< ياسر حمدي يكتب:مصر.. صوت العقل والقرار
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

ياسر حمدي يكتب:مصر.. صوت العقل والقرار

ياسر حمدي/ كاتب صحفي
ياسر حمدي/ كاتب صحفي

مصر صوت القرار، وفي كل الأمور والأحداث تقف القاهرة تُراقب وتُقدّر، وتختار؛ إنها فكرة الإستمرار في زمن الانقطاع، ومعنى البقاء في زمن الانهيارات؛ حين يعلو صوت السلاح، وتضيق مساحات العقل، وتتسابق القوى الكبرى لفرض معادلاتها: «لا قواعد - لا أحلاف - لا ارتهان».
قرارٌ يُصاغ، وجيشٌ وُجد ليحمي لا ليُستدرج، ودبلوماسية تتحرك بحساب الدولة لا بانفعال اللحظة؛ في زمن الاندفاع إختارت مصر الثبات، وفي زمن الشعارات إختارت المعادلة، وفي زمن الهاوية إختارت الدولة.
ومنذ اندلاع الحرب الدائرة بين إيران، وأمريكا وإسرائيل، إختارت مصر صوت العقل والقرار، فلم تنصاع وراء مناشدات بعض الدول في المنطقة وعدد من المخبولين المصريين بإرسال قوات مصرية لحماية دول الخليج من الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيهم، وظل الرئيس السيسي على موقفه الدائم والواضح والصريح: جيش مصر وُجد لحماية مصر وأمنها واستقرارها، وليس للحرب بالنيابة أو بالوكالة عن أي طرف، القوات المسلحة المصرية لا تتحرك إلا وفق المصلحة العليا للوطن وأبنائه، ولحماية عمقنا الإستراتيجي وأمننا القومي.
على الرغم من أن الرئيس عبد الفتاح السيسي نادى في العرب من قبل وصرخ بأعلى صوت مطالبهم بالقومية العربية، وتكوين جيش عربي موحد لحماية الأمن القومي العربي، لكن لا مستجيب، الكل اصم أذنيه، لكن مع مرور الوقت ثبت أنه كان وما زال صوت الحق، وصاحب رؤية وقراءة للمستقبل.
وعلى الرغم من ذلك ما زال الرئيس المصري متمسكًا بالمحادثات والتواصل المستمر مع قادة دول الخليج، من أجل عدم الوقوع في أي فخ إسرائيلي - أمريكي قد يدفع المنطقة إلى تصعيد خطير؛ وفي الوقت نفسه، هناك تواصل دائم مع إيران لتجنب استهداف أي أهداف مدنية داخل الدول العربية، حتى لا تتفاقم الأوضاع وتدخل المنطقة في صراع لا يُحمد عقباه.
مصر تسعى بشتى الطرق الدبلوماسية لدرء فتنة الحرب على إيران، لأنه معلوم للجميع أن حسابات ترامب ونتانياهو حول ضرب إيران كانت خاطئة، ووجد المقاول نفسه أمام ورطة ويسعى بشتى الطرق إلى الخروج منها، فهو يحاول بطرقه الخبيثة من خلال كُهن الصهاينة في توريط دول الخليج بهذه الحرب التي لا تخصهم (الخليج) في شيء من خلال إشعال نار الفتنة بينهم وبين إيران، وتتحول الحرب بينهم بالوكالة، وتحدث فوضة خلاقة بين شعوبهم، ليتحقق من خلالها «الشرق الأوسط الجديد» الذي يخدم المصالح الصهيو-أمريكية.
الدليل على ذلك، عودة كونداليزا رايس إلى البيت الأبيض كمستشارة لترامب، وهذا ليست تفصيلاً عابراً؛ بل ينطبق على مفهوم الدولة العميقة للبيت الأبيض حتمًا، لكن استدعاء رايس، التي ارتبط اسمها بمفهوم «الشرق الأوسط الجديد» وكانت إحدى الوجوه البارزة في الترويج لحرب العراق وتبريرها يبعث برسالة واضحة: أن إعادة هندسة التوازنات الإقليمية حاضر في التفكير الإستراتيجي الأميركي مهما كلف ذلك المنطقة وأمريكا أثمانًا باهظة.

الإدارة الأميركية متمسكة برؤية «رايس» الفاشلة لإعادة صياغة الشرق الأوسط عبر مفهوم «الفوضى الخلاقة»، بما يتقاطع مع ما يُعرف بعقيدة بيجن، القائمة على إستراتيجية تفكيك الأوتاد وتدمير مراكز القوة الإقليمية.

وارتبط اسم رايس بمفهوم «الفوضى الخلاقة»، وهو التصور الذي يفترض أن تفكيك البنى السياسية القائمة يمكن أن يقود إلى نشوء أنظمة جديدة أكثر توافقًا مع المصالح الأميركية وطاعة لها؛ وقد اثبت هذا التصور فشله تمامًا رغم تفكيكه العراق ورغم ما تلاه من سيناريوهات تفكيك ممنهج في بلدان المنطقة.

مقاربة رايس تشكل خطرًا على جميع الأنظمة التي تظن نفسها مستقرة، بقدر ما هي رسالة لإيران.. لماذا؟ لأن إعادة رسم التوازنات بالقوة سيفتح الباب أمام جولات جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار، وسيدفع ثمنها الجميع.

