< شلل المصانع وفراغ الرفوف.. الثمن الباهظ لتوقف إمدادات النفط الخليجية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

شلل المصانع وفراغ الرفوف.. الثمن الباهظ لتوقف إمدادات النفط الخليجية

ارتفاع أسعار النفط
ارتفاع أسعار النفط

​تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار الشديد بعد أن قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عامين نتيجة التوترات الجيوسياسية المتفاقمة في منطقة الشرق الأوسط. وجاء هذا الارتفاع الحاد عقب تحذيرات أطلقها وزير الطاقة القطري سعد الكعبي حول احتمالية توقف جميع مصدري الخام والغاز في الخليج عن الإنتاج خلال أيام معدودة. وتسببت هذه التصريحات في حالة من القلق لدى المستثمرين والمستهلكين على حد سواء حول مستقبل الاقتصاد.

​حسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، أكد الكعبي أن الصراع الدائر في المنطقة المحورية لإمدادات الطاقة العالمية وخطوط الشحن قد يؤدي إلى انهيار اقتصادات العالم بشكل غير مسبوق. وأشار الوزير إلى أن استمرار الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى سيخلق ضغوطاً هائلة. وتوقع الكعبي أن تواصل أسعار النفط صعودها الصاروخي لتبلغ مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ فترات طويلة جداً.

​سجل سعر خام برنت ارتفاعاً تجاوزت نسبته تسعة في المئة خلال تعاملات يوم الجمعة الماضي ليتخطى حاجز ثلاثة وتسعين دولاراً للبرميل الواحد. ويعتبر هذا المستوى هو الأعلى الذي تصله أسعار النفط منذ خريف عام ألفين وثلاثة وعشرين مما يعكس حجم الفزع في مراكز التداول العالمية. ويرى مراقبون أن هذا الصعود المفاجئ يمثل بداية لموجة تضخمية جديدة قد تضرب الأسواق التي بدأت لتوها في التعافي من أزمات سابقة.

توقعات قاتمة وتداعيات معيشية قاسية

​حذر وزير الطاقة القطري من أن سعر البرميل قد يصل إلى مائة وخمسين دولاراً إذا استمرت العمليات العسكرية خلال الأسابيع المقبلة دون حل. وأوضح أن هذا السيناريو سيؤدي حتماً إلى تضرر نمو الناتج المحلي الإجمالي في جميع أنحاء العالم بشكل مباشر وقاسٍ. وستعاني كافة الدول من تبعات ارتفاع أسعار النفط التي ستنعكس على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات الأساسية التي تعتمد على الوقود بشكل رئيسي.

​توقع الكعبي حدوث نقص حاد في بعض المنتجات الأساسية نتيجة سلسلة من ردود الفعل السلبية من المصانع التي لن تستطيع الوفاء بالتزاماتها. ويرى أن انقطاع الطاقة سيؤدي إلى شلل في خطوط التوريد العالمية مما يفاقم الأزمة المعيشية للأفراد في مختلف القارات. وتؤكد هذه الرؤية أن ارتفاع أسعار النفط ليس مجرد أرقام على الشاشات بل هو تهديد مباشر لاستقرار المجتمعات وقدرتها على توفير الاحتياجات اليومية بأسعار معقولة.

​بدأ المستهلكون في بريطانيا والولايات المتحدة يواجهون بالفعل زيادات ملموسة في أسعار البنزين والديزل في محطات الوقود خلال الأيام القليلة الماضية. وقد تمتد هذه التأثيرات لتشمل فواتير التدفئة المنزلية وأسعار الغذاء والسلع المستوردة التي تعتمد في شحنها على الممرات المائية المضطربة. ويثير هذا الوضع مخاوف من تفاقم معدلات التضخم التي كانت قد شهدت تراجعاً ملحوظاً قبل اندلاع هذه الأزمة العنيفة في منطقة الخليج.

مضيق هرمز وعنق الزجاجة العالمي

​يمر عبر مضيق هرمز يومياً نحو عشرين في المئة من إمدادات النفط العالمية مما يجعله الشريان الأهم للطاقة في كوكب الأرض حالياً. إلا أن حركة الملاحة عبر هذا الممر المائي الضيق توقفت تماماً تقريباً منذ بدء المواجهات العسكرية المباشرة في نهاية الأسبوع الماضي. ويشكل هذا الإغلاق تهديداً وجودياً لتدفقات الخام نحو كبار المستوردين في قارة آسيا مثل الصين والهند واليابان ودول أخرى.

