< أوهام الانتصار وحقائق الميدان.. من يكتب الفصل الأخير في قصة نهاية الحرب الإيرانية؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

أوهام الانتصار وحقائق الميدان.. من يكتب الفصل الأخير في قصة نهاية الحرب الإيرانية؟

الحرب الأمريكية الإيرانية
الحرب الأمريكية الإيرانية

​تشهد المنطقة صراعاً محتدماً تتشابك فيه المصالح الاستراتيجية مع الطموحات العسكرية في مشهد معقد يترقب الجميع فيه لحظة نهاية الحرب الحتمية. يرسم المحللون والخبراء خرائط ذهنية لمستقبل القوى في الشرق الأوسط، حيث تبرز إيران كلاعب أساسي في معادلة الاستقرار أو الفوضى الشاملة التي قد تعصف بالحدود الدولية. إن البحث عن مخرج آمن من أتون المواجهة المباشرة يتطلب فهماً عميقاً لتركيبة النظام الإيراني وقدرته على الصمود أمام الضغوط الخارجية المتصاعدة.

​حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بقلم الكاتب بريت ستيفنز، تبرز أربعة سيناريوهات محتملة لما قد تسفر عنه الأحداث المتلاحقة في الأراضي الإيرانية قريباً. يستهل الكاتب رؤيته بالسيناريو الأكثر تفاؤلاً وهو تغيير النظام من الداخل عبر ثورة شعبية عارمة يغذيها الغضب المتراكم لدى الجماهير الطامحة للحرية. يتصور ستيفنز انضمام عناصر من الشرطة والجيش إلى المسيرات الشعبية مما يؤدي إلى سقوط مدوٍ لسلطة رجال الدين في طهران.

​يعتمد هذا التصور المتفائل على توفر دعم جوي أمريكي وإسرائيلي يحمي المتظاهرين ويشل حركة القمع التي قد يمارسها الحرس الثوري ضد المدنيين العزل. ورغم جاذبية هذا الطرح، يحذر الكاتب من الركون الكلي إليه نظراً لامتلاك النظام الإيراني حوافز قوية وأدوات قمعية تجعله يتشبث بالسلطة حتى الرمق الأخير. يظل الترقب سيد الموقف بانتظار شرارة قد تشعل فتيل التغيير الجذري الذي يطمح إليه خصوم طهران في المنطقة.

تعديل السلوك وتحديات خلافة المرشد

​ينتقل التحليل إلى السيناريو الثاني الذي يفترض بقاء النظام الحالي في السلطة مع إجباره على إجراء تعديلات جوهرية في سياساته العدائية تجاه الجيران. يتضمن هذا المسار امتثال طهران الكامل للمطالب الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة ببرامجها النووية والصاروخية المثيرة للجدل. لكن الكاتب يشكك في إمكانية قبول المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بتقديم مثل هذه التنازلات المؤلمة التي قد تقوض شرعية نظامه العقائدي والسياسي.

​إن التخلي عن دعم الوكلاء الإقليميين مثل حزب الله يمثل انتحاراً سياسياً للنظام الذي بنى نفوذه الخارجي على هذه الأذرع العسكرية لسنوات طويلة. وفي حال رفض المرشد الجديد هذه الشروط، فإن المواجهة العسكرية قد تستمر لأسابيع إضافية لتكثيف الضغط الميداني على مراكز القرار. يسعى المجتمع الدولي من خلال هذه الضغوط إلى بلوغ لحظة نهاية الحرب عبر تسوية تضمن تجريد إيران من مخالبها النووية وطموحاتها التوسعية المهددة.

​يتطلب نجاح هذا السيناريو تماسكاً في الجبهة الدولية وقدرة على فرض عقوبات ذكية تشل قدرة النظام على تمويل أنشطته العسكرية في الخارج. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول مدى قدرة مجتبى خامنئي على المناورة بين ضغوط المتشددين في الداخل ومتطلبات البقاء في محيط معادٍ. إن غياب المرونة السياسية قد يدفع بالصراع نحو آفاق أكثر دموية وتدميراً للمقدرات الإيرانية والبنية التحتية الحيوية للبلاد.

وهم الانتصار وشبح انهيار الدولة

​يتناول السيناريو الثالث وضعاً رمادياً تعلن فيه جميع الأطراف المنخرطة في الصراع تحقيق انتصاراتها الخاصة دون حسم حقيقي على أرض الواقع الميداني. يرى ستيفنز أن هذا المخرج لن يرضي طموحات دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو اللذين يسعيان لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة وحاسمة. ومن الصعب تخيل توقف العمليات القتالية قبل توجيه ضربات قاصمة للمواقع النووية المتبقية التي تمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي الإسرائيلي.