مصر وطن واعي ذو جيش قوي، وأجهزة وطنية تدرك الأمور وبواطنها، ولديها منظور أوسع، وقيادة تدرك دهاليز السياسة وما خلف الكواليس؛ لذا علينا جميعًا -الأمة العربية- أن ننظر للأحداث الدائرة في محيطنا من رؤية هذا الوطن الذي يحكي تاريخه دومًا انحيازه الدائم للحق ورفضه القاطع للمساس بحقوق الشعوب في الحياة، ولم ولن يشترك أبدًا على مر تاريخه في مؤامرة ضد شعب أو كيان.

إن الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران هي بلا شك حرب جائرة تشعل العالم وتهدد منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وسيكون لها تبعاتها السلبية على الأمة العربية، وجميعنا لا يعرف سببًا جوهريًا لتلك الحرب التي اندلعت، ولم نجد إجابة مقنعة لدى أمريكا وإسرائيل لأسباب شنّهما الحرب على طهران، كما أننا نشترك في قناعة راسخة أن العدو الأول لنا ولأمتنا العربية وبلا شك إسرائيل وليست إيران.

ومصر على قلب رجل واحد ترفض الجور على الشعوب والأبرياء، والتذرع بأسباب واهية لتنفيذ مخططات خفية تقلقها وتحسها بين السطور من فرض العدو الصهيوني في المنطقة، والمحروسة ضد المساس بسيادة كل الدول العربية أو أراضيها بأي طريقة ومن أي طرف، وقد أزعج ما تعرضت له دول الخليج من ضربات عسكرية القاهرة، وجرح شعبها، ورفضته واستنكرته قيادًة وشعبًا بلا خلاف.

كما أننا مدركون لهمجية التعامل الأمريكي مع العالم بشخصية موتورة متغطرسة تضرب بعرض الحائط كل أعراف القانون الدولي وحقوق الشعوب، وأصبحنا ندرك جيدًا قيادة إسرائيل للقرار الأمريكي بصورة طائفية وعقائدية واطماعها في كل المنطقة.

وكل قلوبنا مع أهل إيران، البلد المسلم، رغم اختلفنا معهم طائفيًا وتحفظنا على بعض سياسية نظامهم، لكن فيما يتعرض له من جور وظلم وإخلال بسيادتهم، نرفضه بشدة، ولا يرضى أحد البلطجة الأمريكية التي أصبحت تستنزف المنطقة وثرواتها لتحقيق أحلام إسرائيل المزعومة.

مصر، كعادتها وشعبها العظيم، لا تقبل العدو الصهيوني، ولا يرضون المساس بأمتهم العربية، ويتعاطفون مع أصحاب الحقوق في كل العالم، ولديهم الحس الذكي الذي ينبئهم أن العدو الصهيوني بشراكة أمريكية يسير نحو محاولة القضاء على كل القوى في المنطقة، ونصب اعيونهم على مصر.

لذا دعونا -الوطن العربي- لا ننساق خلف تصريحات هذا أو ذاك، ولا نصدق تبريرات أي طرف لأي تصرف لا يرضينا، ونقف خلف القرار المصري الواعي في تلك الأحداث، إن الفتن لا تحتاج لأقوال ولا تبرع بإبداء الآراء ولو صدق الحدث، إنما تحتاج وعيًا من الشعوب يثبتها لتلتفت للخطوة القادمة في الصراع وتحذر من تبعاته.

ونحن بلا شك في فتنة تثيرها إسرائيل في كل العالم، لكن سمومها ما عادت ترضى سوى أصحاب المصالح المشتركة معها، وجميعًا بات يلمس رفض معظم شعوب العالم لسياسات هذه الدولة الاستيطانية والإجرامية في حق شعبنا الفلسطيني وأهلنا في قطاع غزة.

إن مصر اليوم أرسخ وأقوى وأكثر إدراكًا للأمور، باتت قوة لا يستهان بها، ولا يتجرأ أحد على المساس بها، كما أعلنت القيادة السياسية المصرية: لن يقوى أحد على المساس بها من قريب أو بعيد، فلنطمئن ونثق أن الأمور لا يمكن أن تسير بهذا المنطق الظالم، ولن تنجح إسرائيل في تحقيق أطماعها مهما ساعدتها أمريكا، ولن تكن الحرب على إيران نزهة كما توهموا، ولن يستطيعوا مهما علت قدراتهم العسكرية الاستمرار بهذه البلطجة السافرة.

في النهاية البقاء للشعوب، والانتصار لأصحاب الحق؛ فكم من باغٍ انتهى وبقيت الشعوب الأصيلة صامدة في وجه الأيام.. ويبقى السؤال الآن: متى تنتقل الدول العربية من خانة المفعول به إلى خانة الفاعل؟!!.. والإجابة تبدأ حين لا تكون خيوط اللعبة بيد نتنياهو، بل بأيدينا نحن، وحين نمسك بزمام مصائرنا بدل أن نُدار من خارجها.. فمتى يحدث ذلك؟! حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة، وحفظ أمتنا العربية.