العقل المدبر.. علي لاريجاني أخطبوط يحرك خيوط السلطة في إيران الجديدة
يعيش الشارع الإيراني واقع سياسي معقد يتجاوز المسميات الرسمية والمناصب المعلنة، حيث يبرز اسم علي لاريجاني كأقوى رجل في منظومة اتخاذ القرار الإيراني حالياً. لم يعد الرجل مجرد مستشار أو مسؤول سابق، بل تحول إلى ما يشبه "الأخطبوط" الذي تمتد أذرعه لتطاول كافة الملفات الحساسة من البرنامج النووي إلى إدارة الميليشيات الإقليمية. إن الهيمنة التي يفرضها علي لاريجاني تعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى الداخلية، مما يجعله الواجهة الحقيقية للسلطة.
وحسب تقرير للكاتب والباحث حامد الكناني، فإن المشهد السياسي الإيراني يظهر بوضوح أن من يدير دفة السياسة الداخلية والخارجية بشكل فعلي هو علي لاريجاني. يسيطر هذا الرجل على مفاصل الأمن القومي ويوجه الخطاب الرسمي الموجه للداخل والخارج على حد سواء، متجاوزاً بذلك الأدوار التقليدية للمسؤولين. وقد وُصف لاريجاني منذ أمد بعيد بأنه المتخذ الحقيقي للقرارات السيادية، خاصة تلك المتعلقة بالسياسات الميليشياوية والانتشار الإقليمي في المنطقة.
تتصاعد التساؤلات في الأوساط السياسية حول مدى جاهزية مجتبى خامنئي لتولي القيادة خلفاً لوالده، في ظل غياب تام لخبرته المعلنة في الإدارة. لم يظهر لمجتبى أي نشاط سياسي أو خطابات رسمية تدل على قدرته على إدارة شؤون البلاد، رغم الأنباء المتداولة عن نفوذه داخل الحرس الثوري. هذا الفراغ القيادي الظاهري هو ما سمح لبروز علي لاريجاني كمرجعية أساسية ومرشد فعلي للمرشد الجديد، مما يمنحه سلطة مطلقة غير مسبوقة.
تؤكد المعطيات الميدانية أن منصب رئيس الجمهورية الذي يشغله مسعود بزشكيان بات منصباً شكلياً يفتقر للصلاحيات الحقيقية أمام تغول الأجهزة السيادية التي يقودها علي لاريجاني. تتركز السلطة الحقيقية في يد الشخصيات الأكثر نفوذاً، وعلى رأسهم لاريجاني الذي يتولى تنفيذ أوامر عليا تتعلق بالبرنامج الصاروخي وفيلق القدس. إن هذا التهميش المتعمد لمنصب الرئيس يعزز من فرضية أن القرار الإيراني أصبح محصوراً في دائرة ضيقة للغاية يقودها العقل الأمني.
خفايا إدارة الملفات النووية والإقليمية تحت ظلال الأخطبوط
لعب علي لاريجاني دوراً محورياً في إدارة الأزمة اللبنانية الأخيرة، خاصة مع تصاعد الهجمات على الأذرع الإيرانية هناك، مما يعكس ثقة النظام المطلقة في قدراته. وباعتباره أميناً سابقاً للمجلس الأعلى للأمن القومي وكبيراً للمفاوضين النوويين، يمتلك لاريجاني خبرة تراكمية تجعله الممسك الوحيد بزمام الأمور الفعلية. يبدو أن الرجل هو من يضع الخطوط العريضة لمستقبل البرنامج النووي ومصير الميليشيات التابعة لإيران في الدول العربية المختلفة حالياً.
تشير الوقائع إلى أن القوانين الرسمية في إيران التي تمنح الصلاحيات للمرشد والرئيس أصبحت مجرد حبر على الورق في ظل نفوذ علي لاريجاني. ولعل حادثة اعتذار الرئيس بزشكيان للدول المجاورة، والتي تبعها استمرار الهجمات الإيرانية بعد ساعة واحدة فقط، هي أكبر دليل على ضياع القرار. إن العالم تفاجأ بهذا التناقض الصارخ الذي يثبت أن اليد العليا في اتخاذ القرارات السيادية ليست بيد الرئيس، بل بيد العقل المدبر.
