< "بركة رمضان".. تجربة إعلامية اجتماعية تعيد الاعتبار لقيم التضامن والتراحم
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

"بركة رمضان".. تجربة إعلامية اجتماعية تعيد الاعتبار لقيم التضامن والتراحم

برنامج بركة رمضان
برنامج بركة رمضان

برنامج إنساني يعيد ربط الشاشة بالشارع ويستنهض روح المجتمع

يقدّم برنامج "بركة رمضان" تجربة إعلامية مختلفة ومحتوى رمضاني مميز، بحيث يتجاوز الفصل التقليدي بين الترفيه والرسالة، لتصنع مساحة تواصل حقيقية بين الشاشة والشارع. التجربة لا تعتمد على الوعظ المباشر أو الخطاب الأخلاقي الجاهز، بل تنفذ إلى الحياة اليومية للناس، وتلتقط لحظات صادقة تعكس احتياجاتهم وآمالهم، في صيغة إعلامية هادئة تحترم عقل المشاهد ومشاعره.

التحليل الأساسي للتجربة يكشف أن البرنامج تعامل مع مفهوم الخير بوصفه ممارسة عملية يمكن رؤيتها وقياس أثرها، لا فكرة مثالية عائمة. توقيت العرض قبل الإفطار، وطبيعة القصص المختارة، وإيقاع السرد، جميعها عناصر مدروسة لتخاطب الأسرة المصرية في لحظة تجمع إنساني، حيث تكون المشاعر أكثر قربًا، والاستعداد للتفاعل أعلى، دون ضغط أو افتعال.

إعلام قريب من الناس

البرنامج كسر نمط البرامج الاجتماعية التي تميل إلى الاستعراض أو المبالغة، وقدم محتوى يراهن على البساطة والصدق. النماذج التي ظهرت لم تُقدَّم كحالات استثنائية، بل كوجوه مألوفة تشبه الجمهور، ما خلق إحساسًا بأن ما يحدث على الشاشة يمكن أن يتكرر في أي حي أو قرية.

هذا القرب من الواقع حوّل المشاهد من متلقٍ سلبي إلى شريك وجداني، يتابع التفاصيل بشعور من التماهي لا الشفقة. كما أن الابتعاد عن اللغة المتكلفة منح القصص مساحة للتأثير الطبيعي، دون الحاجة إلى تضخيم أو إثارة مفتعلة.

ويبرز في هذا السياق اعتماد البرنامج على قصص ذات أثر محدود في حجمها، عميق في نتيجته. دعم مشروع صغير، أو سداد التزام مالي، أو مساندة حالة صحية، كلها تدخلات تبدو بسيطة، لكنها تُعيد ترتيب حياة كاملة، وتُظهر كيف يمكن لفعل إنساني مباشر أن يغير مسارًا يوميًا مثقلًا بالضغوط.

رسائل تتجاوز الشاشة

لم يقتصر البرنامج على تقديم دعم مادي، بل حمل رسالة أوسع مفادها أن المجتمع لا يزال قادرًا على إنتاج الخير من داخله، وأن التكافل ليس قيمة مثالية بعيدة، بل ممارسة ممكنة ومتاحة. هذه الرسالة التربوية تُكسب التجربة بعدًا مستدامًا، يتجاوز زمن العرض الرمضاني.

كما أعاد البرنامج التأكيد على أن الإعلام حين يقترب من الناس بصدق، يصبح جزءًا من الحل لا مجرد وسيط ناقل. التفاعل الواسع مع الحلقات يعكس تعطش الجمهور لمحتوى يشعره بالاحترام، ويمنحه أملًا واقعيًا بدل الاكتفاء بسرد الأزمات.

التجربة أيضًا فتحت نقاشًا غير مباشر حول دور الإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي، عبر نماذج إيجابية لا تفرض نفسها بالقوة، بل تترك أثرها عبر القصة الصادقة والتفاعل الإنساني.

يشكّل «بركة رمضان» إضافة نوعية للخريطة الإعلامية الرمضانية، تجربة تؤكد أن المحتوى الإنساني حين يُقدَّم بهدوء وصدق، يستطيع أن يستنهض القيم الأصيلة، ويعيد ربط الشاشة بنبض الشارع، ويمنح التضامن والتراحم مساحة حقيقية في الوعي الجمعي.