ثمن المبادئ.. هل تنجح إسبانيا في الصمود أمام الإكراه الاقتصادي الأمريكي؟
تشهد الساحة الدولية تحولاً دراماتيكياً في العلاقات الدبلوماسية بعد أن أعلنت إسبانيا رسمياً سحب سفيرتها لدى إسرائيل بشكل دائم ونهائي. تعكس هذه الخطوة الجريئة ذروة التوتر الذي يعصف بالعلاقات بين مدريد وتل أبيب، مدفوعاً بمعارضة الحكومة الإسبانية الشديدة للهجمات العسكرية المشتركة ضد إيران. ترفض القيادة الإسبانية الانصياع للضغوط، مؤكدة أن بوصلتها الوحيدة هي الالتزام الصارم بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وحسب تقرير لمراقبين دوليين، فإن المفوضية الأوروبية سارعت للتعبير عن استعدادها الكامل للدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والسياسية. جاء ذلك عقب تهديد صريح أطلقه الرئيس الأمريكي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا رداً على مواقفها السيادية الأخيرة. وأكد المتحدث باسم المفوضية أولوف غيل أن الاتحاد يقف صفاً واحداً مع مواطني إسبانيا، مشدداً على جهوزية السياسة التجارية المشتركة للرد على أي محاولات إكراه خارجي.
حشد أوروبي خلف الموقف الإسباني
أجرى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز للتأكيد على تضامن القارة العجوز مع إسبانيا. وأوضح كوستا أن حماية مصالح الدول الأعضاء تظل أولوية قصوى للاتحاد، ولن يسمح بتهديد استقرار أي دولة بسبب خياراتها السياسية. يعكس هذا الدعم إدراكاً أوروبياً جماعياً لخطورة التهديدات الأمريكية التي تستهدف تقويض استقلالية القرار الوطني داخل دول الاتحاد الأوروبي.
وفي السياق ذاته، لم يتأخر الإليزيه في إعلان تضامن فرنسا الكامل مع الحكومة الإسبانية في مواجهة التهديدات بالإكراه الاقتصادي. وأشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى أن استهداف إسبانيا اقتصادياً يمثل تحدياً للاتحاد الأوروبي بأسره، مما يتطلب رداً موحداً وحازماً. تظهر هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة أن مدريد ليست وحيدة في معركتها من أجل الحفاظ على سيادتها الوطنية ورفض الانجرار إلى صراعات مسلحة جديدة.
أما ألمانيا، فقد عبرت عبر وزير خارجيتها يوهان فاديفول عن دعمها المطلق لموقف إسبانيا الثابت في وجه الحواجز التجارية المحتملة. وأكد فاديفول أن برلين والاتحاد الأوروبي لن يسمحا بحدوث انقسام في الصفوف الأوروبية تحت وطأة الضغوط الخارجية المستمرة. يمثل هذا التكاتف رسالة واضحة لواشنطن بأن المساس بمصالح إسبانيا الاقتصادية سيعامل كاعتداء على المنظومة الاقتصادية الأوروبية المتكاملة والموحدة.
ذاكرة الحروب وشعار "لا للحرب"
استحضر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز تجربة بلاده المريرة مع حرب العراق عام 2003 لتوضيح الدوافع العميقة وراء موقف إسبانيا الحالي. وأكد سانشيز عبر منصة "إكس" أن العالم واجه لحظات حرجة مماثلة حين قاد قادة متهورون شعوبهم نحو حروب غير قانونية. وأشار إلى أن تلك المغامرات العسكرية لم تورث المنطقة والعالم سوى الدمار والألم، وهو ما ترفض حكومته تكراره اليوم.
وشدد سانشيز على أن جواب إسبانيا اليوم هو ذاته الذي صدحت به الحناجر قبل عقدين: "لا لانتهاك القانون الدولي". وأوضح أن وهم حل مشكلات العالم عبر القنابل قد تبدد تماماً، ولن تسمح بلاده بتكرار أخطاء الماضي المأساوية. يمثل شعار "لا للحرب" إرثاً سياسياً واجتماعياً عميقاً لليسار الإسباني، الذي يرى في السلام الخيار الوحيد المستدام لحل النزاعات الدولية.
وذكّر رئيس الوزراء الإسبان بلقاء "ثلاثي جزر الأزور" الذي ضم بوش وبلير وأزنار قبيل غزو العراق، محذراً من تحالفات مماثلة. وأوضح أن تلك الحقبة شهدت انقساماً شعبياً كبيراً في إسبانيا بسبب المشاركة العسكرية التي عارضتها الغالبية العظمى من المواطنين. يهدف سانشيز من هذا الربط التاريخي إلى التأكيد على أن موقفه الحالي ينبع من إرادة شعبية حقيقية وتجربة تاريخية قاسية.
