< حصار الأمواج ورصاص الاحتلال.. صيادو غزة يواجهون الموت بحثاً عن لقمة العيش
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

حصار الأمواج ورصاص الاحتلال.. صيادو غزة يواجهون الموت بحثاً عن لقمة العيش

الصيد في غزة
الصيد في غزة

​​تتلاطم أمواج البحر العاتية قبالة سواحل غزة حاملة معها حكايات قهر مستمرة لا تنتهي لصيادين فلسطينيين باتوا ممنوعين تماما من ملامسة المياه التي كانت يوما مصدر حياتهم الوحيد وتتصاعد قسوة هذا المشهد اليومي مع استمرار حرمان هؤلاء العمال الكادحين من النفاذ إلى عمق البحر أو حتى التواجد على شواطئه القريبة لتأمين قوت يومهم وعائلاتهم وسط ظروف معيشية واقتصادية هي الأصعب والأكثر مرارة على الإطلاق منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية المدمرة.

​حسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل استهداف صيادي القطاع المحاصر بشكل مباشر ومكثف ويومي باستخدام الأعيرة النارية الحية أو عبر تنفيذ حملات اعتقال تعسفية ومهينة تطال الباحثين عن رزقهم وتوجه السلطات الإسرائيلية لهؤلاء العمال تهمة مخالفة تعليمات منع الصيد أو حتى ممارسة الغوص البسيط وتتعدى هذه الإجراءات القمعية لتشمل فرض قيود صارمة للغاية على المواطنين العاديين وتحرمهم من ممارسة السباحة بشكل شبه كامل.

​لم تشفع فترات الهدنة الإنسانية المتقطعة التي تم إقرارها سابقا أو حتى اتفاق وقف إطلاق النار الشامل الذي تم التوصل إليه في شهر أكتوبر الماضي في التخفيف من وطأة هذا الحصار البحري الخانق المفروض عليهم بل على العكس تماما زادت وتيرة الملاحقة والتضييق الأمني لتبدد أي بارقة أمل متبقية لدى الصيادين في العودة إلى ممارسة مهنتهم المتوارثة واستئناف دورة حياتهم الطبيعية التي توقفت قسرا بفعل آلة الحرب.

​أحلام غارقة ومراكب محطمة

​يجسد الصياد نافذ جربوع البالغ من العمر ثلاثة وخمسين عاما والمقيم في أزقة مخيم الشاطئ للاجئين غرب المدينة مأساة حقيقية تمثل آلاف الأسر التي فقدت مصدر رزقها الأساسي فقد أقدمت الزوارق الحربية الإسرائيلية على تدمير مركبه بالكامل خلال أيام الحرب القاسية تاركة إياه يواجه مصيرا مجهولا ومظلما مع عائلة كبيرة وممتدة يعيلها وتتكون من ستة عشر فردا ينتظرون منه توفير أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.

​يشارك جربوع في هذه المحنة المستمرة أربعة من أفراد أسرته الشبان الذين كانوا يعملون معه جنبا إلى جنب في مهنة الصيد الشاقة والخطيرة واليوم يجدون أنفسهم جميعا محاصرين بظروف معيشية قاسية ومؤلمة للغاية بعد أن توقف مصدر دخلهم المالي تماما وأصبحت تلبية الاحتياجات الأساسية واليومية للعائلة شبه مستحيلة في ظل الانهيار الشامل للمنظومة الاقتصادية وشح الموارد الأساسية في كافة أرجاء القطاع المدمر والمحاصر.

​مع بدء الهدنة الإنسانية الأولى في شهر يناير من العام الجاري حاول جربوع التشبث بأمل العودة إلى مياه البحر مستعينا بمركب صيد يعود لعائلة جيرانه المكلومة التي فقدت أبناءها الصيادين برصاص القوات الإسرائيلية لكن هذه المحاولة الشجاعة اصطدمت بواقع أمني مرير حيث تفاجأ الجميع بقرار حرمانهم المطلق من الصيد وتجدد التهديدات العسكرية باستهداف وقتل كل من يقترب من المياه بأي شكل من الأشكال.

​ملاحقة مستمرة رغم وقف النار

​تجدد الأمل الخافت في نفوس الصيادين بعد الإعلان الرسمي عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ظنا منهم أن البحر سيفتح ذراعيه مجددا لمراكبهم وشباكهم المتعبة لكن جربوع والآلاف من زملائه الكادحين اصطدموا بقيود شديدة وإجراءات عسكرية إسرائيلية صارمة حالت دون قدرتهم على الإبحار بحرية واقتصرت محاولاتهم اليائسة على العمل بحذر شديد وخوف دائم في مساحات بحرية ضيقة للغاية لا تلبي طموحاتهم المهنية.