​قد يؤدي استهداف المنشآت النووية إلى تسريع وتيرة انهيار النظام الحاكم في غضون سنوات قليلة نتيجة الضعف العسكري وفقدان الهيبة السياسية أمام الشعب. لكن هذا المسار يحمل في طياته وجهاً مظلماً يتمثل في احتمال انهيار الدولة وتحول إيران إلى ساحة لحرب أهلية مدمرة شبيهة بالنموذج السوري. في هذا الوضع، قد ينجو النظام في جيوب جغرافية معينة بينما تسقط مناطق أخرى في يد قوى معارضة ومسلحة.

​إن تحول إيران إلى دولة فاشلة سيستدعي بالضرورة تدخلاً أجنبياً واسعاً لمنع وقوع مجازر كبرى أو تسرب أسلحة دمار شامل إلى جماعات متطرفة. ورغم أن إسرائيل قد لا تمانع إضعاف الدولة الإيرانية إلى هذا الحد، إلا أن الولايات المتحدة وحلفاءها العرب يخشون الفوضى. إن غياب الاستقرار في بلد بحجم إيران سيحول دون تحقيق أي هدوء مستدام في الشرق الأوسط وسيهدد إمدادات الطاقة العالمية.

خطة جزيرة خرج والضربة الاقتصادية القاضية

​يقدم الكاتب في السيناريو الرابع مقترحاً عملياً يركز على شل القدرات المالية للنظام الإيراني عبر السيطرة على مفاصل الاقتصاد الحيوية في الخليج. يقترح ستيفنز سيطرة القوات الأمريكية على جزيرة خرج التي تعد الشريان التاجي لتصدير النفط الإيراني بنسبة تصل إلى تسعين بالمئة. إن التحكم في هذه الجزيرة يعني تجفيف منابع تمويل الحرس الثوري ومنع الدولة من دفع رواتب الجنود والموظفين المدنيين في الدوائر الحكومية.

​يتكامل هذا التحرك مع فرض حصار بحري شامل وزرع ألغام في الموانئ المتبقية لمنع أي محاولات لتهريب النفط أو استيراد معدات عسكرية حساسة. يهدف هذا المسار إلى تدمير الخبرات العسكرية والنووية مع تهديد النظام بقصف مستمر ومكثف حتى يرضخ للمطالب الدولية دون قيد أو شرط. يرى الكاتب أن هذا هو الطريق الأكثر واقعية لتحقيق نصر بتكلفة بشرية ومادية محدودة مقارنة بالحروب الشاملة والتقليدية.

​تمنح هذه الخطة الشعب الإيراني أفضل فرصة للتحرر من القيود المفروضة عليه عبر إضعاف القبضة الأمنية للنظام المعتمد بشكل أساسي على التمويل النفطي. إن عجز السلطة عن تلبية الاحتياجات الأساسية سيؤدي حتماً إلى تآكل الولاءات داخل الأجهزة الأمنية مما يمهد الطريق لنهاية الحرب بشكل يحفظ كرامة المواطنين. تبقى العبرة في التنفيذ الدقيق والقدرة على إدارة التبعات الاقتصادية العالمية التي قد تنتج عن تعطل تدفقات الخام الإيراني.

بين النصر السريع وكابوس حرب العراق

​في الختام، يؤكد بريت ستيفنز أن نتيجة المواجهة الحالية قد تكون إيجابية إذا تم حسمها في إطار زمني لا يتجاوز الشهر الواحد من العمليات. تكمن الخشية الكبرى لدى منتقدي الخيارات العسكرية في تحول الصراع إلى كارثة طويلة الأمد تستنزف الموارد العالمية كما حدث سابقاً في العراق. إن التخطيط الدقيق وتحديد الأهداف بوضوح هو الضمان الوحيد لتجنب الانزلاق نحو مستنقع الفوضى التي لا تخدم سوى القوى المتطرفة.

​تظل نهاية الحرب معلقة بين إرادة التغيير الدولية وقدرة النظام الإيراني على المناورة والتحمل تحت وطأة العقوبات والضربات العسكرية المتلاحقة على منشآته. إن مستقبل الشرق الأوسط يعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة هذه الأزمة واختيار السيناريو الذي يحقق أقصى قدر من الأمن بأقل الخسائر. سيبقى العالم يراقب بحذر مآلات هذه المواجهة التي ستعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للعالم أجمع في العقود القادمة من الزمن.

​إن الوصول إلى لحظة نهاية الحرب يتطلب شجاعة سياسية ورؤية استراتيجية تتجاوز مجرد العمل العسكري إلى بناء بديل سياسي وطني وقوي داخل إيران. فالرهان الحقيقي ليس فقط في تحطيم الآلة العسكرية، بل في كسب عقول وقلوب الإيرانيين التواقين للانضمام إلى ركب المجتمع الدولي الحديث. فقط عندها يمكن القول إن الحرب قد انتهت فعلياً بانتصار قيم الحرية والاستقرار والازدهار المشترك لجميع شعوب المنطقة المنكوبة بالصراعات.