< حرب المسيرات الرخيصة.. تكتيكات الاستنساخ في المواجهة المفتوحة
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

حرب المسيرات الرخيصة.. تكتيكات الاستنساخ في المواجهة المفتوحة

المسيرات
المسيرات

​في خضم الصراع المشتعل والحرب الدائرة على الأراضي الإيرانية تبدلت قواعد الاشتباك التقليدية بشكل جذري مع دخول أسلحة جديدة إلى ساحة المعركة. لقد أصبحت المسيرات الانتحارية الرخيصة لاعبا أساسيا في رسم ملامح هذه المواجهة العسكرية المعقدة. هذا التحول الإستراتيجي دفع القيادة العسكرية الأمريكية إلى البحث الحثيث عن بدائل غير مكلفة لمواجهة التهديدات المتصاعدة والرد على الأسراب المتلاحقة من الطائرات الإيرانية التي استهدفت دول الجوار الخليجي.

​حسب تقرير لـ صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فقد لجأت واشنطن إلى تكتيك غير مسبوق للرد على هذا التهديد من خلال إطلاق نسخة مقلدة من تلك الطائرات. هذا التحول يمثل مؤشرا خطيرا على تنامي دور الأسلحة منخفضة التكلفة في توجيه مسار الحرب على إيران. إن ابتكار أسلحة رخيصة بكميات هائلة أصبح أولوية قصوى لضمان التفوق العسكري وتجاوز استنزاف الذخائر التقليدية باهظة الثمن في هذه المواجهة المفتوحة.

​وقد صمم الجيش الأمريكي في البداية هذه النسخة الخاصة التي تحاكي طائرة شاهد الإيرانية لاستخدامها كأهداف في التدريب على الرماية. كان الهدف الأساسي هو تطوير أنظمة دفاعية جديدة وفعالة ضد سلاح خطير باتت طهران تتشاركه بانتظام مع حلفائها الإستراتيجيين في العالم. وقد شملت قائمة مستلمي هذه التكنولوجيا الإيرانية دولا مثل روسيا وفنزويلا مما زاد من قلق واشنطن حيال الانتشار السريع لهذه التقنيات الهجومية البسيطة.

​طائرة لوكاس الأمريكية ومعضلة التكلفة

​من رحم هذه الحاجة الملحة ولد مشروع طائرة لوكاس وهي من المسيرات منخفضة التكلفة التي تم تطويرها بخبرات أمريكية لمواجهة الخصوم. وقد سجلت هذه الطائرة ظهورها العملياتي الأول خلال الأسبوع الماضي عندما استخدمت لضرب البنية التحتية الإيرانية. استهدفت هذه الضربات إرباك أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية وخلق حالة من الفوضى في صفوف الرادارات التي لم تعتد على التعامل مع أسراب أمريكية مشابهة لما تنتجه طهران.

​وتؤكد الصحيفة أن أسراب المسيرات أضحت سمة بارزة ومؤثرة في مجريات الحرب على إيران وهو ما يعكس تحولا عميقا في العقيدة العسكرية. يبرز هذا التحول مدى الاعتماد على التقنيات الجديدة ومحاكاة أساليب الخصوم بسرعة فائقة لتقليل الخسائر. إن إنتاج أسلحة رخيصة بكميات ضخمة بات الخيار الأفضل لاستنزاف قدرات العدو وتدمير تحصيناته دون الحاجة إلى المخاطرة بالطائرات الحربية المأهولة التي تكلف الخزينة ملايين الدولارات.

​وتشهد هذه الأسلحة الرخيصة تفاوتا ملحوظا في أحجامها وتكلفتها وقدراتها التدميرية لكنها تشترك في فاعليتها المرعبة. يبلغ طول كل من طائرتي شاهد ولوكاس حوالي ثلاثة أمتار بينما يقدر طول جناحيهما بمترين ونصف المتر تقريبا. تبلغ تكلفة إنتاج الطائرة الواحدة حوالي خمسة وثلاثين ألف دولار فقط وهو مبلغ زهيد جدا مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التي تطلق لإسقاطها مما يجعل معادلة التكلفة تميل بشدة لصالح الطرف المهاجم.

​وتحمل كلتا الطائرتين في مقدمتهما حمولة متفجرة شديدة التدمير مصممة لتنفجر بمجرد الاصطدام بالهدف المحدد لها مسبقا. من خلال إدخال إحداثيات الهدف الدقيقة في أنظمة الطائرة تستطيع هذه الأسلحة قطع مسافات تصل إلى مئات الأميال بشكل مستقل تماما دون تدخل بشري. يشبه هذا التصميم الفريد إلى حد بعيد طائرة مقاتلة مصغرة قادرة على تنفيذ عمليات قصف دقيقة كانت تتطلب في الماضي وابلا من الصواريخ الباهظة.