​حاول جربوع برفقة أبنائه استئناف نشاطهم البحري المعتاد في مسافة قصيرة لا تتجاوز ميلا بحريا واحدا بالقرب من الشواطئ الملاصقة لسواحل المدينة أملا في اصطياد القليل مما يسد رمق عائلتهم غير أن الزوارق الحربية الإسرائيلية كانت لهم بالمرصاد دوما حيث لاحقتهم باستمرار وبلا هوادة عبر إطلاق النار الكثيف ومحاولات الاعتقال المتكررة ومصادرة ما تبقى لديهم من معدات صيد ومراكب خشبية متهالكة وبدائية الصنع.

​أمام هذا الانسداد التام لكافة سبل الصيد بالطرق التقليدية وتراجع نشاط صيادي القطاع بشكل ملحوظ ومخيف وتقلص مساحات الصيد المسموح بها إلى أقل من ميل بحري واحد اضطر الكثيرون للبحث عن بدائل محفوفة بالمخاطر فكان الخيار الوحيد هو اللجوء إلى ممارسة الغوص الحر باستخدام أدوات بدائية وبسيطة جدا في محاولة يائسة لتجنب الملاحقة المرئية أو الاستهداف المباشر بالرصاص من قبل أطقم الزوارق الحربية.

​بدائل بدائية في بحر غزة

​لم يكن الغوص في مياه غزة حلا سحريا لهذه الأزمة الخانقة بل فرض واقعا جديدا من الحرمان الاقتصادي إذ يشير الصيادون بمرارة إلى أن هذه الطريقة قيدت قدرتهم على الوصول إلى أسماك ذات جودة عالية أو كميات وفيرة وكل ما يستطيعون اصطياده في الوقت الحالي ينحصر فقط في أسماك السردين الصغيرة التي تتواجد قرب الشاطئ والتي لا تحظى للأسف بإقبال تجاري كبير بين المواطنين.

​يعكس هذا التحول القسري والمؤلم في طرق الصيد حجم المعاناة اليومية التي يكابدها عمال البحر فما يجنونه من الغوص المتعب بالكاد يكفي لتوفير وجبة طعام متواضعة جدا لأطفالهم الجياع ولا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة في مجتمع مدمر يعاني أصلا من ويلات الحرب والدمار الشامل وارتفاع معدلات البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي إلى مستويات قياسية وغير مسبوقة في التاريخ الحديث للمنطقة.

​تؤكد البيانات الرسمية المروعة الصادرة عن نقابة الصيادين حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بهذا القطاع الحيوي والمهم فقد كان يضم قبل اندلاع الحرب الأخيرة أكثر من خمسة آلاف صياد يعتمدون بشكل كلي على عطاء البحر وقد دفع هؤلاء ضريبة باهظة جدا من دمائهم وأرواحهم حيث قتل ما لا يقل عن مائتين وخمسة وثلاثين صيادا خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة والمكثفة على القطاع.

​دماء في عرض البحر المفقود

​تشير الإحصائيات الدقيقة إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء الضحايا الأبرياء قضوا نحبهم جراء عمليات القصف العشوائية والمكثفة التي طالت منازلهم الآمنة أو بيوت أقاربهم ومراكز الإيواء المختلفة كما تم توثيق مقتل أربعين صيادا وإصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة أثناء محاولتهم العمل في البحر على مسافات قصيرة جدا لا تتجاوز في بعض الأحيان مائتي متر فقط من الشاطئ بحثا عن رزقهم المفقود.

​إلى جانب حوادث القتل والإصابة المروعة تعرض العديد من الصيادين لحملات اعتقال تعسفية وممنهجة حيث وثقت النقابة اعتقال نحو ثلاثة وأربعين صيادا من قبل القوات الإسرائيلية ويعد الشاب محمد الهبيل البالغ من العمر واحدا وثلاثين عاما واحدا من هؤلاء الضحايا الذين تجرعوا مرارة الاعتقال القاسي أثناء محاولته الإبحار قبالة سواحل المخيم الذي يقطن فيه للبحث عن لقمة عيش تسد جوع أطفاله.

​روى الهبيل تفاصيل قاسية جدا عن رحلة عذاب طويلة ومؤلمة عاشها داخل أقبية السجون الإسرائيلية المظلمة بعد اعتقاله التعسفي مع اثنين من أقاربه موضحا بشفافية أن التحقيقات لم تتطرق مطلقا إلى نشاطه المهني في الصيد بل تركزت أساسا على محاولة ابتزازه لانتزاع معلومات أمنية سرية حول عناصر فصائل المقاومة في منطقته السكنية وهو ما يعكس استغلال الاحتلال البشع لحاجة هؤلاء العمال الماسة.