يبرز سؤال جوهري في كواليس طهران حول من يدير المرشد الجديد فعلياً ويقوم بتوجيهه في اتخاذ القرارات المصيرية المرتبطة بمستقبل النظام. تشير كافة الدلائل إلى أن علي لاريجاني هو من يمارس هذا الدور، تماماً كما كان يفعل مع الرئيس مسعود بزشكيان في السابق. الحقيقة بدأت تتضح للعيان، حيث تتسم تصريحات لاريجاني بالحدة والوعيد تجاه القوى الدولية، مما يعكس رغبته في تصدر المشهد السياسي بصفته الحاكم الفعلي.
تتسم لغة علي لاريجاني تجاه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب بالتهديد المباشر بالانتقام، مؤكداً أن طهران لن تتسامح مع أي إساءة تطاول رموزها. ويعكس هذا الخطاب المتشدد رؤية لاريجاني التي ترفض أي نوع من التهدئة أو التراجع، بل تدفع نحو مزيد من التصعيد لضمان بقاء النظام. إن لاريجاني يسعى من خلال هذه التصريحات إلى تثبيت شرعيته كقائد صلب قادر على مواجهة الضغوط الخارجية وتحقيق تطلعات التيار المتشدد.
استراتيجية التهديد الإقليمي والضغط على أسواق الطاقة العالمية
يمتد تهديد علي لاريجاني ليشمل دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال تحريك سياسات تستهدف البنية التحتية والمؤسسات الصناعية والمجتمعات السكنية في تلك الدول. ويركز الخطاب التحريضي على استهداف المنشآت الحيوية في السعودية والإمارات والكويت وبقية دول الخليج، متجاهلاً كافة الجهود الدبلوماسية المبذولة للتهدئة. يرى لاريجاني أن السلوك العدواني هو السبيل الوحيد لفرض الإرادة الإيرانية على الجوار العربي، ضارباً عرض الحائط بكافة المبادئ الإنسانية.
يبدو أن الدافع الرئيس لهذا النهج العدواني هو حالة الفشل واليأس السياسي التي يعيشها علي لاريجاني في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية الخانقة. يعتقد لاريجاني أن الضغط على دول الخليج سيدفعها لممارسة ضغط موازٍ على الولايات المتحدة، مما قد يخفف الخناق المفروض على طهران. إن استهداف النفط والبورصات العالمية هو استراتيجية يائسة لخلق فوضى دولية تجبر العالم على القبول بشروط إيران النووية والعسكرية دون أي تنازلات.
يرى علي لاريجاني أن إثارة أزمة في إمدادات الطاقة العالمية ستؤدي إلى انهيار في البورصات التي تمتلك استثمارات ضخمة في منطقة الخليج العربي. هذا التصور يهدف إلى تشكيل قوة ضغط على حكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل والرئيس ترمب، لضمان نجاة طهران من الانهيار الوشيك. وهكذا يخطط لاريجاني للاحتفاظ بالترسانة الصاروخية وكميات اليورانيوم المخصب، بعيداً عن الالتزام بأي معاهدات دولية أو اتفاقات ثنائية مع الجوار.
لقد تجاهل النظام الإيراني، بتوجيه من علي لاريجاني، كافة القوانين الدولية والمعاهدات الثنائية طوال سبعة وأربعين عاماً من عمر الثورة الإسلامية في إيران. ولم يردع السلوك العدواني الإيراني أي وازع ديني أو إنساني، حتى في أقدس الشهور لدى المسلمين، حيث استمرت سياسات التخريب والتدخل. يعتمد لاريجاني مبدأ "عليّ وعلى أعدائي" كخيار استراتيجي لضمان مصالح النظام الضيقة، معتبراً الدول العربية خصماً استراتيجياً يجب تقويض أمنه واستقراره.
الفكر الطائفي وخطورة لاريجاني على الأمن والسلم الدوليين
يمثل علي لاريجاني الدولة المركزية المسلطة، وهو الرجل الأمني الذي يحمل رؤية قديمة تهدف للسيطرة على الشرق الأوسط وتقويض الأنظمة العربية المستقرة. وبصفته منظراً لتبني الميليشيات ودعم الإرهاب، عمل لاريجاني طوال عقود على تعزيز مناخ أمني متشدد يعادي قيم الحرية والديمقراطية في المنطقة. إن وجوده في هرم السلطة يشكل خطراً ليس فقط على المجتمعات الإيرانية، بل يمتد ليشمل كافة الدول العربية المحيطة بإيران.
