< لماذا تخلت أوروبا عن ترامب .. خسائر بالجملة للملايين في القارة العجوز بسبب الحرب
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

لماذا تخلت أوروبا عن ترامب .. خسائر بالجملة للملايين في القارة العجوز بسبب الحرب

الرئيس الأمريكي ترامب
الرئيس الأمريكي ترامب

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حدثًا جيوسياسيًا بعيدًا بالنسبة للأوروبيين، بل تحولت سريعًا إلى أزمة يومية تمس الاقتصاد والطاقة والسياسة داخل القارة نفسها. فمع اتساع دائرة التصعيد، بدأت العواصم الأوروبية تدرك أن القرارات العسكرية الكبرى التي تتخذها واشنطن لا تقف آثارها عند حدود المنطقة، بل تمتد إلى الأسواق الأوروبية والبيوت والصناعات، وهو ما يفسر تصاعد الانتقادات داخل أوروبا للنهج الأمريكي في إدارة الأزمة.

اقتصاديًا، كانت أسواق الطاقة أول المتأثرين. أوروبا التي لم تتعاف بعد بالكامل من صدمة الطاقة التي أعقبت الحرب الأوكرانية، وجدت نفسها أمام موجة جديدة من الارتفاعات في أسعار الغاز والنفط. هذه القفزات تعني ببساطة زيادة تكاليف الإنتاج في الصناعات الثقيلة، وارتفاع فواتير الكهرباء والتدفئة للأسر الأوروبية. في دول صناعية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، تمثل الطاقة عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد، ولذلك فإن أي اضطراب في الإمدادات أو الأسعار ينعكس سريعًا على النمو وفرص العمل.

ولم تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة فقط، بل امتدت إلى الأسواق المالية وسلاسل الإمداد. المستثمرون يميلون عادة إلى الأصول الآمنة في أوقات الاضطراب، ما يخلق موجات من التقلبات في البورصات الأوروبية. في الوقت نفسه، تؤدي زيادة تكاليف النقل والتأمين البحري إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية والمواد الخام، وهو ما يضيف ضغوطًا تضخمية جديدة على المستهلكين الأوروبيين الذين يواجهون بالفعل مستويات معيشية أكثر صعوبة خلال السنوات الأخيرة.

سياسيًا، بدأت أصوات داخل أوروبا تتساءل عن جدوى الانخراط غير المشروط خلف السياسات الأمريكية. فالقارة التي تعتمد جزئيًا على الاستقرار في الشرق الأوسط لتأمين إمدادات الطاقة، ترى أن أي فوضى طويلة في المنطقة ستنعكس مباشرة على مصالحها الاقتصادية والأمنية. هذا القلق يفسر الحذر الأوروبي المتزايد والدعوات المتكررة لوقف التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

كما تخشى الحكومات الأوروبية من تداعيات إنسانية محتملة، خصوصًا إذا أدت التطورات إلى عدم استقرار واسع في المنطقة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الأزمات في الشرق الأوسط غالبًا ما تتبعها موجات هجرة كبيرة نحو أوروبا، وهو ملف شديد الحساسية سياسيًا داخل الاتحاد الأوروبي، وقد يؤدي إلى تصاعد التيارات الشعبوية واليمينية المتشددة.

في هذا السياق، تبرز أيضًا مخاوف أوروبية من تحولات أوسع في النظام الدولي. فالتصعيد العسكري قد يفتح الباب أمام سباق نفوذ بين القوى الكبرى، وهو ما يضع أوروبا في موقع صعب بين الحفاظ على تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة وبين حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية الخاصة.

ولهذا بدأت بعض الدول الأوروبية في البحث عن قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، سواء في ملفات الدفاع أو الطاقة أو السياسة الخارجية. فالأزمة الحالية أعادت طرح سؤال قديم داخل القارة: إلى أي مدى يمكن لأوروبا الاعتماد على المظلة الأمريكية، وما حدود قدرتها على صياغة سياسة مستقلة عندما تتعارض المصالح.

في النهاية، تعكس التحولات في الخطاب السياسي الأوروبي إدراكًا متزايدًا بأن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لم تعد مجرد أحداث بعيدة، بل أزمات عالمية تتدفق آثارها مباشرة إلى الاقتصاد والمجتمع الأوروبي. ومن هنا يتشكل موقف أوروبي أكثر حذرًا تجاه سياسات التصعيد، مدفوعًا برغبة واضحة في تجنب دفع ثمن صراعات لا تخدم استقرار القارة.