< الطلاق السياسي الصامت.. هل انتهى عصر العلاقات الأمريكية البريطانية؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

الطلاق السياسي الصامت.. هل انتهى عصر العلاقات الأمريكية البريطانية؟

ترامب
ترامب

​تشهد العلاقات الأمريكية البريطانية منعطفاً تاريخياً خطيراً يهدد صمود التحالف الاستراتيجي الذي استمر لعقود طويلة بين واشنطن ولندن، وذلك على خلفية التباين الحاد في المواقف تجاه التصعيد العسكري المباشر ضد طهران. وقد تجلى هذا الشرخ في تصريحات الرئيس دونالد ترمب الأخيرة التي عبر فيها عن حزنه العميق لرؤية الرابطة بين البلدين تتآكل بفعل ما وصفه بضعف القيادة البريطانية في مواجهة التهديدات الإيرانية المستمرة.

​وحسب تقرير لصحيفة "ذا صن" البريطانية، فإن الرئيس دونالد ترمب لم يتردد في توجيه انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء كير ستارمر، متهماً إياه بالتأخر في اتخاذ قرارات حاسمة تدعم الجهود العسكرية الأمريكية. واعتبر ترمب أن امتناع بريطانيا الأولي عن دعم الضربات الجوية يعكس تراجعاً في مستوى التنسيق الأمني، مشدداً على أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على خوض حروبها في الشرق الأوسط بمفردها إذا لزم الأمر.

​وتعود جذور الأزمة الحالية إلى قرار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر برفض منح الإذن للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة "دييغو غارسيا" الاستراتيجية في المحيط الهندي لشن غارات جوية على أهداف إيرانية. استند الموقف البريطاني في البداية إلى اعتبارات تتعلق بالقانون الدولي، وهو ما اعتبره الجانب الأمريكي طعنة في الظهر وتراجعاً عن الالتزامات الدفاعية المشتركة التي طالما ميزت العلاقات الأمريكية البريطانية عبر العصور.

​وعلى الرغم من تراجع ستارمر لاحقاً وسماحه باستخدام القاعدة "لأغراض دفاعية محددة"، إلا أن هذا التنازل لم يشفع له عند إدارة ترمب التي رأت في التوقيت مماطلة غير مقبولة. يرى المراقبون أن هذا التوتر يضع العلاقات الأمريكية البريطانية أمام اختبار وجودي، خاصة مع اندلاع مواجهات عسكرية شاملة شملت ضربات صاروخية أمريكية وإسرائيلية مكثفة استهدفت البنية التحتية العسكرية والنووية في الداخل الإيراني رداً على هجمات سابقة.

​كواليس التوتر الدبلوماسي وأزمة القواعد الجوية

​انتقلت حدة الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن عندما وصف ترمب موقف ستارمر بأنه "أمر غير مسبوق" في تاريخ التعاون العسكري بين القوتين العظميين، مما زاد من وتيرة التوتر. يرى البيت الأبيض أن قاعدة "دييغو غارسيا" وقاعدة "فيرفورد" البريطانية ضروريتان لضمان كفاءة العمليات الجوية بعيدة المدى، وأن التردد البريطاني أعطى فرصة للنظام الإيراني لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع العسكري.

​في المقابل، يواجه ستارمر ضغوطاً داخلية هائلة من الجناح اليساري في حزبه ومنظمات حقوقية تحذر من الانزلاق في حرب إقليمية مدمرة دون غطاء شرعي من الأمم المتحدة. هذا الانقسام الداخلي البريطاني جعل لندن تبدو حليفاً متردداً في عيون واشنطن، مما دفع المسؤولين الأمريكيين للبحث عن بدائل عسكرية وتهميش دور بريطانيا في التخطيط العملياتي للضربات الجوية الجارية حالياً.

