< جنرال بـ9 أرواح.. هل سقط قائد فيلق القدس في فخ التخابر مع إسرائيل؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

جنرال بـ9 أرواح.. هل سقط قائد فيلق القدس في فخ التخابر مع إسرائيل؟

قائد فيلق القدس
قائد فيلق القدس

​تعيش الأوساط السياسية والأمنية في طهران حالة من التخبط والغموض غير المسبوق حول المصير الغامض الذي يواجه قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني وسط تسارع الأحداث الإقليمية. تتصاعد وتيرة التكهنات التي تشير إلى احتمال اعتقاله أو حتى إعدامه سرا بتهمة التخابر لصالح أجهزة استخبارات معادية. تأتي هذه الأجواء المشحونة في ظل تضارب الروايات حول نجاته المتكررة والمثيرة للريبة من سلسلة هجمات دقيقة استهدفت شخصيات قيادية بارزة في المنطقة.

​حسب تقرير لموقع القاهرة الإخبارية تداولت وسائل إعلام عربية وتقارير غير مؤكدة مزاعم خطيرة تفيد بأن السلطات الإيرانية نفذت حكم الإعدام بحق الجنرال البارز. تشير الادعاءات إلى تورطه في فضيحة تجسس كبرى لصالح إسرائيل مما أحدث زلزالا عنيفا في أروقة النظام. ورغم الانتشار الواسع لهذه الشائعات المروعة عبر منصات التواصل ومواقع الأخبار لم تصدر طهران حتى اللحظة أي تأكيد رسمي حول هذا المصير المأسوي.

​أشارت صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية إلى أن هذه الروايات الصادمة لا تزال تفتقر إلى الأدلة القاطعة رغم تداولها الكثيف في الأوساط الرقمية والإعلامية. وجاء هذا الزخم في تناقل الأخبار نتيجة طبيعية للتكهنات المتزايدة حول القدرة العجيبة التي أظهرها الرجل في الإفلات من الموت. فقد نجا مرات عديدة من ضربات جوية وهجمات مميتة حصدت أرواح العشرات من القيادات البارزة المرتبطة بشبكة النفوذ الإيراني المعقدة.

​تحدثت بعض الحسابات المهتمة بالشأن الإيراني على وسائل التواصل الاجتماعي عن تفاصيل درامية تفيد بتنفيذ حكم الإعدام بحقه على يد الحرس الثوري نفسه. وزعمت حسابات أخرى أن جهاز الحرس الثوري كان قد وضعه قيد الاحتجاز السري والتحقيق المكثف للاشتباه في كونه عميلا مندسا يعمل لصالح الموساد. وسبقت هذه الإجراءات المزعومة حملة تسريبات واسعة مهدت الطريق لانتشار أخبار تصفيته جسديا داخل الأقبية المظلمة والمجهولة.

​وفي المقابل نقل موقع إخباري إسرائيلي معروف نفيا قاطعا من جانب طهران لهذه الشائعات المتداولة حول إعدام الجنرال البالغ من العمر سبعة وستين عاما. ومع ذلك لم يفلح هذا النفي الرسمي في إخماد نيران الشكوك التي تلتهم ثقة الشارع والدوائر السياسية. إذ يستمر تداول التقارير الغربية والإقليمية التي تصر على ربط اسم هذا المسؤول العسكري الرفيع بسلسلة من التسريبات الأمنية الخطيرة التي ضربت النظام.

​سجل دموي ونجاة أسطورية

​يُعرف قائد فيلق القدس في الدوائر الاستخباراتية بلقب الرجل ذي الأرواح التسع نظرا لنجاته المتكررة وشبه المستحيلة من هجمات عنيفة أودت بحياة كبار مساعديه. تولى هذا الرجل مقاليد الأمور في الذراع العملياتي الخارجي لإيران في مطلع شهر يناير من عام ألفين وعشرين. وجاء تعيينه في هذا المنصب الحساس مباشرة عقب حادثة الاغتيال المدوي لسلفه قاسم سليماني في غارة أمريكية قلبت الموازين بالمنطقة.

​يعتبر هذا الفيلق الاستراتيجي الأداة الأقوى في يد طهران لبناء وتسليح وتنسيق تحركات شبكة واسعة من الفصائل المسلحة تُعرف باسم محور المقاومة بالشرق الأوسط. وخلال سنوات قيادته الحافلة بالأحداث الجسام تكبدت هذه الشبكة المعقدة خسائر فادحة لم يسبق لها مثيل على الإطلاق. فقد قُتل عدد كبير من أبرز الوجوه القيادية والتاريخية داخل هذا المحور في ظروف غامضة وعمليات استهداف جراحية بالغة الدقة.

