< الأنفاق الخفية تحت طهران… قصة مدينة سرية التي بُنيت في صمت
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

الأنفاق الخفية تحت طهران… قصة مدينة سرية التي بُنيت في صمت

نفق توحيد
نفق توحيد

في قلب العاصمة الإيرانية طهران تتكشف قصة معقدة تدور حول الأنفاق التي امتدت بهدوء تحت شوارع المدينة المزدحمة خلال السنوات الماضية. فقد بدأت هذه الأنفاق كمشاريع عمرانية لتسهيل النقل وتخفيف الازدحام، لكنها تحولت تدريجياً إلى شبكة عميقة من الممرات والمنشآت تحت الأرض، يُعتقد أن بعضها يرتبط بمنشآت أمنية وملاجئ استراتيجية داخل العاصمة.

وفق تقرير لـ وسائل إعلام إقليمية، كشفت الغارة الجوية التي استهدفت في الخامس من مارس الجاري مجمع القيادة المعروف باسم "بيت رهبري" عن تفاصيل جديدة تتعلق بالبنية التحتية تحت الأرض في طهران. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الموقع الذي يعتقد أنه مخصص للمرشد الإيراني قد يكون جزءاً من شبكة الأنفاق التي تمتد في أعماق العاصمة.

ولا يبدو هذا الموقع مجرد ملجأ تقليدي تحت الأرض، بل تشير المعلومات إلى أنه جزء من منظومة واسعة تشبه مدينة كاملة مخفية في الأعماق. فالمداخل والمخارج المتعددة لهذه المنشآت تتوزع في نقاط مختلفة من العاصمة، خاصة قرب المراكز الطبية والجامعات والمؤسسات الحكومية الحساسة.

ويقول خبراء في التخطيط الحضري إن ما يجري تحت طهران خلال العقدين الماضيين قد يكون أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقاً. فالمشاريع العمرانية الضخمة التي شهدتها المدينة وفرت غطاءً مثالياً لتوسيع شبكة الأنفاق وربطها ببعضها ضمن بنية تحتية معقدة.

وقد عاد هذا الملف إلى الواجهة بقوة بعدما بدأت تفاصيل جديدة تتسرب حول المواقع التي قد تكون تعرضت للاستهداف خلال التصعيد الأخير في المنطقة. ومع كل معلومة جديدة تتضح صورة أكثر تعقيداً عن عالم كامل مخفي تحت العاصمة الإيرانية.

الأنفاق في طهران… مدينة خفية تحت الأرض

في يناير الماضي ظهرت واحدة من أكثر المؤشرات إثارة للجدل عندما جرى الكشف عن حفر نفق بطول خمسة آلاف متر تحت سوق طهران الكبير، وهو أحد أقدم وأهم المراكز التجارية في البلاد. وقد أثار هذا الاكتشاف تساؤلات واسعة حول طبيعة المشروع والغرض الحقيقي منه.

حاولت السلطات البلدية في ذلك الوقت احتواء الجدل سريعاً عبر إعلان أن أعمال الحفر تعود إلى إنشاء مستودعات تحت المتاجر. غير أن حجم النفق وطبيعته التقنية دفع كثيراً من المراقبين إلى التشكيك في هذا التفسير الرسمي.

ومع تزايد النقاش بدأت تظهر فرضيات تشير إلى احتمال ارتباط هذا النفق بشبكة أكبر من الأنفاق التي تمتد تحت أجزاء مختلفة من العاصمة. ويعتقد بعض الخبراء أن هذه الشبكة ربما تشكل منظومة مترابطة تربط بين مواقع حكومية وتجارية وأمنية.

كما ظهرت تقارير سابقة تتحدث عن وجود منشآت تحت الأرض في مناطق مثل مصلى طهران ومنطقة لويزان. ورغم أن هذه المعلومات لم تؤكد رسمياً فإن تكرارها في أكثر من مناسبة عزز الاعتقاد بوجود بنية تحتية سرية واسعة.

ويشير بعض المتابعين إلى أن فكرة إنشاء منشآت تحت الأرض في طهران ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات طويلة من التخطيط العمراني الذي ركز بشكل كبير على الحفر وبناء الممرات العميقة تحت المدينة.

