعودوا. هنا، تبدو الحرب الروسية في أوكرانيا حاضرة في كل بيت تقريباً، لا عبر الشاشات، بل عبر صور معلقة على الجدران.
كشفت السلطات المحلية في خريف 2024 عن نصب تذكاري لـ"المشاركين في العملية العسكرية الخاصة"، في إشارة رسمية إلى الحرب. كان النصب محاولة لتخليد الأسماء، لكنه أيضاً إعلان ضمني عن حجم الخسارة التي تكبدتها قرية صغيرة بالكاد يعرفها أحد خارج حدود الإقليم.
تعهدت الحكومة الإقليمية بمنح سيدانكا لقب "قرية الشجاعة العسكرية" الفخري، تقديراً لمشاركة رجالها في القتال. كما وعدت ببرنامج دعم مخصص لأسر الجنود، في خطوة بدت وكأنها تعويض معنوي ومادي عن الفقدان المتكرر.
غير أن الواقع على الأرض لم يواكب الوعود. حتى الآن، لم تحصل القرية على اللقب المعلن، ولم يصل كثير من الدعم الموعود إلى عائلات الجنود. بين الخطاب الرسمي والحياة اليومية، تتسع فجوة أخرى، تضاف إلى فجوة الخسائر البشرية.
تم إصلاح أسطح أربعة منازل تعود لجنود متعاقدين بعد أن تدهورت حالتها، لكن ذلك جاء عقب اهتمام إعلامي واسع فقط. هذا التدخل المحدود كشف هشاشة البنية التحتية في القرية، وأعاد تسليط الضوء على الإهمال المزمن الذي سبق الحرب بسنوات.
الخسارة امتدت إلى دورة الاقتصاد المحلي، والزراعة
تعتبر السلطات أن واحداً من كل خمسة منازل في سيدانكا، والتي بُنيت خلال الحقبة السوفيتية، غير آمن للسكن. هذا التصنيف لا يعني مجرد تصدع في الجدران، بل يعكس واقعاً عمرانياً متقادماً يثقل كاهل السكان الذين فقدوا أبناءهم.
المدرسة الوحيدة في القرية صُنفت في حالة طوارئ، مع جدران مهددة بالانهيار. الأطفال الذين بقوا يدرسون في مبنى متهالك، فيما غاب إخوتهم الكبار إلى الجبهة، يجسدون تداخلاً مؤلماً بين مستقبل هش وحاضر مثقل بالخسائر.
تفاقمت أوضاع القرية بسبب فقدان رجالها في سن العمل. لم تعد الخسارة مقتصرة على الأرواح، بل امتدت إلى دورة الاقتصاد المحلي، والزراعة، وأعمال الصيانة، وكل ما يعتمد على سواعد الشباب. الحرب الروسية في أوكرانيا هنا تعني فراغاً يومياً في الحقول والورش.
المفارقة أن المدن الكبرى، التي تحظى بفرص تعليمية ووظيفية أوسع، تبدو أقل تأثراً نسبياً من حيث عدد القتلى للفرد.
في موسكو ومدن مماثلة، تتنوع الخيارات أمام الشباب، من القطاع الخاص إلى مؤسسات الدولة، ما يقلل من اندفاعهم نحو التجنيد بدافع الحاجة.
هذا التباين يعكس نمطاً تاريخياً في توزيع الموارد داخل روسيا، حيث تتركز الاستثمارات والبنية التحتية في المراكز الحضرية، بينما تعاني الأطراف من تراجع الخدمات.
ومع اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، تحولت هذه الفوارق إلى عامل حاسم في تحديد من يُستدعى ومن يُفقد، بينما القصص الفردية في الأقاليم البعيدة تتشابه: شاب أنهى دراسته الثانوية، لم يجد عملاً مستقراً، التحق بالجيش بعقد يَعِد براتب أفضل، ثم عاد اسمه على لوحة تذكارية. تتكرر الحكاية بأسماء مختلفة، لكنها تدور في السياق ذاته من التهميش وقلة الخيارات.
في المقابل، يظل النقاش العام في المدن الكبرى أكثر انشغالاً بالتداعيات الاقتصادية والعقوبات الدولية، بينما تعيش القرى تبعات مباشرة تتمثل في الجنازات المتتالية. هذا الانقسام في التجربة يعمّق الشعور بأن عبء الحرب موزع بصورة غير متساوية.
يرى خبراء أن استمرار هذا النمط قد يترك آثاراً ديموغرافية بعيدة المدى، خاصة في المناطق التي تعاني أصلاً من انخفاض معدلات المواليد وارتفاع الهجرة الداخلية. فقدان نسبة معتبرة من الرجال في سن العمل قد يسرّع من شيخوخة تلك المجتمعات.
في نهاية المطاف، تكشف الحرب الروسية في أوكرانيا عن قصة تتجاوز خطوط القتال. إنها قصة تفاوت اقتصادي، وخرائط تنمية غير متوازنة، ووعود رسمية تتأخر عن الوصول، وقرى صغيرة تحمل على عاتقها عبئاً يفوق حجمها السكاني بكثير.