​من أبرز هذه الضربات الموجعة التي وقعت في عهده مقتل زعيم حزب الله حسن نصر الله إثر غارة إسرائيلية مدمرة استهدفت معقله السري في لبنان. كما امتدت يد الاغتيالات لتطال الرئيس السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في عملية نوعية مباغتة وقعت داخل العاصمة طهران. وقد ربطت شائعات متداولة بقوة على الإنترنت بين هذه العملية ومعلومات سرية خطيرة يُعتقد أنها قُدمت للجانب الإسرائيلي.

​تشير تلك الشائعات الخطيرة إلى أن إسرائيل قامت بقصف وتفجير الموقع السري للغاية الذي كان يستضيف إسماعيل هنية بعد فترة زمنية وجيزة جدا. وجاء ذلك الاستهداف بعد زيارة سرية قام بها الجنرال المثير للجدل لهذا الموقع الآمن. ولم تتوقف الخسائر هنا بل امتدت لتشمل مقتل العشرات من كبار القادة الإيرانيين الآخرين في هجمات دقيقة وقعت بأنحاء الإقليم وفقا لصحيفة ذا جارديان البريطانية.

​شكوك متزايدة واختراق أمني

​بلغت ذروة التعقيدات الأمنية بعد عملية مشتركة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل أسفرت عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من أركان نظامه البارزين. وفي مفارقة أثارت الكثير من علامات الاستفهام غاب اسم قائد فيلق القدس عن قوائم الضحايا تماما رغم وجوده المستمر. وهو يمثل ركنا أساسيا ضمن شبكة القيادة العليا، وهذا الغياب المفاجئ عن مسرح الموت زاد من حدة التكهنات حول دوره الخفي.

​تعمقت الشكوك وتوسعت دائرة الاتهامات الصامتة بعد أن تبين أن هذا القائد العسكري كان على صلة مكانية وزمانية وثيقة بعدة ضربات قاصمة استهدفت القيادة. وتؤكد بعض التقارير الاستخباراتية المسربة أنه غادر موقع الانفجار الهائل الذي أودى بحياة المرشد الأعلى قبل دقائق معدودة فقط من الكارثة. هذه المفارقة الزمنية العجيبة دفعت بالكثير من المتابعين إلى الاعتقاد الراسخ بأنه يقوم بتسريب أدق التفاصيل سرا لإسرائيل.

​زادت التكهنات اشتعالا بعد تسريب تفاصيل مرعبة تتحدث عن قيام عميل داخلي شديد القرب من دوائر صنع القرار جنده جهاز الموساد بجمع أدلة حاسمة.

وقام هذا العميل بإرسال مقطع فيديو يوثق جثة خامنئي مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لضمان تأكيد نجاح العملية. وترافق ذلك مع نشر إسرائيل سابقا قائمة سوداء بأسماء مسؤولين إيرانيين تعتزم تصفيتهم جسديا وإزاحتهم من المشهد نهائيا.

​في نهاية الأسبوع الماضي أُعلن رسميا عن اكتمال تصفية تلك القائمة المحددة مع غياب لافت لاسم هذا القائد ما أثار دهشة المراقبين الأمنيين. وعلى مدار العامين الماضيين تواترت عدة تقارير صحفية استندت إلى مصادر أمنية مطلعة تفيد بأن هذا الجنرال الغامض كان يقترب من حضور اجتماعات هامة. ونقلت صحيفة ذا ناشيونال هذه المعطيات التي تفيد بتواجده في مقرات حيوية تعرضت لاحقا لضربات مميتة وقاصمة.

​تحقيقات سرية وعودة من الموت

​خلال مسار الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي استمرت اثني عشر يوما سارعت عدة وسائل إعلام لإعلان خبر وفاته بشكل قاطع قبل أن تتراجع لاحقا عن ذلك. فقد ظهر الرجل بشكل مفاجئ في شوارع طهران خلال احتفال عام في شهر يونيو من عام ألفين وخمسة وعشرين مرتديا ملابس مدنية ليدحض الشائعات. وأُعلن مجددا عن وفاته في أكتوبر من عام ألفين وأربعة وعشرين في مفارقة تؤكد التخبط.