ضربة جوية تكشف أسرار الأنفاق

خلال ما عرف بحرب الاثني عشر يوماً تسربت معلومات تفيد بأن اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي عقد في موقع تحت الأرض غرب طهران تعرض للاستهداف. وقد استندت بعض التقديرات إلى موقع الضربة الجوية لتحديد مكان المنشأة المحتملة.

وبحسب هذه التقديرات فإن الموقع قد يكون موجوداً أسفل الطريق السريع خرازي، وهو أحد الطرق الحيوية في غرب العاصمة. ويعتقد أن هذا الموقع يضم مخرج طوارئ يقود إلى مجمع "إيران مول" التجاري الضخم.

هذه المعلومات أعادت تسليط الضوء على احتمال وجود شبكة واسعة من الأنفاق تربط بين المنشآت الحكومية ومواقع أخرى داخل المدينة. كما أثارت تساؤلات حول مدى اتساع هذه الشبكة ومدى قدرتها على حماية القيادات والمؤسسات الحساسة.

ويرى بعض الخبراء أن بناء مثل هذه المنشآت تحت الأرض يعد جزءاً من استراتيجيات الدفاع غير التقليدية التي تعتمدها بعض الدول. فالمنشآت العميقة تمنح مستوى أعلى من الحماية في حال وقوع هجمات جوية.

ومع ذلك تبقى تفاصيل هذه المواقع غير واضحة بالكامل، إذ إن معظم المعلومات المتداولة تعتمد على تسريبات وتقارير غير رسمية، وهو ما يجعل صورة الأنفاق تحت طهران مزيجاً من الوقائع والفرضيات.

مشاريع الحفر الكبرى في عهد قاليباف

يربط كثير من المراقبين بين توسع مشاريع الحفر في طهران وفترة تولي محمد باقر قاليباف منصب عمدة المدينة. فقد استمر في هذا المنصب اثني عشر عاماً، وهي فترة شهدت تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة.

تعود بداية تلك المرحلة إلى عام 2005 عندما تولى قاليباف منصبه بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية. وقد جرى تعيينه من قبل مجلس بلدية طهران ثم أعيد تثبيته في المنصب خلال الدورات اللاحقة.

وبحسب القوانين الإيرانية لا يجوز لأي شخص أن يشغل منصب العمدة لثلاث دورات متتالية. إلا أن هذا القيد لم يطبق في حال قاليباف، إذ جرى تمديد بقائه في المنصب عام 2013 بدعم من شخصيات سياسية نافذة.

خلال تلك السنوات رفع قاليباف شعار "الإدارة الجهادية" الذي أصبح عنواناً لسياساته في إدارة المدينة. وقد ترافق هذا الشعار مع إطلاق مشاريع ضخمة شملت الطرق السريعة والجسور والعديد من الأنفاق الجديدة.

ومن أبرز هذه المشاريع نفق توحيد الذي افتتح عام 2009 ليربط الطريق السريع شمران في شمال طهران بالطريق السريع نواب في الجنوب. وقد اعتبر آنذاك أحد أكبر مشاريع النقل الحضري في العاصمة.

كما افتتح لاحقاً نفق نيايش ضمن مشروع صدر–نيايش الضخم الذي ربط بين عدد من الطرق السريعة في المدينة. وقد مر هذا النفق تحت عدة أحياء رئيسة في طهران.

وفي السنوات الأخيرة من ولاية قاليباف أنجز أيضاً نفق أمير كبير الذي ربط الطريق السريع الإمام علي بالطريق السريع الشهيد محلاتي، ضمن شبكة طرق معقدة تهدف إلى تخفيف الازدحام المروري.

المترو بوابة التوسع في الأنفاق

لم يقتصر الاهتمام بالحفر خلال تلك الفترة على الأنفاق المرورية فقط، بل امتد أيضاً إلى مشاريع مترو طهران. فقد شهدت المدينة توسعاً كبيراً في شبكة المترو مع تشغيل خطوط جديدة وتوسعات متعددة.

خلال تلك المرحلة جرى تشغيل الخطين الثالث والسابع من المترو إضافة إلى توسعات في الخطوط الأخرى. وقد رافق ذلك شعار طموح رفعته البلدية يقضي بإنشاء محطة مترو جديدة كل ثلاثين يوماً.

