< مثلث الموت الصامت.. كيف تحول وسط المغرب إلى الموطن الأول لـ أخطر العقارب عالمياً؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

مثلث الموت الصامت.. كيف تحول وسط المغرب إلى الموطن الأول لـ أخطر العقارب عالمياً؟

أخطر العقارب
أخطر العقارب

​تستيقظ القرى القابعة في قلب المغرب على وقع تهديد بيولوجي صامت يتربص بسكانها خلف صخور الأرض الجافة وفي شقوق البيوت الطينية العتيقة حيث تختبئ أخطر العقارب التي عرفتها البشرية. إنها قصة صراع وجودي يخوضه الإنسان ضد الطبيعة في مثلث جغرافي بات يعرف بساحة الموت التي لا ترحم صغيراً أو كبيراً. وبينما يراقب العالم التحولات السياسية الكبرى تظل هذه الكائنات الصغيرة ترسم بلسعاتها خرائط من الألم والقلق المستمر في بيئة قاسية.

​وحسب تقرير لموقع اندبندنت عربية فإن دراسة علمية دولية حديثة أنجزت بالتعاون بين جامعة ابن زهر المغربية وجامعة غالوي الإيرلندية كشفت عن بيانات صادمة تضع وسط المغرب في صدارة المناطق العالمية من حيث الخطورة. وأوضحت الدراسة أن التنوع البيولوجي الفريد في هذه المنطقة جعلها موطناً مثالياً لتكاثر أخطر العقارب التي تتجاوز أنواعها الخمسين صنفاً. وتعتبر النتائج المنشورة في دورية الاتصالات البحثية البيئية جرس إنذار حقيقي يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لمواجهة هذا الخطر.

​التوازن البيئي القاتل في مثلث السموم المغربي

​تتكاتف عوامل الطبيعة من نوع التربة ودرجات الحرارة المرتفعة لتخلق البيئة المثالية التي ترعى نمو وتكاثر هذه العنكبيات الفتاكة في مناطق خريبكة وبني ملال والفقيه بن صالح. ويؤكد الخبراء أن درجات الحرارة القائظة في فصل الصيف تحفز حركة أخطر العقارب وتدفعها للبحث عن الظلال داخل المنازل المأهولة. إن هذه الديناميكية البيئية تجعل من كل حجر وسيلة لاختباء الموت المتربص بالمارة والنائمين في ليالي الصيف الطويلة التي لا تنتهي بسلام دائماً.

​ويرى الباحثون أن طبيعة الأرض الصخرية الممزوجة بالمناخ شبه الصحراوي توفر الملاذ الآمن والظروف البيولوجية اللازمة لتطور سموم شديدة التعقيد والتأثير على الجهاز العصبي البشري. ولم تكتفِ الدراسة بتوصيف الواقع بل قدمت تنبؤات دقيقة حول كيفية انتشار هذه الكائنات في مناطق أخرى من العالم تفتقر لسجلات تفصيلية دقيقة. إن فهم هذه الأنماط البيئية يعد الخطوة الأولى في سبيل محاصرة أخطر العقارب وتقليل نسب الوفيات المرتفعة التي تسجلها الإحصائيات الرسمية سنوياً.

​تتجلى مأساة سكان هذه المناطق في تحول قراهم إلى ما يشبه "عاصمة العقارب" حيث يتصدر إقليم الفقيه بن صالح قائمة الضحايا بنسب وفيات مفزعة وصلت لنصف وفيات المغرب. ويشير المتخصصون إلى أن أنماط السكن التقليدية المعتمدة على الطين تمنح هذه الكائنات فرصاً ذهبية للاختباء والتوالد بعيداً عن أعين الناس. وفي هذا السياق تصبح مواجهة أخطر العقارب مهمة شبه مستحيلة دون تغيير جذري في البنية التحتية والوعي المجتمعي بمخاطر التعامل مع هذه الكائنات.

​أزمة الأمصال وصراع الحق في الحياة والنجاعة

​تثير سياسة وزارة الصحة المغربية التي توقفت عن إنتاج الأمصال منذ قرابة عقدين من الزمن جدلاً واسعاً في الأوساط الطبية والحقوقية التي تطالب ببدائل فعالة. وتبرر السلطات الصحية هذا التوقف بعدم جدوى الأمصال المتوفرة حينها في مواجهة سموم أخطر العقارب المحلية مفضلة التركيز على العلاجات العرضية السريعة. إلا أن هذا التوجه يواجه معارضة شرسة من جمعيات حقوق الإنسان التي ترى في غياب المصل تهديداً مباشراً للحق في الحياة والأمان الصحي.