​خضع الرجل على ما يبدو لجلسات استجواب سرية قاسية ومطولة قبل أن يطل مرة أخرى عبر شاشة التلفزيون الإيراني الرسمي مما عزز الغموض حول مصيره. وتكرار هذه الوقائع الدرامية لعمليات الاختفاء والظهور ساهم في تعزيز هالة الغموض الكثيف المحيط بمصيره الحقيقي ودوره الفعلي في إدارة دواليب السلطة. وعقب النجاح الإسرائيلي المدوي في اختراق الهيكل القيادي الحساس لحزب الله اللبناني تغيرت الكثير من المعطيات الأمنية.

​أفادت تقارير استخباراتية إقليمية بأن القيادة العليا في إيران شرعت فورا بفتح تحقيق رسمي واسع النطاق للوقوف على أسباب وخلفيات هذه الخروقات الأمنية الفادحة. ونقلت وسائل إعلام بارزة عن مصادر موثوقة أن مسار هذا التحقيق المعقد أدى لاتخاذ قرار خطير بوضع قائد فيلق القدس وكبار فريقه بالحجر الصحي. وتلا ذلك إخضاعهم لسلسلة مكثفة من التحقيقات لكشف ملابسات التسريبات الدقيقة التي منحت إسرائيل تفوقا استراتيجيا كبيرا.

​صراع الخلافة وموقف واشنطن

​تبرز هذه التكهنات المتسارعة والمخاوف الأمنية العميقة في توقيت بالغ الدقة والحساسية حيث تسعى طهران جاهدة لترتيب أوراقها وتعيين قائد أعلى جديد للبلاد. ويطرح في الأروقة المغلقة بقوة اسم مجتبى خامنئي وهو النجل البارز للمرشد الراحل كمرشح مفضل وأقوى لتولي هذا المنصب السيادي الحساس والمهم. ويمثل هذا التوجه محاولة يائسة للحفاظ على تماسك النظام واستمرارية نهجه المتشدد في مواجهة التحديات المتفاقمة باستمرار.

​تمكن مجتبى بأعجوبة لافتة من النجاة من سلسلة الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة والمكثفة التي حصدت روح والده وأرواح العشرات من أرفع قادة النظام. ويشتهر هذا الوريث المحتمل في الأوساط السياسية والإعلامية بانتمائه القوي لمعسكر الصقور والمتشددين المتمسكين بالنهج الراديكالي الصلب في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. كما أنه يتمتع بعلاقات وطيدة وشبكة تحالفات استراتيجية تربطه بقوات النخبة في الحرس الثوري مما يضاعف حظوظه.

​على الضفة الأخرى من هذا الصراع الإقليمي المشتعل أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رفضه القاطع والمطلق لمجتبى كخليفة محتمل لقيادة النظام الإيراني المرتقب. ووصف ترامب في تصريحات نارية أدلى بها لموقع أكسيوس محاولات ترشيحه بأنها مضيعة حقيقية للوقت واصفا نجل المرشد بأنه مجرد شخص تافه وضعيف. واعتبر أن مسألة خلافة القيادة في طهران يجب أن تخضع لمعايير مختلفة تماما لضمان تحقيق الاستقرار الشامل.

​أوضح ترامب في حديثه الاستفزازي والمباشر أنه يجب أن يمتلك حق المشاركة وفرض الوصاية في مسألة التعيين القيادي الداخلي هذه تماما كسوابق أخرى دولية. وضرب مثلا صريحا كما زعم أنه فعل وتدخل مع ديلسي رودريجيز في دولة فنزويلا السابقة لفرض إيقاع سياسي يخدم المصالح الاستراتيجية العليا لإدارته وطموحاتها. وأضاف بلهجة تحذيرية أن تولي ابن علي خامنئي مقاليد الأمور يمثل خطوة غير مقبولة نهائيا ومرفوضة.

​أكد الرئيس الأمريكي بقوة أن الولايات المتحدة تبحث بجدية عن شخصية معتدلة قادرة على جلب الوئام والسلام الحقيقي إلى الداخل الإيراني والمنطقة المشتعلة بأكملها. واختتمت التصريحات الأمريكية بتهديد استراتيجي يربط مصير قائد فيلق القدس ومسار الخلافة بمستقبل الاستقرار ملوحا بالعودة للحرب الشاملة خلال خمس سنوات فقط. وتظل بذلك الساحة الإيرانية مفتوحة على مصراعيها لكل سيناريوهات الفوضى والانفجار وتصفية الحسابات الغامضة في ظل غياب اليقين.