لكن هذا النهج أثار انتقادات داخل قطاع النقل نفسه. فقد رأى بعض المسؤولين السابقين أن التركيز كان منصباً على حفر الأنفاق أكثر من تطوير منظومة النقل وتشغيل القطارات بكفاءة.

وكشف الرئيس السابق لشركة مترو طهران أن الموارد لم تكن كافية لشراء القطارات والعربات الجديدة. ونتيجة لذلك واجه الركاب فترات انتظار طويلة في بعض الخطوط الجديدة.

كما تبين لاحقاً أن بعض المحطات افتتحت قبل اكتمال تجهيزها بالكامل، وهو ما تسبب في مشكلات تشغيلية متعددة في بداية عمل بعض الخطوط.

دور الحرس الثوري في مشاريع البنية التحتية

بالتوازي مع توسع مشاريع الحفر برز دور الحرس الثوري الإيراني في تنفيذ المشاريع العمرانية الكبرى داخل طهران. فقد أصبح الذراع الاقتصادي للحرس المعروف باسم مقر خاتم الأنبياء أحد أبرز المتعاقدين في مشاريع البنية التحتية.

حصل هذا المقر على عدد كبير من العقود المتعلقة ببناء الطرق السريعة والأنفاق وخطوط المترو. وفي كثير من الحالات جرى إسناد المشاريع مباشرة إليه دون المرور بإجراءات المناقصات المعتادة.

وفي عام 2021 كشف عضو مجلس مدينة طهران محمد جواد حق‌شناس عن تفاصيل مالية تتعلق بهذه العقود. وأوضح أن البلدية وقعت اتفاقات سرية مع مقر خاتم الأنبياء تجاوزت قيمتها الموازنة السنوية للمدينة.

وشملت تلك الاتفاقات عقود تمويل عرفت باسم فاينانس 1 وفاينانس 2. وقد جرى تمويل المشاريع من خلالها عبر بيع حقوق البناء ورفع الكثافة العمرانية في مناطق مختلفة من العاصمة.

ويرى منتقدون أن هذه السياسة التي عرفت باسم بيع المدينة سمحت بتنفيذ مشاريع ضخمة بعيداً عن رقابة المجلس البلدي، وهو ما زاد الغموض حول طبيعة بعض المشاريع تحت الأرض.

آلات الحفر العملاقة ومخاطر العمل تحت الأرض

في قلب تلك المشاريع كانت تعمل آلات الحفر العملاقة المعروفة باسم تي بي إم. وهي معدات ضخمة قادرة على حفر الأنفاق وتركيب الجدران الخرسانية في الوقت نفسه أثناء تقدمها تحت الأرض.

يصل قطر هذه الآلات إلى نحو تسعة أمتار، ويمكنها التقدم بسرعة تصل إلى عشرين متراً يومياً. وقد سمحت هذه التكنولوجيا بتنفيذ مشاريع الأنفاق بسرعة غير مسبوقة في طهران.

ورغم العقوبات الدولية المفروضة على إيران خلال العقد الماضي تمكنت بلدية طهران من استيراد عدد من هذه الآلات وقطعها الاحتياطية بحجة استخدامها في مشاريع المترو.

لكن عمليات الحفر لم تكن خالية من المخاطر. فقد سجلت حالات تسرب لمياه الصرف الصحي واهتزازات في بعض المباني القديمة داخل الأحياء التاريخية للمدينة.

وقد ظهرت هذه المشكلات خصوصاً في مناطق مركزية مثل منيرية ومولوي حيث المباني القديمة والبنية التحتية الهشة. وهو ما أثار قلق السكان من تأثير الحفر المستمر تحت منازلهم.

ومع كل هذه التطورات بقيت قصة الأنفاق تحت طهران واحدة من أكثر الملفات غموضاً في تاريخ المدينة الحديث. فهي تجمع بين مشاريع النقل الضخمة والاعتبارات الأمنية والاستراتيجيات العسكرية.

واليوم، ومع عودة الحديث عن المواقع السرية تحت الأرض، تبدو هذه الأنفاق أكثر من مجرد بنية تحتية للنقل، بل ربما جزءاً من مدينة خفية شُيدت بصمت تحت العاصمة خلال سنوات طويلة.