تتجاوز سياسات علي لاريجاني التوسعية حدود المنطقة لتشكل تهديداً مباشراً للدول الغربية، نظراً لاعتماده على ممارسة الإرهاب والتهديد كأدوات لتحقيق الأجندة القومية. لقد تسبب هذا التوجه في دمار واسع في العراق وسوريا واليمن ولبنان، حيث تم توظيف الطائفية لخدمة المصالح السياسية للنظام. واليوم، يوجه لاريجاني أنظاره نحو دول مجلس التعاون الخليجي التي حققت نجاحات حضارية باهرة، محاولاً تصدير الفوضى إليها لتعويض فشله الداخلي.
يعتقد المراقبون أن وجود علي لاريجاني في السلطة يعني دخول إيران في مرحلة أكثر خطورة من حقبتي الخميني وخامنئي بسبب مزيجه الأيديولوجي الخاص. يمزج لاريجاني بين القومية الفارسية المتطرفة وبين التوجهات الأمنية القمعية، مما يجعله شخصية ديكتاتورية فريدة من نوعها في العصر الحديث. إن تحكمه في الملفات السيادية يمنحه القدرة على توجيه السياسة الإيرانية نحو صدام شامل مع المجتمع الدولي، وهو ما يهدد السلم والأمن العالمي.
إن خطر علي لاريجاني يتجاوز التهديدات التاريخية المعروفة، حيث يمتلك الأدوات التقنية والعسكرية لزعزعة استقرار أمن الطاقة والملاحة الدولية بشكل مباشر وحاسم. تعكس رؤيته الخمسينية رغبة في العودة بالمنطقة إلى عصور الصراع الدائم، بعيداً عن مفاهيم التعاون والتنمية التي تسعى إليها الشعوب العربية. وبناءً عليه، يظل لاريجاني هو العقبة الكأداء أمام أي محاولة للإصلاح أو التغيير الحقيقي داخل بنية النظام الإيراني المتآكلة.
رؤية مستقبلية لإيران تحت قيادة العقل الأمني المتشدد
في ختام هذا التحليل، يظهر علي لاريجاني كشخصية محورية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مستقبل السياسة الإيرانية وتأثيراتها على المحيط الإقليمي والدولي. إن استمراره في إدارة المشهد من خلف الستار، مع توجيه المرشد والرئيس، يعني استمرار نهج تصدير الثورة والاضطرابات إلى دول الجوار. يمثل لاريجاني الجناح الذي لا يؤمن بالحوار، بل يرى في القوة والابتزاز النووي والنفطي وسيلة وحيدة للبقاء والسيطرة.
تستمر إيران في ظل هيمنة علي لاريجاني في استهداف الجوار العربي والمنشآت الحيوية، معتبرة ذلك جزءاً أصيلاً من عقيدتها الأمنية للدفاع عن بقاء النظام. هذه السياسة العدوانية المستمرة تضع المنطقة على فوهة بركان، خاصة مع اقتراب البرنامج النووي من مستويات حرجة وتزايد نشاط الميليشيات. يبقى لاريجاني هو المهندس الفعلي لهذا الخراب، والرجل الذي يمسك بكل خيوط اللعبة السيادية، مما يجعله التحدي الأكبر لاستقرار الشرق الأوسط.
إن التحول الذي يقوده علي لاريجاني داخل هيكل السلطة الإيرانية يعكس رغبة النظام في التمترس خلف الحلول الأمنية لمواجهة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي. وبدلاً من الانفتاح على العالم، يختار لاريجاني طريق المواجهة والوعيد، محاولاً تصدير أزمات طهران للخارج عبر استهداف استقرار الدول الناجحة. سيبقى اسم علي لاريجاني مرتبطاً بهذه المرحلة الانتقالية الخطرة، حيث تتداخل الطموحات الشخصية مع الأيديولوجيا المتطرفة لترسم ملامح مستقبل مظلم للمنطقة.
يتضح في نهاية المطاف أن علي لاريجاني قد نجح في تحويل المؤسسات الإيرانية إلى أدوات طيعة تخدم رؤيته الأمنية والقومية المتشددة بعيداً عن الدستور. إن العالم اليوم يراقب بحذر كيف سيتحرك هذا "الرجل الأخطبوط" في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، خاصة مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض. يبقى لاريجاني الرهان الأخير للنظام الإيراني المتشدد للحفاظ على مكتسباته الصاروخية والنووية، مهما كان الثمن الذي ستدفعه شعوب المنطقة وإيران نفسها.