< سيناريوهات الصدام الكبير.. هل يفتح الحوثي أبواب الجحيم في باب المندب؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

سيناريوهات الصدام الكبير.. هل يفتح الحوثي أبواب الجحيم في باب المندب؟

جماعة الحوثي
جماعة الحوثي

​منذ اللحظات الأولى لاندلاع شرارة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، اتجهت الأنظار صوب اليمن لترقب ما سيفعله الحوثي في هذه المواجهة المصيرية التي تعصف بالمنطقة. بدأ المشهد بإعلانات سياسية تضامنية واسعة النطاق، حيث سارع زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي إلى تأكيد وقوفه الكامل مع طهران في مواجهة ما وصفه بالعدوان، مندداً بالتحركات الغربية التي تستهدف استقرار الإقليم وتماسك محور المقاومة.

​حسب تقرير لـ بي بي سي نيوز عربي، فإن تصريحات القيادة السياسية للجماعة حملت أبعاداً مزدوجة تجمع بين الحشد المعنوي والتحفظ العسكري الميداني، إذ أكد الحوثي استعداد قواته للتحرك إذا لزم الأمر. ومع ذلك، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية تحول هذا الدعم من مجرد خطابات تعبوية ووقفات احتجاجية إلى مشاركة فعلية ومباشرة في العمليات الحربية التي تدور رحاها بعيداً عن الجغرافيا اليمنية المنهكة بسنوات الحرب.

​وفي إيضاحات لافتة، أشار الدكتور حزام الأسد عضو المكتب السياسي للجماعة إلى أن قرار الانخراط العسكري المباشر يخضع كلياً لتقديرات القيادة العليا التي تدرس الموقف بدقة متناهية. ويرى الأسد أن الحوثي ينظر إلى إيران باعتبارها قوة إقليمية ضاربة تمتلك من العتاد والخبرة ما يكفي لإدارة صراعها الوجودي بنفسها، دون الحاجة الماسة إلى تدخلات خارجية من الحلفاء في الوقت الراهن على الأقل.

​وشدد الأسد في حديثه على أن طهران لم تطلب رسمياً أي تدخل عسكري من جانب الجماعة، كما أنها لم تبدِ أي حاجة لوجود مقاتلين يمنيين في ساحات المواجهة المباشرة. ويؤكد أن الحوثي يدرك تماماً قدرة الصواريخ الإيرانية على الوصول إلى العمق الإسرائيلي وإلحاق أضرار جسيمة به، مما يجعل الحاجة إلى فتح جبهات إضافية مسألة تخضع لحسابات الربح والخسارة العسكرية والسياسية المعقدة جداً.

​واستطرد القيادي في الجماعة موضحاً أن وضع إيران يختلف جوهرياً عن وضع حركة حماس في قطاع غزة، والتي كانت تعاني من حصار خانق يتطلب إسناداً عسكرياً مباشراً لفك الضغط. وبناءً على ذلك، فإن الحوثي يرى أن تكرار سيناريو التدخل الذي حدث عقب أحداث أكتوبر من عام ألفين وثلاثة وعشرين ليس مطروحاً بالضرورة كقاعدة ثابتة في الصراع الحالي بين الدول الكبرى.

تكتيكات الإسناد وتوازنات القوى الإقليمية

​تأتي هذه المواقف لتعيد صياغة دور الجماعة في إطار ما يُعرف بمحور المقاومة، حيث برز الحوثي كلاعب فاعل خلال الحرب في غزة عبر استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر. ورغم قوة تلك العمليات وتأثيرها العالمي، إلا أنها ظلت مرتبطة بسياق الملاحة والضغط الاقتصادي، ولم تتطور إلى انخراط عسكري شامل للدفاع عن الأراضي الإيرانية بشكل مباشر حتى اللحظة.

​ويرى الكاتب المتخصص في الشؤون اليمنية أنور العنسي أن التزام الجماعة بعدم تنفيذ عمليات عدائية واسعة ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية حالياً قد يعود إلى تقديرات دقيقة للكلفة الباهظة المتوقعة. فالحقيقة أن الحوثي تعرض خلال الفترات الماضية لضربات جوية مركزة من قبل واشنطن ولندن، أدت بلا شك إلى إضعاف بعض مفاصل قوته العسكرية وأثرت على مخزونه من الأسلحة النوعية والمسيرات المتطورة.

​ويضيف العنسي أن الخيارات المتاحة أمام المقاتلين اليمنيين باتت أكثر تعقيداً ومحدودية مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في السابق عند استهداف خطوط الملاحة الدولية في خليج عدن. فالتراجع الملحوظ في حركة السفن التجارية عبر مضيق باب المندب وصولاً إلى قناة السويس قلل من الأهداف المتاحة التي كان يستخدمها الحوثي للضغط على المجتمع الدولي وإبراز قوته كلاعب يعيق التجارة العالمية.

