ترامب في ورطة. الرئيس الأمريكي بين وعود الحسم السريع واحتمالات الاستنزاف المفتوح
تتصاعد حدة العمليات العسكرية في الشرق الأوسط بينما يظل المشهد السياسي في واشنطن محاطاً بضبابية كثيفة حول النوايا الحقيقية التي يحملها ترامب من هذه الحرب المفتوحة. فقد بدأت الضربات الجوية العنيفة وسط تساؤلات دولية ملحة عن الرؤية الاستراتيجية النهائية للبيت الأبيض، خاصة مع تضارب الأنباء حول ما إذا كانت المهمة تقتصر على شل القدرات العسكرية والنووية أم تمتد لتشمل إعادة هندسة النظام السياسي في طهران بشكل كامل وعنيف.
حسب تقرير لشبكة بي بي سي ووكالات الأنباء العالمية، فإن الإدارة الأمريكية قدمت في مستهل الهجوم مبررات تقنية تركز على تحييد الخطر النووي، لكن الخطاب السياسي سرعان ما تحول ليشمل أهدافاً أوسع نطاقاً. ويعكس هذا التذبذب في الرسائل الرسمية طبيعة صنع القرار داخل الغرف المغلقة، حيث يمزج القادة بين الضغط العسكري المباشر والرغبة في تحقيق نصر سياسي كاسح ينهي عقوداً من العداء المستحكم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويرى المراقبون أن خروج ترامب في تصريحاته الأخيرة للحديث عن تدمير الصواريخ الباليستية والقدرات البحرية الإيرانية يمثل تصعيداً في سقف المطالب الأمريكية التي لم تعد تكتفي بالملف النووي وحده. فالهدف المعلن الآن هو إنهاء نفوذ طهران الإقليمي بشكل جذري، وقطع أذرعها العسكرية التي تمتد عبر عدة دول عربية، وهو ما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان قد تنفجر شظاياه في أي لحظة لتطال المصالح العالمية.
وعلى الرغم من وضوح الأهداف العسكرية الميدانية، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف المرحلة التي تلي توقف أزيز الطائرات، إذ لم يقدم البيت الأبيض تصوراً واضحاً لمستقبل الحكم في إيران. ويبدو أن هناك فجوة بين الطموحات العسكرية والواقع السياسي على الأرض، حيث يتجنب القادة السياسيون الحديث عن تكلفة إعادة بناء الدولة أو كيفية التعامل مع الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه سقوط الهياكل القيادية الحالية للنظام الإيراني.
لقد كانت دعوة ترامب للشعب الإيراني بضرورة استعادة حكومتهم بمثابة شرارة أشعلت التحليلات حول نية واشنطن الحقيقية في تغيير النظام الحاكم بلقوة، رغم محاولات بعض المسؤولين التخفيف من حدة هذا التوجه. ويشير هذا التناقض إلى وجود معسكرين داخل الإدارة؛ أحدهما يدفع نحو الحسم العسكري الشامل وتغيير الخريطة السياسية، والآخر يخشى من التورط في حرب استنزاف طويلة الأمد تكرر أخطاء التجارب السابقة في المنطقة.
اغتيال القيادة وتداعيات الفراغ السياسي في طهران
أحدث مقتل المرشد الأعلى والعديد من قادة الصف الأول في الحرس الثوري صدمة كبرى داخل وخارج إيران، مما فتح الباب أمام احتمالات الفوضى أو الصراع الداخلي على السلطة. وقد أبدى الرئيس الأمريكي تفاؤلاً كبيراً بنتائج هذه الاغتيالات، معتبراً أنها قضت على جيل كامل من القادة الذين كانوا يمثلون حائط الصد الأول ضد السياسات الأمريكية، لكن هذا التفاؤل يصطدم بتحذيرات الخبراء من ظهور قادة أكثر راديكالية.
وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن الضربات الجوية المركزة نجحت في تصفية الشخصيات التي كانت مرشحة لخلافة المرشد، مما وضع الدولة الإيرانية في مأزق دستوري وأمني لم تشهده منذ عقود. ومع ذلك، فإن غياب الخطة البديلة لدى واشنطن يثير قلق الحلفاء، فمن سيمسك بزمام الأمور في بلد يمتلك جيشاً وقوات أمنية تصل إلى مليون فرد مدربين على حرب العصابات والولاء الأيديولوجي العميق.