​وتفاقم الغضب الجمهوري في واشنطن مع تواتر الأنباء عن استهداف القواعد البريطانية نفسها، حيث شنت طائرات مسيرة إيرانية هجوماً على قاعدة "أكروتيري" في قبرص فور صدور الموافقة البريطانية المتأخرة. أدى هذا التطور إلى إحراج الحكومة البريطانية التي وجدت نفسها هدفاً مباشراً للانتقام الإيراني، دون أن تحصل على التقدير الكافي من حليفها الأمريكي الذي يرى أن التردد هو ما شجع طهران.

​وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن الضربات الأمريكية على إيران تسير حالياً بوتيرة أسرع من المخطط لها، حيث تم تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومنصات إطلاق صواريخ باليستية. ومع ذلك، يصر ترمب على أن الانتصارات العسكرية لا تمحو مرارة الخذلان السياسي، مؤكداً أن العلاقات الأمريكية البريطانية يجب أن تقوم على الولاء المطلق في أوقات الحروب وليس فقط في أوقات السلم.

​تداعيات الحرب على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي

​لم تقتصر آثار الحرب الأمريكية الإيرانية على الجانب العسكري، بل امتدت لتضرب مفاصل الاقتصاد العالمي مع قفز أسعار نفط برنت إلى مستويات قياسية تجاوزت حاجز 82 دولاراً للبرميل. تسببت العمليات العسكرية في مضيق هرمز واستهداف ناقلات النفط في حالة من الذعر بالأسواق العالمية، مما دفع دولاً كبرى مثل الهند واليابان للبحث عن سبل لتأمين مخزوناتها الاستراتيجية من الطاقة.

​وتوقفت إمدادات الغاز القطري بشكل مفاجئ نتيجة إغلاق الممرات الملاحية الحيوية، مما أجبر دولاً صناعية على تقنين استهلاك الطاقة وتغيير مسارات الشحن الجوي والبحري بين آسيا وأوروبا. هذا الانهيار في سلاسل التوريد وضع ضغوطاً إضافية على العلاقات الأمريكية البريطانية، حيث تتوقع واشنطن من لندن لعب دور أكبر في تأمين الملاحة البحرية الدولية وحماية مصالح الحلفاء في الخليج.

​ويرى خبراء الاقتصاد أن استمرار النزاع سيؤدي إلى تضخم عالمي غير مسبوق، خاصة مع ارتفاع تكاليف تذاكر الطيران وإغلاق المطارات الرئيسية في المنطقة العربية نتيجة المخاطر الأمنية. وتجد بريطانيا نفسها في وضع صعب، فهي من جهة تعاني من تداعيات الأزمة الاقتصادية، ومن جهة أخرى تجد نفسها مضطرة لمسايرة المطالب الأمريكية التصعيدية لتجنب عزلة دبلوماسية قد تنهي نفوذها العالمي.

​وفي ظل هذه المعمعة، تبرز فرنسا كحليف بديل ومثالي في نظر ترمب، الذي كال المديح لباريس على موقفها الداعم والواضح منذ انطلاق الرصاصة الأولى في هذا الصراع. هذا التفضيل الأمريكي لفرنسا يمثل ضربة موجعة للدبلوماسية البريطانية التي كانت تفتخر دوماً بكونها الشريك الأول والوحيد للولايات المتحدة، مما يضع مستقبل العلاقات الأمريكية البريطانية في مهب الريح.

​الوضع الصحي للرئيس وأزمة الإخلاء الدبلوماسي

​وسط هذه التطورات العسكرية المتسارعة، أثار ظهور بقع حمراء على رقبة الرئيس ترمب تساؤلات حول وضعه الصحي ومدى تأثيره على اتخاذ القرارات المصيرية في وقت الحرب. 

ورغم توضيحات طبيب البيت الأبيض بأن الأمر لا يتعدى كونه علاجاً جلدياً وقائياً، إلا أن التكهنات حول إجهاده الجسدي تزايدت، خاصة مع رصده في حالات إعياء وتورم واضحة خلال الفعاليات الرسمية الأخيرة.