​وفي ذات السياق، يبرز تساؤل حول ما إذا كان صمت المدافع اليمنية يعود لقرار ذاتي نابع من قراءة الميدان، أم أنه ينتظر ضوءاً أخضر من العاصمة الإيرانية طهران. فالقرار الإيراني هو الذي يحدد في الغالب توقيت وطبيعة مشاركة الحلفاء الإقليميين، ويبدو أن الأولويات الحالية تركز على حماية الداخل الإيراني مع الحفاظ على أوراق الضغط في اليمن لاستخدامها في اللحظات الحاسمة.

سيناريوهات التصعيد وممرات الملاحة الدولية

​من جهة أخرى، يرى الصحفي الحسين البخيتي المقرب من الجماعة أن الدور المتوقع في حال انفجار الأوضاع بشكل أكبر سيظل متركزاً في الممر المائي الاستراتيجي لليمن. ويعتقد البخيتي أن الحوثي يمتلك ميزة استراتيجية في البحر الأحمر لا يمتلكها غيره، وهي القدرة على فرض إغلاق فعلي أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية، مما يشكل ضغطاً لوجستياً هائلاً يستنزف موارد الخصوم دون الحاجة لخوض حرب برية.

​واستبعد البخيتي فكرة الانخراط في اشتباك مباشر مع القوات الأمريكية في المحيطات البعيدة، لكنه وضع شرطاً مثيراً للاهتمام حول إمكانية توسع رقعة الحرب لتشمل دولاً إقليمية أخرى. فإذا قدمت السعودية أو الإمارات دعماً عسكرياً مباشراً للولايات المتحدة في حربها ضد إيران، فإن الحوثي قد يجد نفسه مضطراً لاستئناف العمليات العسكرية ضد تلك الدول في سياق تصعيد إقليمي شامل لا يستثني أحداً.

​وتشير الوقائع التاريخية إلى أن الجماعة التي تسيطر على معظم مناطق الشمال الغربي في اليمن منذ سنوات طويلة، استطاعت الصمود أمام تحالفات عسكرية دولية وإقليمية واسعة. ومع إعادة تصنيفها كمنظمة إرهابية من قبل الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، ازداد إصرار الحوثي على إظهار التحدي، معتبراً أن هذه التصنيفات لن تثنيه عن القيام بما يراه واجباً أخلاقياً ودينياً تجاه حلفائه في المنطقة.

​إلا أن المحلل أنور العنسي يعود ليؤكد أن غياب الجماعة عن المشهد العسكري تماماً قد يفسر كعلامة ضعف أمام الخصوم الداخليين المتربصين بسلطتها في صنعاء وبقية المحافظات. ويخشى الحوثي أن يؤدي التراجع عن المساندة الفعلية إلى تآكل صورته كقوة إقليمية صاعدة، خاصة أمام الجماهير التي تفاعلت مع هجماته السابقة في البحر الأحمر واعتبرتها نصراً للقضايا العربية والإسلامية العادلة.

القدرات الصاروخية وهامش الاستقلال السياسي

​الخيار العسكري الوحيد المتبقي الذي قد يلجأ إليه المقاتلون هو استهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بعيدة المدى، شريطة توفر مخزون كافٍ منها بعد الغارات المتكررة. ويبقى قرار الحوثي مرهوناً بتطورات الميدان في لبنان وغزة، فكلما اشتد الخناق على حزب الله أو الفصائل الفلسطينية، زادت احتمالية تدخل الجماعة لتخفيف الضغط وتشتيت الانتباه العسكري عن الجبهات المشتعلة.

​وتشير تقارير استخباراتية حديثة إلى أن الجماعة لم تتوقف عن تطوير قدراتها الصاروخية بمساعدة تقنية خارجية، وهو ما يثير قلقاً دولياً من دخولها المفاجئ في الصراع. ومع ذلك، فإن التاريخ القريب يظهر أن الحوثي يمتلك هامشاً من الاستقلال في قراراته، حيث سبق وأبلغ طهران في مناسبات عدة بعدم قدرته على تنفيذ مهام قتالية إضافية بسبب الحصار الاقتصادي والضغوط العسكرية.

​تجلت هذه الاستقلالية في مواقف سابقة، مثل أحداث عام ألفين وتسعة عشر حين اكتفت الجماعة بالإدانة السياسية لاستهداف ناقلات النفط في خليج عُمان دون تدخل ميداني يذكر. وحتى بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني في عام ألفين وعشرين، اكتفى الحوثي بالتضامن الإعلامي والخطابات الرنانة، مما يعكس توازناً دقيقاً بين الالتزام العقائدي بمحور المقاومة وبين الحفاظ على بقاء الجماعة وتماسكها الداخلي.

​في نهاية المطاف، يبقى الموقف اليمني معلقاً بين الرغبة في إثبات الحضور الإقليمي وبين الخوف من استدراج البلاد إلى جولة جديدة من الدمار الشامل الذي قد ينهي سيطرة الجماعة. إن الحوثي يدرك أن اللعب مع القوى العظمى في حرب مفتوحة يختلف تماماً عن المناوشات البحرية، وهو ما يجعله يتريث كثيراً قبل الإقدام على أي خطوة قد تغير وجه المنطقة وصورة الصراع إلى الأبد.