​أوضح محللون أن توقف الملاحة في المضيق سيؤدي بالضرورة إلى استنزاف المخزونات لدى الدول المستهلكة ورفع تكاليف الشحن والتأمين البحري لمستويات خيالية. ومع كل يوم يمر والمضيق مغلق تزداد الضغوط على أسعار النفط العالمية التي تتأثر بسرعة البرق بأي تهديد يمس سلامة الناقلات. وتكافح الدول الآن لإيجاد بدائل برية أو مسارات شحن بعيدة عن منطقة العمليات العسكرية لضمان استمرار تدفق إمداداتها الطاقية.

​تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية خطوط أنابيب تمكنهما من نقل جزء من إنتاجهما دون الحاجة للمرور عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. لكن هذه الخطوط لا تكفي لاستيعاب كامل الصادرات الخليجية التي تعتمد عليها المصانع الكبرى في الشرق والغرب لضمان استمرار عملياتها. ويبقى الخوف قائماً من أن استهداف هذه المنشآت الحيوية قد يشعل أسعار النفط ويجعلها تخرج تماماً عن سيطرة القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.

سيناريوهات الأزمة والبحث عن مخرج

​يرى خورخي ليون المحلل في شركة ريستاد إنرجي أن الوضع الحالي يشكل خطراً حقيقياً ومباشراً على استقرار النظام الاقتصادي العالمي المتهالك أصلاً. وأكد في تصريحاته أن العالم بصدد فهم ما إذا كانت هذه الأزمة قصيرة الأمد أم أنها بداية لركود اقتصادي عالمي طويل ومظلم. وأضاف أن استمرار هذا الوضع لأكثر من أسبوعين سيزيد من احتمالية حدوث تداعيات هيكلية عميقة في نظام الطاقة العالمي الحالي.

​أعلنت مؤسسة قطر للطاقة توقفها عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال عقب تعرض منشآتها لهجمات عسكرية واضطرارها لتفعيل بند القوة القاهرة في تعاقداتها الدولية. وهذا الإجراء يعفي المؤسسة من المسؤولية القانونية عن عدم التوريد بسبب ظروف خارجة عن إرادتها مما يضع المشترين في مأزق حقيقي. ويتوقع خبراء أن يتبع هذا الإجراء خطوات مماثلة من منتجين آخرين مما يدفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً.

​شدد الكعبي على أن استئناف الإنتاج بشكل طبيعي سيستغرق أسابيع أو ربما شهوراً حتى لو توقفت الحرب في هذه اللحظة بسبب الأضرار التقنية. وهذا يعني أن الأسواق ستظل تعاني من نقص العرض لفترة طويلة مما يمنع أسعار النفط من العودة لمستوياتها الطبيعية في وقت قريب. وتستعد الحكومات لاستخدام احتياطياتها الاستراتيجية لتهدئة الأسواق كما حدث سابقاً خلال الغزو الروسي لأوكرانيا لكن الفعالية تظل رهن مدة الصراع.

مخاوف التضخم وضغوط المعيشة الأسرية

​أشارت ليندسي جيمس مسؤولة استراتيجية الاستثمار إلى أن توقف الإنتاج لفترة طويلة يمثل سيناريو كارثياً رغم أن البعض يراه مبالغاً فيه حالياً. وترى أن الأسواق لا تزال تأمل في حل سريع للأزمة الملاحية في مضيق هرمز لضمان تدفق الخام والغاز بشكل منتظم. ومع ذلك فإن خطر استمرار الصراع يتزايد يوماً بعد يوم مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار النفط التي تقود قاطرة التضخم العالمي صعوداً.

​تواجه العائلات في الدول المستوردة ضغوطاً أساسية تتمثل في ارتفاع فواتير الطاقة المنزلية وتكلفة النقل التي تلتهم جزءاً كبيراً من الدخل المحدود. ورغم استبعاد حدوث صدمة تضخمية في أسعار الغذاء ببريطانيا بسبب تنوع مصادر الاستيراد إلا أن التكلفة العامة للمعيشة ستتأثر بشدة. ويظل الخطر الاقتصادي الأكبر كامناً في استمرار ارتفاع أسعار النفط الذي قد يعيق النمو العالمي ويؤدي إلى موجة تسريح واسعة من الوظائف.

​يعتقد المحللون أن تجاوز سعر البرميل حاجز مائة دولار أصبح سيناريو واقعياً جداً في ظل المعطيات العسكرية والسياسية الراهنة التي تزداد تعقيداً كل ساعة. وتراقب البنوك المركزية الوضع بحذر شديد حيث أن أي زيادة مضطردة في أسعار النفط ستجبرها على رفع أسعار الفائدة مجدداً لكبح جماح التضخم المتوقع. وهذا التوجه قد يفاقم من معاناة المقترضين ويقلل من الاستثمارات العالمية مما يدخل العالم في حلقة مفرغة من الأزمات المالية.