​وتزامن القلق الصحي مع تصعيد دبلوماسي أمريكي غير مسبوق، حيث أمرت وزارة الخارجية موظفيها غير الأساسيين وعائلاتهم بمغادرة دول عديدة في المنطقة مثل البحرين والأردن والعراق. وتعكس هذه التحركات توقُّع واشنطن لردود فعل إيرانية انتقامية تستهدف المصالح والرعايا الأمريكيين في الخارج، مما ينذر بتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تتجاوز الحدود الجغرافية لإيران وإسرائيل.

​وحثت الإدارة الأمريكية رعاياها على مغادرة أكثر من 12 دولة في الشرق الأوسط فوراً، في إشارة واضحة إلى أن العمليات العسكرية القادمة قد تكون أكثر عنفاً وشمولية. هذا الاستنفار القنصلي زاد من حالة التوتر بين واشنطن وحلفائها الإقليميين الذين يخشون من تحول أراضيهم إلى ساحات تصفية حسابات بين القوى العظمى، وسط غياب رؤية سياسية واضحة لإنهاء النزاع.

​ويرى محللون سياسيون أن هذا الاستنفار يعكس حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، حيث تظهر العلاقات الأمريكية البريطانية كضحية جانبية لهذا التصعيد غير المحسوب. فبينما تحاول واشنطن تأمين جبهاتها الخارجية، تشعر لندن بأنها تُدفع نحو مواجهة لا ترغب فيها، مما يعزز من فرضية حدوث طلاق سياسي أو برود طويل الأمد في التحالف التاريخي.

​مستقبل التحالف الاستراتيجي في ظل المتغيرات الإقليمية

​تطرح التطورات الأخيرة تساؤلاً جوهرياً حول قدرة العلاقات الأمريكية البريطانية على استعادة زخمها السابق بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران، أم أن الضرر قد أصبح دائماً. يرى البعض أن لغة التهديد التي يستخدمها ترمب تهدف لتركيع القرار السياسي البريطاني وضمان تبعيته المطلقة، وهو أمر قد لا تتقبله النخبة السياسية في لندن التي تتمسك بسيادتها الوطنية.

​إن إصرار الولايات المتحدة على استهداف "المصدر" في إيران دون تنسيق كامل مع الحلفاء التقليديين قد يؤدي إلى ظهور تحالفات دولية جديدة تبتعد عن المظلة الأمريكية. وقد بدأت بعض الدول الأوروبية بالفعل في التعبير عن قلقها من التفرد الأمريكي في اتخاذ قرارات الحرب والسلم، مما قد يمهد الطريق لسياسة خارجية بريطانية أكثر استقلالية وتوجهاً نحو العمق الأوروبي أو الآسيوي.

​ومع ذلك، تظل الحاجة الأمنية والعسكرية المتبادلة هي الرابط الأقوى الذي يمنع الانهيار الكامل، حيث تعتمد بريطانيا على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، بينما تحتاج واشنطن للشرعية الدولية التي توفرها لندن. لكن في عهد ترمب، يبدو أن الحسابات الشخصية والعواطف السياسية تلعب دوراً أكبر من الاستراتيجيات الراسخة، مما يجعل العلاقات الأمريكية البريطانية رهينة لمزاجية القادة وتقلبات المعارك الميدانية.

​في الختام، يظل مشهد النيران المشتعلة في الشرق الأوسط والتوتر المكتوم في أروقة داونينغ ستريت والبيت الأبيض هو العنوان الأبرز للمرحلة القادمة في تاريخ السياسة الدولية. ستحتاج العلاقات الأمريكية البريطانية إلى جهود دبلوماسية جبارة لإصلاح ما أفسدته الحرب، وإعادة بناء الثقة التي تضررت بفعل أزمة القواعد العسكرية والاتهامات المتبادلة بالتقصير والخذلان في أصعب لحظات النزاع العالمي.