​ويؤكد ناشطون في مجال الصحة أن توفير الأدوية المضادة واللقاحات يعد ضرورة قصوى لإنقاذ آلاف الحالات التي تسجل سنوياً والتي تضع ضغطاً هائلاً على المستشفيات الإقليمية المحدودة. إن غياب استراتيجية وطنية موحدة لإنتاج أمصال متطورة محلياً يزيد من تعقيد المشهد الصحي ويجعل الضحايا في مواجهة مباشرة مع سموم فتاكة. ويظل المطلب الشعبي ثابتاً بضرورة العودة للاستثمار في البحث العلمي لإنتاج ترياق مخصص لمواجهة أخطر العقارب التي تسكن المنطقة الوسطى.

​منارات البحث العلمي وأدوات المواجهة البيئية

​تعد الخرائط الاحتمالية التي رسمتها الدراسة الدولية أداة استراتيجية بيد صناع القرار لتوجيه حملات التوعية والتدريب الطبي نحو "البؤر الساخنة" الأكثر تضرراً من هذه الأزمة. ويهدف هذا النهج العلمي إلى حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل الأطفال والمسنين عبر تعميم السجلات التفصيلية على دول أخرى تعاني نفس التهديد. إن التنبؤ بمناطق وجود أخطر العقارب يساعد في استباق الكوارث الصحية وتوزيع الموارد الطبية المحدودة بشكل أكثر عدلاً وفاعلية بين الأقاليم المتضررة.

​ويشير المختصون إلى أن العقرب ذو الذيل الدهني والعقرب الأصفر البني يمثلان التحدي الأكبر للطواقم الطبية بسبب سرعة انتشار سمومهما في الدورة الدموية للضحية. وتتطلب هذه الحالات تدخلاً طبياً فائق السرعة وخبرة واسعة في التعامل مع الصدمات العصبية والقلبية التي تسببها لسعات تلك الأنواع القاتلة. إن المعركة ضد أخطر العقارب لم تعد مجرد مسألة وقاية بل أصبحت حرباً علمية وتقنية تتطلب تضافر الجهود الدولية لتبادل الخبرات والبيانات البيئية.

​سياق التوترات العالمية وظلال الحروب المرتقبة

​وفي الوقت الذي ينشغل فيه العلماء بتتبع مسارات السموم الطبيعية تلوح في الأفق بوادر صراع جيوسياسي قد يغير وجه المنطقة والعالم بأسره بشكل دراماتيكي ومخيف. إذ تشير التقارير الاستخباراتية والتحليلات الاستراتيجية إلى تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وسط توقعات باندلاع حرب كبرى قد تشعل فتيل النزاع في الشرق الأوسط. هذا التصعيد العسكري المرتقب يضع الأمن القومي للدول المطلة على المتوسط في حالة استنفار قصوى مع ترقب التحركات البحرية في الممرات الدولية الحيوية.

​إن شبح الحرب الأمريكية الإيرانية يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد مما قد يؤثر بشكل غير مباشر على البرامج الصحية والبيئية في المنطقة. ففي حال اندلاع النزاع قد تتراجع الأولويات التنموية لصالح الإنفاق العسكري والأمني مما يهدد الجهود المبذولة لمحاربة الأزمات الصحية "الصامتة" مثل لدغات العقارب. إن الارتباط بين الاستقرار السياسي والقدرة على مواجهة التحديات الطبيعية يبرز بوضوح في ظل هذه الظروف الدولية المعقدة والمتسارعة التي نعيشها اليوم.

​ويرى المراقبون أن انشغال القوى الكبرى بسباق التسلح والمناورات العسكرية في مياه الخليج قد يؤدي إلى غياب الدعم الدولي للمبادرات البيئية والبحثية في أفريقيا. فالموارد التي كانت تخصص للأبحاث العلمية وتطوير الأمصال قد تتحول فجأة لتمويل العمليات العسكرية وحماية المصالح الاستراتيجية فوق رقعة الشطرنج العالمية الملتهبة. وهكذا يجد سكان القرى المغربية أنفسهم بين مطرقة التهديدات الطبيعية الفتاكة وسندان الصراعات السياسية العالمية التي تهدد أمنهم واستقرارهم الهش في نهاية المطاف.

​تظل المواجهة مع أخطر العقارب في وسط المغرب رمزاً لصمود الإنسان أمام قسوة الطبيعة وغياب الإمكانيات في ظل عالم مضطرب يبحث عن توازناته الجديدة. ومع كل دراسة جديدة تشرق شمس الأمل في إيجاد حلول جذرية تنهي معاناة آلاف الأسر وتحمي أطفالهم من سموم لا تعرف الرحمة. إنها قصة لم تنتهِ فصولها بعد بانتظار إرادة حقيقية تحول البحث العلمي إلى واقع ملموس يحمي الأرواح في تلك القرى الصابرة خلف الجبال.