< إيران والولايات المتحدة: بين الدبلوماسية والخيار العسكري
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

إيران والولايات المتحدة: بين الدبلوماسية والخيار العسكري

تحيا مصر

جاءت الجولة الثالثة من المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف لتُمثّل منعطفاً حاسماً في مسار أزمة ممتدة، تتشابك فيها معادلات الردع مع الرهانات الدبلوماسية، وتتحرك الحسابات العسكرية فيها ضمن حدود القرار السياسي، غير أن الإعلان عن بعض التقدم في تلك المفاوضات لا ينبغي تفسيره بوصفه دليلاً على اقتراب التوصل الي تسوية نهائية أو الي ان  احتمالات العمل العسكري الأمريكي ضد إيران قد تراجعت أو أصبحت مستبعدة.

فمن منظور واشنطن، تسعى إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى صياغة اتفاق أكثر صرامة واستدامة من تفاهمات عام 2015، يضمن قيوداً طويلة الأمد ومشددة على الطموحات النووية الإيرانية، ويغلق أي مسار محتمل نحو امتلاك سلاح نووي. كما تعمل الإدارة الأمريكية على توسيع نطاق التفاوض ليشمل الصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي لطهران، ويعكس هذا الطرح مقاربة شاملة ترى أن الفصل بين النووي وغير النووي لم يعد عملياً، وأن أي اتفاق جزئي قد يعيد إنتاج الأزمة خلال سنوات قليلة، غير أن هذا السقف المرتفع يصطدم بواقع سياسي إيراني داخلي لا يسمح بتقديم تنازلات تمس جوهر ما يُعرف بـ«الحق في التخصيب»، الذي تحوّل إلى مسألة سيادية ورمزية تتجاوز أبعاده التقنية والسياسية.

في المقابل، تدخل طهران المفاوضات تحت ضغط مزدوج يتمثل في عقوبات اقتصادية خانقة وتوترات داخلية متجددة، إذ يواجه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إحدى أكثر المراحل حساسية خلال فترة ولايته الممتدة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ومع ذلك، تستند إيران إلى أوراق قوة إقليمية وقدرات ردع غير متماثلة تمنحها هامش مناورة في التفاوض. ومن هذا المنطلق، تحاول رسم معادلة تفاوضية تقوم على حصر النقاش في الملف النووي مقابل رفع ملموس للعقوبات، مع إبداء مرونة تكتيكية من خلال طرح أفكار مثل التعليق المؤقت لبعض أنشطة التخصيب أو خفض مخزون اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يُتوقع بحثه في جولة المفاوضات الفنية المقبلة في فيينا الأسبوع القادم، وتستهدف هذه المقاربة كسب الوقت وتخفيف الضغوط، من دون التخلي عن كافه مكونات البنية التحتية النووية التي تمثل رصيداً استراتيجياً طويل الأمد.

وفي ظل هذا التباين الحاد في المواقف، لا يمكن تجاهل عامل محوري في المعادلة يتمثل في الحسابات الإسرائيلية. فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بوصفه تهديداً وجودياً، وترى أن أي اتفاق لا يفضي إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية، أو لا يفرض قيوداً صارمة على قدرات التخصيب وآليات التفتيش، سيترك لطهران هامشاً لإعادة بناء قدراتها مستقبلاً، ومن هذا المنطلق، يُفهم سعي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى ممارسة ضغوط على دوائر صنع القرار في واشنطن، ودفع إدارة ترمب نحو تبني خيار العمل العسكري، مع رفع سقف الشروط ليشمل الترسانة الإيرانية من الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى. فتل أبيب تعتبر أن أي صيغة اتفاق لا تعالج مجمل بواعث قلقها ستبقى، في نظرها، تسوية ناقصة لا تزيل التهديد بصورة جذرية.

ومن ناحيه اخري ، تتابع الأطراف الإقليمية الأخرى هذه المفاوضات بقلق وحذر. فهي تخشى من اتفاق لا يعالج ملف الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي الإيراني، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن البديل العسكري قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بكامل تداعياتها، ومن ثمّ، تبدو الأولوية لدى هذه الأطراف في ضمان آليات تحقق صارمة والتزامات طويلة الأمد، مع الحفاظ على مظلة ردع أمريكية واضحة تحول دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وعلى الرغم من أن الفجوات بين الطرفين لا تزال عميقة بشأن قضايا جوهرية، تشمل التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، ومستوى التخصيب المسموح به، ونطاق التفتيش والرقابة، وتسلسل رفع العقوبات، فضلاً عن البرامج الصاروخية، فإن استمرار الحوار والاتفاق على عقد جولة فنية جديدة في فيينا يعكس إدراكاً أمريكياً لأهمية استنفاد المسارات الدبلوماسية قبل الانتقال إلى الخيار العسكري، الذي لا يزال يُنظر إليه باعتباره الملاذ الأخير في حسابات صنع القرار.

ومع ذلك، تقف المفاوضات الأمريكية–الإيرانية اليوم عند مفترق طرق يميل، في ضوء المعطيات الراهنة، إلى كفة التصعيد أكثر مما يرجّح مسار التسوية السياسية. فبينما يبدو الخيار الدبلوماسي إطاراً نظرياً لإعادة ضبط التوازنات، فإن تعقيدات الملف وتشابك الحسابات الاستراتيجية يدفعان نحو سيناريو قد يُعاد فيه تشكيل المشهد الإقليمي بأدوات القوة الصلبة لا عبر تفاهمات سياسيه ودبلوماسية .

لذا تبدو فرص نجاح المسار التفاوضي محدودة ما لم تُقدم طهران تنازلات جوهرية تتجاوز اعتبارات «حفظ ماء الوجه» السياسي، وهو أمر لا تشير المؤشرات الحالية إلى سهولته، في ظل تمسكها ببعض مرتكزات برنامجها النووي مع حرصها علي تجنب برنامجها الصاروخي باعتبارهما جزءاً من معادلة الردع. وفي المقابل، تواجه واشنطن ضغوطاً إسرائيليه ، تدفع باتجاه الحسم لا الاحتواء، وتعزز منطق الردع بالقوة

ففي بيئة دولية تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها، قد يبدو الحد الأدنى من الاستقرار مكسباً بحد ذاته، إلا أن ضيق هامش الثقة وتآكل الزمن الاستراتيجي يمنحان الخيار العسكري وزناً أكبر في ميزان القرار الأمريكي، ومن ثم، فإن احتمالات اللجوء إلى عمل عسكري لا تبدو متراجعة، بل قد تزداد ترجيحاً إذا ما تعثرت الجهود الدبلوماسية أو أُغلقت نوافذها المتبقية.

 

السفير عمرو حلمي