ويرى الجنرال ديفيد بترايوس أن حث الشعب على الانتفاض دون وجود تنظيم قيادي بديل يمثل مغامرة خطيرة قد تنتهي بحمام دم داخلي، حيث تظل القوة الفعلية في يد من يملك السلاح والبطش. فالتاريخ القريب في المنطقة يثبت أن إسقاط الرؤوس القيادية لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة الأمنية، بل قد يؤدي إلى تحولها لمليشيات مشتتة ولكنها أكثر دموية وانتقاماً، مما يهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
إن نجاح العملية العسكرية في قطع رأس النظام لا يضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار الذي يطمح إليه ترامب، بل قد يفتح أبواب الجحيم على القوات الأمريكية المنتشرة في القواعد المجاورة. فالتحدي الأكبر ليس في تدمير المنشآت، بل في كيفية إدارة الغضب الشعبي والقومي الإيراني الذي قد يتوحد ضد التدخل الأجنبي، حتى بين أولئك الذين كانوا يعارضون سياسات النظام السابق قبل بدء الحرب.
تباين الرؤى بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع
ظهرت بوضوح علامات الاختلاف في وجهات النظر بين القادة السياسيين والعسكريين في واشنطن، حيث يحاول البنتاغون رسم حدود دقيقة للعملية العسكرية بعيداً عن الطموحات السياسية الواسعة. فبينما يتحدث الرئيس بلغة النصر الحاسم والوشيك، يميل وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى توصيف المهمة بأنها دفاعية تهدف لحماية المصالح الأمريكية دون الغرق في وحل تغيير الأنظمة السياسية بالقوة المباشرة.
وقد تجلى هذا التباين في التقييمات الواقعية التي قدمها الجنرال دان كين، الذي حذر من أن الأهداف العسكرية في إيران ليست بالسهولة التي يتم تصويرها في المنشورات الإعلامية السريعة. فإيران تمتلك تضاريس معقدة وقدرات دفاعية جوية موزعة في أعماق الجبال، مما يجعل من تدمير البرنامج النووي بشكل كامل مهمة شاقة تتطلب وقتاً أطول من الأسابيع القليلة التي يتوقعها المتفائلون في البيت الأبيض.
ويخشى القادة الميدانيون من أن تؤدي الضغوط السياسية لتحقيق نتائج سريعة إلى ارتكاب أخطاء عسكرية فادحة، خاصة مع بدء سقوط خسائر في صفوف الجنود الأمريكيين نتيجة الردود الإيرانية الانتقامية. إن فقدان أرواح ستة جنود في الأيام الأولى هو مؤشر خطر على أن الحرب لن تكون "نزهة جوية"، وأن الخصم لا يزال يمتلك القدرة على توجيه ضربات مؤلمة للقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة المحيطة.
ويؤكد هذا الانقسام الداخلي أن استراتيجية ترامب تعتمد بشكل أساسي على مبدأ الصدمة والترويع لإجبار الخصم على الانهيار، بينما يفضل العسكريون خطة مدروسة تأخذ بعين الاعتبار سيناريوهات الرد الطويل. فالتناقض بين تصريحات "تغيير النظام" ونفيها من قبل الدفاع يعكس غياب التنسيق المؤسسي، وهو ما يستغله الخصوم للتشكيك في قدرة واشنطن على الصمود في مواجهة صراع ممتد ومكلف.
الاستباقية العسكرية والدوافع الخفية للهجوم
دخلت الحرب منعطفاً جديداً مع كشف وزير الخارجية ماركو روبيو عن الطابع الاستباقي للضربات، مدعياً أن واشنطن تحركت لمنع انفجار إقليمي أكبر كانت إسرائيل طرفاً أساسياً فيه. وبحسب هذه الرواية، فإن الولايات المتحدة لم تكن تملك خياراً سوى المبادرة بالهجوم لتجنب ردود فعل إيرانية كانت ستستهدف القوات الأمريكية في حال بدأت تل أبيب الحرب منفردة وبشكل مفاجئ للجميع.