​اختلال موازين الردع وتحديات التكنولوجيا

​وبدخول هذه الطائرات المبتكرة إلى دائرة الحرب اتسعت رقعة الصراع لتشمل مناطق جغرافية جديدة لم تكن مهددة من قبل. لقد أصبح من السهل جدا استهداف بعض الأماكن الإستراتيجية التي كانت تبدو في السابق آمنة وبمنأى عن أي صراع عسكري مباشر مثل مدن الخليج العربي. هذا التوسع في نطاق التهديد فرض على دول المنطقة إعادة تقييم شاملة لأنظمة دفاعاتها الجوية لمواجهة هذا الخطر القادم من السماء.

​ونقلت نيويورك تايمز عن المسؤول العسكري الأمريكي السابق مايكل هورويتز تأكيده أن التطورات البرمجية المتسارعة للأنظمة ذاتية التشغيل ستغير شكل الحروب المستقبلية. وأضاف أن سرعة التصنيع والانتشار الواسع لأنظمة التوجيه الدقيق ستجعل من الأسلحة الجوية منخفضة التكلفة سمة دائمة ومستمرة في النزاعات المسلحة. إن القدرة على إنتاج آلاف الطائرات في وقت قياسي تمنح الجيوش مرونة غير مسبوقة في توجيه ضربات موجعة ومستمرة للخصوم في مختلف الجبهات.

​وقد تولت شركة سبيكتر وركس مهمة إنتاج طائرة لوكاس لصالح الجيش الأمريكي لضمان التفوق التكنولوجي في ساحة المعركة. ويعتقد محللو الدفاع أن هذه الطائرة المتطورة تعتمد في توجيهها على نسخة عسكرية خاصة من نظام ستارلينك الفضائي. يُعرف هذا النظام السري باسم ستارشيلد وهو مخصص لأغراض الملاحة العسكرية الدقيقة مما يمنح الطائرة الأمريكية قدرة استثنائية على تخطي محاولات التشويش والوصول إلى أهدافها بأمان تام.

​وفي تعليقها على هذا التحول اللافت تقول لورين كان المستشارة السابقة للسياسات في وزارة الدفاع الأمريكية إننا نشهد حدثا استثنائيا وتاريخيا. وتوضح أن هذه هي الحالة الأولى منذ البدايات الأولى للحرب الباردة التي تقوم فيها الولايات المتحدة برصد تقنية طورها خصم ما ثم تقرر استنساخها. لقد أدركت واشنطن أن هذه التقنية تسد ثغرة حقيقية في ترسانتها العسكرية فبادرت إلى تطويرها واستخدامها ضد مبتكريها.

​نقاط الضعف وبرامج التطوير المستقبلية

​ورغم الفاعلية الكبيرة التي أظهرتها هذه الأسلحة إلا أن نيويورك تايمز رصدت مجموعة من العيوب الفنية فيها. تعتبر هذه الطائرات بطيئة نسبيا وتصدر طنينا عاليا ومزعجا أثناء تحليقها مما يسهل على المراقبين رصدها بالعين المجردة أو بالأذن. كما أن صغر حجمها يفرض قيودا صارمة على حجم الحمولة المتفجرة التي يمكنها حملها حيث لا تتسع سوى لشحنة ذخيرة متواضعة مما يحد من قدرتها على إحداث تدمير واسع.

​إلى جانب ذلك تبرز نقطة ضعف أخرى تتمثل في هشاشة أنظمة الملاحة الخاصة بها أمام الهجمات الإلكترونية المضادة. يمكن للجيوش الحديثة استخدام تقنيات الحرب الإلكترونية المتقدمة للتشويش على قدرات الطائرة الملاحية وإخراجها عن مسارها المحدد سلفا. ورغم هذه العيوب تتوقع الصحيفة أن تشهد السنوات القادمة تحسينات جذرية في نظام الهجوم القتالي المنخفض التكلفة بالتزامن مع التطور المذهل للتقنيات الجديدة وعلى رأسها تقنيات الذكاء الاصطناعي.

​وفي خطوة استباقية لدعم هذا التوجه خصص الرئيس دونالد ترمب في العام الماضي ميزانية ضخمة بلغت أكثر من مليار دولار. تم توجيه هذا المبلغ لدعم برنامج السيطرة على المسيرات الذي يهدف إلى بناء ترسانة ضخمة تضم آلاف الطائرات الهجومية أحادية الاتجاه. هذا الاستثمار الضخم يعكس إدراك القيادة الأمريكية لأهمية امتلاك أعداد هائلة من الأسلحة الرخيصة القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ومكثفة في أي صراع محتمل.

​ولم يكتف الجيش الأمريكي بذلك بل سارع إلى توقيع عقود إستراتيجية مع عدة شركات متخصصة في مجال التكنولوجيا العسكرية الخاصة. تهدف هذه العقود إلى تزويد القوات المسلحة بطائرات متطورة جدا يمكن استخدامها جنبا إلى جنب مع الطائرات الرخيصة المستنسخة. يسعى المخططون العسكريون من خلال هذا الدمج إلى بناء ترسانة متكاملة ومرنة تجمع بين دقة الإصابة العالية والقدرة الفائقة على الانتشار السريع وتغطية مساحات شاسعة.

