< رمضان الغائبين.. حين ترفع الخيام تكبيرات الأئمة الشهداء فوق ركام غزة
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

رمضان الغائبين.. حين ترفع الخيام تكبيرات الأئمة الشهداء فوق ركام غزة

مساجد غزة
مساجد غزة

​يحل شهر الصيام هذا العام على قطاع غزة وهو مثقل بوجع الفقد وغياب الوجوه التي كانت تنير المحاريب وتملأ القلوب بالسكينة. وبينما تغيب أصوات مئات الأئمة والخطباء الذين شكلوا ذاكرة الشهر الكريم، تبدو غزة اليوم صامدة أمام جرحها النازف، حيث تتمازج رائحة البخور المنبعث من الخيام مع غبار الركام المتطاير من مساجدها العتيقة التي طالها الدمار الشامل.

​تنتصب المآذن المحطمة في أرجاء غزة كشواهد صامتة على مأساة إنسانية كبرى، بعدما أشارت البيانات الرسمية إلى استشهاد أكثر من ثلاثمئة وإثني عشر إماماً ومعلماً للقرآن الكريم. لقد فقدت غزة علماءها وقراءها الذين كانوا يقودون الجموع في ليالي التراويح والقيام، مما ترك فراغاً روحياً هائلاً في نفوس الأهالي الذين اعتادوا على نبرات أصواتهم الرخيمة.

رحيل القامات وانكسار الضوء في غزة

​كان الشيخ يوسف سلامة يمثل منارة للعلم والتقوى في قطاع غزة، حيث شغل منصب وزير الأوقاف وصدح بصوته في المسجد الأقصى لسنوات طويلة مضت. لقد غيب القصف الإسرائيلي هذا العالم الجليل في مخيم المغازي، ليفقد الناس بركة حضوره في مجالس الصلح والإرشاد التي كانت تجمع القلوب وتوحد الصفوف في أحلك الظروف القاسية.

​وفي قلب مدينة غزة القديمة، كان الشيخ وائل الزرد يؤم المصلين في المسجد العمري الكبير، ناشراً عبير علم الحديث النبوي بين تلاميذه ومريديه الكثر. رحل الأستاذ الجامعي صاحب الدكتوراه من عين شمس متأثراً بإصابته، تاركاً خلفه حزناً عميقاً في أزقة المدينة التي اشتاقت لخطبه المؤثرة وحضوره الأكاديمي والروحاني الذي لا يعوض أبداً.

​لم يتوقف نزيف العلماء عند هذا الحد في غزة، بل امتد ليطال الدكتور وليد عويضة، مدير عام التحفيظ وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. لقد كان يشرف على مئات حلقات القرآن الكريم، واستشهد في حي الصبرة ليترك آلاف الطلبة يتامى من بعده، وهم الذين استمدوا منه عشق الكتاب العزيز والثبات على الحق في وجه العواصف العاتية.

هندسة الصبر وحناجر الثبات في الميدان

​جسد نائل مصران نموذجاً فريداً للجمع بين العلوم الدنيوية والشرعية في غزة، حيث كان مهندساً مدنياً ودكتوراً في أصول الفقه الإسلامي الرصين. اشتهر بخطبه التي تركز على فقه الصبر والثبات، قبل أن يرتقي شهيداً مع عائلته في خيمة نزوح بخان يونس، لتبقى كلماته عن الصمود دستوراً حياً يتردد في صدور النازحين والمكلومين والمحاصرين هناك.

​وفي شمال القطاع المحاصر، كان المعلم محمد سلامة يزرع بذور النور في قلوب الأطفال من خلال إشرافه على حلقات التحفيظ ببيت لاهيا. ارتقى هذا المربي الفاضل في مارس عام ألفين وستة وعشرين، لينضم إلى قافلة طويلة من حملة القرآن الذين اختلطت دماؤهم بثرى الأرض المباركة، مؤكدين أن رسالة العلم لا تموت برحيل أجساد حامليها المخلصين.

​أما الشاب صالح الجعفراوي، فقد كان صوته يجمع بين عذوبة القرآن وهتاف المنشد ونبض الناشط الإعلامي الذي وثق المأساة بعدسته الصادقة الجريئة. لقد شكل حضوره في الفعاليات الدينية والإنسانية جسراً بين الرسالة الإيمانية والواقع المرير، فكان صوته الهادئ بلسماً للمصلين في ليالي رمضان، محولاً معاناتهم إلى أيقونات من الصمود والتحدي والتوثيق الحي.

صراع الجبابرة وظلال الحرب الإقليمية الكبرى

​بينما تعيش غزة مأساتها الروحية، تلوح في الأفق نذر مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة. تتزايد الحشود العسكرية في مياه الخليج والبحر الأحمر، وسط تقارير استخباراتية تتحدث عن ضربات استباقية محتملة، مما يجعل القطاع المكلوم ساحة خلفية متأثرة بارتدادات هذا الصراع الإستراتيجي المحتدم بين القوى العظمى.

​يرى مراقبون أن الحرب الأمريكية الإيرانية المرتقبة قد تعيد تشكيل خارطة التحالفات في الشرق الأوسط، وتلقي بظلالها القاتمة على مسارات التهدئة في غزة. إن تشابك المصالح وتعقيد المشهد العسكري يجعل من صمود الغزيين وسط هذا الصراع العالمي معجزة بشرية، حيث يواجهون بصدورهم العارية آلات القتل المتطورة وضغوط السياسة الدولية التي لا ترحم الضعفاء.

​تستمر التوترات في التصاعد مع تبادل التهديدات المباشرة بين واشنطن وطهران، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة. وفي خضم هذا الترقب الدولي، يظل المواطن في غزة متمسكاً بسجادته ومصحفه، محاولاً انتزاع لحظات من العبادة وسط ضجيج الطائرات وهدير البوارج التي تمخر عباب البحار المحيطة بالمنطقة المنكوبة.

تراويح فوق الركام وانبعاث الأمل

​رغم غياب الأئمة وتدمير المساجد، لم تنقطع صلاة التراويح في غزة، بل أقيمت في الساحات المكشوفة وتحت هياكل خشبية متواضعة مغطاة بالنايلون. مع كل تكبيرة إحرام، يستحضر المصلون أصوات غابت وأجساداً ووريت الثرى، لكن أثرها الباقي يمنحهم القوة لمواصلة الحياة والإصرار على أداء شعائرهم الدينية مهما بلغت التضحيات الجسام والآلام المبرحة.

​إن رمضان في غزة هذا العام ليس مجرد شهر للصيام، بل هو ملحمة إنسانية يتكأ فيها الناس على الصبر كدرع وحيد. يجد الغزيون في دعائهم خيطاً لا ينقطع يربطهم بالسماء وسط خراب الأرض، مؤمنين بأن الفراغ الذي تركه العلماء الشهداء سيملؤه جيل جديد تربى على أصواتهم، ليواصل مسيرة الإيمان والبقاء في وجه الفناء المتربص بهم.

​تبقى غزة بوصلة الصمود الأسطوري، حيث تتحول أنقاض المساجد إلى منابر للحق وصرخات للحرية التي لا تنكسر أمام عتو القوة الغاشمة. غاب الأئمة بأجسادهم، لكن أرواحهم لا تزال تطوف بين الخيام، تذكر الصائمين بأن الفجر لا بد أن يبزغ من رحم المعاناة، وأن الإيمان هو السلاح الأقوى في مواجهة حروب العالم المعاصرة والقديمة.