​يؤكد الصيادون المفرج عنهم حديثا أن القوات الإسرائيلية تتعمد استهداف العاملين في بحر غزة بشكل منهجي حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة في مسعى دائم لاعتقالهم ومحاولة تجنيدهم للعمل لصالحها تحت وطأة الضغط والترهيب المباشر وقد أفضت هذه الممارسات التعسفية إلى إجبار الآلاف على ترك مهنتهم التاريخية والانضمام قسرا إلى جيش البطالة الكبير الذي يتسع ويتضخم يوما بعد يوم في كافة أرجاء القطاع المحاصر.

​حرب التجويع وتدمير البنية التحتية

​يتساءل العمال بحرقة وألم شديدين عن الدور الغائب للجهات الدولية والإقليمية الراعية لاتفاقيات وقف إطلاق النار في توفير الحد الأدنى من الأمن والأمان للسكان والسماح لهم بالإبحار لمسافات قريبة جدا لا تتجاوز ثلاثة أميال بحرية وهي مساحة بحرية يؤكدون بثقة أنها لن تشكل أي خطر أمني يذكر على القوات الإسرائيلية المدججة بالسلاح ولكنها قد تنقذ آلاف العائلات المشردة من شبح الجوع والموت البطيء.

​يرى رئيس نقابة العاملين بقطاع الصيد زكريا بكر بوضوح تام أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد حرمان الصيادين من الوصول إلى مياه البحر بهدف تجويعهم وإذلالهم الممنهج في إطار سياسة عقاب جماعي شاملة ومدروسة ضد السكان ويؤكد بقوة أن استمرار هذا المنع الجائر رغم إعلان وقف إطلاق النار يكشف عن نية مبيتة وخبيثة لتدمير ما تبقى من منظومة قطاع الصيد المتهالكة أصلا بسبب سنوات الحصار الطويلة.

​يصف بكر ما يحدث على أرض الواقع بأنه عملية إبادة جماعية صامتة وبطيئة تستهدف شريحة الصيادين عبر قطع أرزاقهم وتجفيف كافة مصادر دخلهم المالي مشيرا إلى أن كل عامل في هذا القطاع الحيوي يعيل عائلة لا يقل عدد أفرادها عن أربعة أشخاص وهؤلاء يعتمدون كليا على مردود بيع الأسماك التي باتت مفقودة فعليا من الأسواق المحلية بسبب القبضة الإسرائيلية الحديدية على كافة السواحل.

​تتطابق هذه التصريحات النقابية الهامة مع توثيقات وتقارير مركز غزة لحقوق الإنسان الذي أكد بيقين أن الإجراءات العسكرية الإسرائيلية وصلت إلى مرحلة متقدمة من القيود المشددة الهادفة إلى التدمير الشامل والكامل للبنية التحتية لقطاع الصيد الحيوي وذلك بهدف تعميق سياسة التجويع الممنهجة وتحويلها لتكون أداة فتاكة ورئيسية من أدوات الحرب المستمرة والمدمرة بحق آلاف الأسر الفلسطينية البريئة المعتمدة في حياتها على البحر.

​وثق المركز الحقوقي المستقل قيام القوات الإسرائيلية بتدمير زوارق الصيد الكبيرة المعروفة محليا بلنشات الجر والشناصيل والتي تعتبر بمثابة العمود الفقري لعمليات الإنتاج السمكي وقد تم تدميرها بشكل منهجي ومقصود داخل الميناء الرئيسي ومراسي المدن الجنوبية مثل خان يونس ورفح مما أدى وبشكل مباشر إلى إخراجها من الخدمة نهائيا وشل قدرة القطاع بأكمله على التعافي السريع وتلبية أبسط احتياجات السكان المحليين من الغذاء.

​لم يقتصر هذا الدمار الممنهج على المراكب الكبيرة فحسب بل امتد بقسوة ليشمل تدمير أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من قوارب الصيد الصغيرة وما يزيد على مائة لنش خشبي بالإضافة إلى تخريب شامل لكافة معدات الصيد وشباك الغزل وتدمير ورش صناعة وصيانة القوارب ليجد الصياد نفسه في نهاية المطاف مجردا من كل أدوات عمله يقف عاجزا ومقهورا أمام بحر مغلق وأفق مستقبلي مسدود.