​إحداث الفوضى وتكتيكات الدفاع الجوي

​وتوقفت الصحيفة في تقريرها عند التداعيات الخطيرة لاستعمال إيران المكثف لهذه الأسلحة في الرد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. فقد انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي ومحطات الأخبار فيديوهات كثيرة تظهر هذه الطائرات وهي تخترق الأجواء وتصيب أهدافا حيوية في عدة دول خليجية. تسببت هذه الهجمات الإيرانية المتكررة في حالة من الشلل التام لحركة الطيران في المنطقة مما أدى إلى تعطيل الرحلات الجوية المدنية والتجارية.

​وإضافة إلى الخسائر المادية المباشرة التي تخلفها هذه الهجمات فإن هذه الأسلحة تم تصميمها خصيصا لإحداث حالة من الفوضى العارمة. إنها تهدف إلى بث الرعب والهلع بين السكان المدنيين وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الدول المستهدفة. هذا ما يؤكده فرزين نديمي خبير الأمن الإيراني والباحث البارز في معهد واشنطن حيث يرى أن التأثير النفسي والاقتصادي لهذه الأسلحة يفوق بكثير حجم الدمار المادي الذي تحدثه على الأرض.

​وحسب تقديرات الخبير نديمي فقد نجحت إيران على مدار السنوات الماضية في تخزين آلاف الطائرات داخل شبكة معقدة من الكهوف والمخابئ المحصنة. بناء على ذلك فإن طهران تمتلك مخزونا إستراتيجيا يكفي لمواصلة إطلاق أسراب متتالية تضم مئات الطائرات الانتحارية. يمكنها الاستمرار في شن هجمات يومية ومكثفة لعدة أسابيع على الأقل دون الحاجة إلى إعادة تزويد قواتها بمعدات جديدة مما يشكل تحديا استنزافيا طويلا للخصوم.

​وتتميز هذه الطائرات الهجومية بسهولة بالغة في عمليات النقل والتحضير وسرعة فائقة في الإطلاق من مختلف التضاريس. غالبا ما تتطلب عملية الإطلاق وجود حاوية بسيطة محمولة على ظهر شاحنة تجارية عادية مما يجعل من الصعب رصد منصات الإطلاق وتدميرها. لقد اعتمد تصميم هذا السلاح الفتاك بشكل أساسي على تقنيات تجارية موجودة ومتاحة في الأسواق المفتوحة وبعضها كان مصمما في الأصل لخدمة الطائرات الخفيفة والمدنية.

​وحسب تحليل الصحيفة فإن بطء سرعة هذه الطائرات وتحليقها على ارتفاعات منخفضة جدا يجعلان من الصعب للغاية رصدها مبكرا. تعجز الكثير من أنظمة الدفاع الجوي الحديثة والرادارات المتطورة عن التقاط هذه الأهداف الصغيرة مما يمنحها القدرة على التسلل واختراق الحدود. كما أن عملية التصدي لها باستخدام التقنيات التقليدية تعتبر مكلفة للغاية وغير مجدية اقتصاديا حيث تصل تكلفة كل طلقة صاروخية اعتراضية إلى ثلاثة ملايين دولار.

​وقد شاع استخدام طائرات شاهد الإيرانية بشكل واسع في حرب روسيا على أوكرانيا حيث أثبتت فاعليتها في ضرب البنية التحتية الأوكرانية. ونتيجة لذلك أسست روسيا مصانع إنتاج محلية ضخمة خاصة بها لإنتاج طائرات شاهد بكميات تجارية لتلبية احتياجات قواتها. وقد أدخل المهندسون الروس عددا من التعديلات التقنية الهامة التي انتقلت لاحقا إلى إيران مثل أجهزة استشعار بصرية أفضل وقدرات ملاحة واستهداف آلية عالية الدقة.

​ومن جانبها حاولت أوكرانيا ابتكار أساليب جديدة لمواجهة هذا التهديد فطورت أنظمة كشف بديلة تعتمد على شبكات الكاميرات والأجهزة الصوتية. تهدف هذه الأنظمة لرصد المسيرات عبر تتبع صوت محركاتها المميز قبل وصولها إلى أهدافها الحيوية. وأصبح اعتراض هذه الطائرات يعتمد بشكل متزايد على استخدام المدافع الرشاشة الثقيلة والأسلحة الإلكترونية المضادة ونصب الشباك الجوية بل ووصل الأمر إلى استخدام طائرات مسيرة أخرى لعمليات الاعتراض المباشر.

​وفي ختام هذا المشهد المعقد أبدى مسؤولون أمريكيون كبار وقادة عسكريون في كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر قلقهم المتزايد. لقد أعربوا بوضوح عن رغبتهم الملحة في الحصول على التكنولوجيا اللازمة والحديثة للتصدي الفعال لتهديدات المسيرات الإيرانية المستمرة. يأتي هذا التحرك العاجل في ظل انخفاض حاد في إمدادات أنظمة الدفاع الصاروخية الأخرى باهظة الثمن والتي أثبتت عدم قدرتها على مجاراة حرب الاستنزاف الجوية الرخيصة.

​