هذا المبرر الجديد يطرح تساؤلات حول مدى استقلالية القرار الأمريكي في هذه الأزمة، وما إذا كانت واشنطن قد انجرت لصراع لخدمة أجندات حلفاء إقليميين يطالبون منذ زمن بتوجيه ضربة قاصمة لإيران. ويحاول ترامب تصوير هذا التحرك بوصفه "الفرصة الأخيرة" لحماية الأمن القومي الأمريكي، معتبراً أن الانتظار كان سيكلف الولايات المتحدة أثماناً باهظة في المستقبل القريب من حيث الأرواح والمليارات الضائعة.
ومع ذلك، يرى معارضو هذه السياسة في الكونغرس أن غياب المعلومات الاستخباراتية الواضحة حول "التهديد الوشيك" يضعف الحجة القانونية والأخلاقية لهذا الهجوم الواسع. فالنواب الديمقراطيون يتهمون الإدارة بالقفز نحو الخيار العسكري دون استنفاد السبل الدبلوماسية، محذرين من أن غياب الاستراتيجية المحددة سيجعل من السهل الانزلاق إلى حرب برية واسعة النطاق لا يريدها الشعب الأمريكي الذي يعاني من أزمات اقتصادية.
إن تبرير الحرب كإجراء وقائي يضع سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، حيث يمكن لأي دولة أن تشن هجوماً مدتمراً بناءً على توقعات بتحركات الخصم المستقبلية دون دليل ملموس. ويظل التحدي أمام الخارجية الأمريكية هو إقناع المجتمع الدولي بأن هذه الضربات ليست مجرد عمل عدواني، بل هي ضرورة أمنية لمنع انتشار الأسلحة النووية وحماية ممرات التجارة العالمية من التهديدات المستمرة.
ثورة في التواصل السياسي ومخاطر الارتجال
كسر الرئيس الأمريكي كافة القواعد التقليدية في إدارة الأزمات الكبرى، مفضلاً مخاطبة العالم عبر مقاطع فيديو قصيرة ومنشورات اجتماعية بدلاً من الخطابات الرسمية من المكتب البيضاوي. ويرى أنصاره أن هذا النهج يمثل شفافية مباشرة مع الشعب، بينما يراه النقاد ارتجالاً خطيراً يفتقر للهيبة والمصداقية اللازمة في أوقات الحروب المصيرية التي تحدد مصائر الملايين من البشر.
هذا الأسلوب غير المألوف أدى إلى إرسال رسائل متناقضة للدول الحليفة والعدوة على حد سواء، حيث تتغير الأهداف المعلنة بين ساعة وأخرى وفقاً لمنشورات ترامب المتلاحقة. فبينما يحاول الدبلوماسيون تهدئة المخاوف الدولية، تأتي التصريحات الهاتفية المقتضبة لتفتح جبهات جديدة وتزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية التي تترقب مصير أسعار النفط وإمدادات الطاقة الحيوية.
وعلى الرغم من تأكيدات الإدارة بعدم الرغبة في إرسال قوات برية، إلا أن ترك الباب موارباً لهذا الاحتمال يثير ذعر الشارع الأمريكي الذي لا يزال يتذكر مرارة حربي العراق وأفغانستان. إن محاولة طمأنة الجمهور بأن الحرب ستكون قصيرة "أربعة إلى خمسة أسابيع" تذكر بتصريحات سابقة في حروب أخرى ثبت عدم دقتها، مما يزيد من الضغط الشعبي على الإدارة لتقديم جدول زمني واقعي.
في نهاية المطاف، يبقى المشهد الإيراني مفتوحاً على كافة السيناريوهات، من الانهيار الداخلي المفاجئ إلى المقاومة العنيفة والممتدة التي قد تستنزف الموارد الأمريكية لسنوات قادمة. ويظل العالم يراقب ما إذا كانت مغامرة ترامب ستؤدي بالفعل إلى "إعادة تشكيل موازين القوى" في الشرق الأوسط، أم أنها ستكون بداية لفصل جديد من الفوضى التي لا تعرف حدوداً جغرافية أو زمنية واضحة.