تداعيات المشاركة العسكرية والتحول السياسي
عانت إسبانيا قديماً من تبعات الانخراط في صراعات الشرق الأوسط، حيث ربط الكثيرون بين تلك المشاركة وتفجيرات قطارات مدريد عام 2004. تلك الحادثة الأليمة غيرت مسار السياسة الإسبانية، وأدت لوفاة الحزب الشعبي سياسياً في الانتخابات التي تلت الهجمات بثلاثة أيام فقط. ومنذ ذلك الحين، باتت إسبانيا أكثر حذراً وحرصاً على عدم الانخراط في عمليات عسكرية تفتقر للشرعية الدولية الواضحة.
وعقب فوز الحزب الاشتراكي حينها، اتخذ خوسيه لويس ثاباتيرو قراراً فورياً بسحب القوات الإسبانية من العراق استجابة لرغبة الشعب. ورغم التنديد الأمريكي آنذاك، إلا أن إسبانيا أثبتت أن استقلالية قرارها العسكري والسياسي هي الضمانة الحقيقية لأمنها القومي واستقرارها الداخلي. تكرر الحكومة الحالية اليوم ذات النهج، مؤكدة أن السيادة الوطنية لا يمكن المقايضة عليها تحت أي ظرف من الظروف.
وتؤكد مدريد أن رفضها استخدام القواعد العسكرية المشتركة في روتا ومورون للهجوم على إيران يأتي ضمن هذا السياق السيادي. وبالرغم من وجود اتفاقيات دفاعية تعود لعام 1953، إلا أن إسبانيا تشدد على احتفاظها بالسيادة الكاملة على أراضيها ومجالها الجوي. لن تسمح الحكومة بأن تتحول أراضيها إلى منطلق لعمليات عسكرية لا تتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة أو الرؤية الإسبانية للسلام.
التباين مع سياسات ترامب وفنزويلا
تتجلى الفجوة بين سياسات سانشيز وتوجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملفات دولية عديدة، تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل فنزويلا. فقد انتقدت إسبانيا بشدة العمليات العسكرية الأمريكية الرامية لتغيير النظام هناك، معتبرة إياها محاولة للسيطرة على موارد الطاقة الحيوية. وبالرغم من عدم اعترافها بشرعية مادورو، إلا أن إسبانيا ترفض التدخل العسكري الخارجي كأداة للتغيير السياسي في أي دولة.
وفيما يخص القضية الفلسطينية، كانت إسبانيا من أبرز الأصوات الأوروبية المنادية بوقف ما وصفته بـ "الإبادة الجماعية" في قطاع غزة. ولم تكتفِ مدريد بالانتقاد اللفظي، بل بادرت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، مما أثار غضب تل أبيب وأدى لتدهور حاد في العلاقات. ترى إسبانيا أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد والمنطقي لتحقيق سلام دائم وعادل ينهي عقوداً من الصراع والدماء.
كما رفضت إسبانيا الانضمام لمبادرات أمنية وصفتها بالغامضة، مثل "مجلس السلام" في غزة الذي اقترحته الإدارة الأمريكية السابقة والحالية. وتؤكد مدريد أن التزامها بالقانون الدولي يمنعها من الدخول في تحالفات قد تؤدي لتفاقم الأزمات بدلاً من حلها سلمياً. هذا الثبات على المبادئ جعل من إسبانيا لاعباً دولياً يتمتع بمصداقية عالية في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
التوتر الدبلوماسي والمستقبل الغامض
أدى قرار إسبانيا بمنع مرور سفن وطائرات الأسلحة المتجهة لإسرائيل عبر موانئها إلى انفجار أزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع تل أبيب. واتهمت إسرائيل الحكومة الإسبانية بالفساد ومعاداة السامية، وهي اتهامات رفضتها مدريد بشدة، معتبرة إياها محاولة بائسة لتشتيت الانتباه عن الجرائم المرتكبة. ونتيجة لذلك، أصبحت السفارة الإسبانية في تل أبيب تدار بواسطة قائم بالأعمال، مما يعكس قطيعة دبلوماسية شبه كاملة.
ونفى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بشكل قاطع أي ادعاءات أمريكية حول موافقة بلاده على التعاون في ضرب إيران. وأكد ألباريس أن موقف إسبانيا لم ولن يتغير، وأن القواعد العسكرية لن تستخدم في أي عمل يخرج عن نطاق الاتفاقيات. تصر مدريد على أن الشفافية مع الشعب الإسباني هي الركيزة الأساسية التي تنطلق منها في صياغة مواقفها السياسية الخارجية.
وفي نهاية المطاف، تبقى إسبانيا صامدة في وجه العواصف، متمسكة بشعار "لا للحرب" كمنهاج عمل وليس مجرد شعار سياسي عابر. إن التحديات التجارية والضغوط الدبلوماسية لن تثني مدريد عن ممارسة حقها السيادي في اختيار مسار السلام والحوار بعيداً عن القنابل. يثبت الموقف الإسباني أن الدول، مهما بلغت الضغوط، قادرة على حماية مبادئها إذا امتلكت الإرادة السياسية والدعم الشعبي والقاري.