< من خنادق الحرس الثوري إلى صفقات واشنطن.. المسار الغامض لطموحات رئيس البرلمان الإيراني
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

من خنادق الحرس الثوري إلى صفقات واشنطن.. المسار الغامض لطموحات رئيس البرلمان الإيراني

رئيس البرلمان الإيراني
رئيس البرلمان الإيراني

​تتسارع دقات الساعة السياسية في أروقة صنع القرار بين واشنطن وطهران، حيث تبرز ملامح استراتيجية أميركية جديدة يقودها الرئيس دونالد ترمب تهدف إلى إعادة صياغة المشهد الإيراني من الداخل عبر رهان مثير للجدل على رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. ويبدو أن الإدارة الأميركية، المنتشية بنجاح تجربتها في فنزويلا، تبحث عن "رجل الدولة" القادر على القفز من سفينة النظام الغارقة إلى بر الأمان الأميركي لضمان استقرار البلاد.

​وحسب تقرير لـ "ميدل إيست آي" وصحيفة "اندبندنت عربية"، فإن الشواهد الحالية تشير إلى أن واشنطن لم تعد تكتفي بالضغط الخارجي، بل بدأت في نسج خيوط تواصل غير مباشرة مع رئيس البرلمان الإيراني ليكون بديلاً محتملاً يمنع حدوث فوضى عارمة. إن المقاربة الأميركية تعتمد على تحييد القوى العسكرية الكبرى عبر استقطاب شخصيات براغماتية تمتلك خلفية عسكرية قوية، وهو ما ينطبق تماماً على تاريخ قاليباف المهني.

​وتعود جذور هذه الخطة إلى العملية الاستخباراتية المعقدة التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث اعتمد ترمب حينها على شخصية من صلب النظام هي ديلسي رودريغيز لتولي زمام الأمور. واليوم، تتوجه الأنظار نحو رئيس البرلمان الإيراني بصفته المرشح الأوفر حظاً للعب هذا الدور المحوري، مستفيداً من نفوذه الواسع في الحرس الثوري وعلاقاته الممتدة داخل المؤسسات التشريعية والسياسية التي تمنحه شرعية التحرك.

​إن استراتيجية ترمب في التعامل مع الملف الإيراني تجاوزت مرحلة "الضغط الأقصى" لتصل إلى مرحلة "التغيير من الداخل" عبر وسطاء دوليين، تماماً كما حدث في القنوات القطرية مع فنزويلا. وفي هذا السياق، يبرز اسم رئيس البرلمان الإيراني كحلقة وصل محتملة، خاصة وأنه أثبت قدرة فائقة على المناورة السياسية طوال عقود، متنقلاً بين المناصب العسكرية والمدنية ببراعة تضمن له البقاء دائماً في دائرة النفوذ.

​كواليس الاستثناء الأميركي ولغز القوائم السوداء

​تثير التحركات الأميركية الأخيرة تساؤلات عميقة حول طبيعة التفاهمات السرية، خاصة بعد صدور قائمة "مكافآت من أجل العدالة" التي استهدفت كبار قادة النظام الإيراني واستثنت بشكل ملحوظ رئيس البرلمان الإيراني. هذا التجاهل المتعمد لم يكن هفوة إدارية، بل يراه المحللون رسالة سياسية مشفرة تؤكد أن واشنطن تفتح باباً خلفياً للتفاوض مع الرجل الذي تراه أكثر براغماتية وقدرة على قيادة مرحلة انتقالية هادئة.

​بينما كانت الطائرات والمسيرات الأميركية تستهدف مواقع وشخصيات مرتبطة بالحرس الثوري، ظل محمد باقر قاليباف بعيداً عن دائرة النار، مما عزز فرضية وجود تفاهمات ضمنية تحميه من الاستهداف المباشر. ويرى مراقبون أن هذا الاستثناء يمنح قاليباف مساحة من المناورة أمام خصومه في الداخل، بينما يرسخ صورته لدى الغرب كشريك محتمل يمكن الوثوق به في ترتيبات ما بعد مرحلة التصعيد العسكري الحالية.

​إن غياب اسم قاليباف عن القوائم التي ضمت شخصيات بوزن مجتبى خامنئي وعلي لاريجاني يعكس رغبة أميركية في الحفاظ على شعرة معاوية مع تيار معين داخل طهران. ويبدو أن واشنطن تراهن على طموح قاليباف القديم في الوصول إلى سدة الرئاسة، وهو الطموح الذي طالما اصطدم بجدران "مجلس صيانة الدستور" وتوازنات القوى التقليدية التي كانت تفضل الوجوه الأكثر راديكالية وأيديولوجية.

​البراغماتية العسكرية وتاريخ من التحولات السياسية

​يمتلك محمد باقر قاليباف سيرة ذاتية تجمع بين الصرامة العسكرية والقدرة الإدارية، فهو القائد السابق لسلاح الجو في الحرس الثوري ومدير الشرطة الأسبق الذي نجح في تحديث المؤسسة الأمنية. هذه الخلفية تجعله الشخص الوحيد القادر على تأمين ولاء القوات المسلحة في حال حدوث أي تحول سياسي كبير، وهي الميزة التي تلهث خلفها الاستخبارات الأميركية لضمان عدم انزلاق إيران نحو حرب أهلية مدمرة.

​وعلى رغم تاريخه في قمع الاحتجاجات الطلابية عام 1999، إلا أن الدبلوماسيين الغربيين طالما وصفوه بالرجل "التكنوقراط" الذي يفضل الحلول العملية على الشعارات الثورية الجوفاء التي يتبناها الجناح المتشدد. ويرى البعض أن قاليباف يرتدي قناع الولاء للنظام كدرع يحميه، بينما يتحرك في الخفاء لبناء تحالفات تمكنه من القفز إلى القيادة عند أول بادرة لضعف المركز، مستنداً إلى شبكة مصالح اقتصادية وسياسية واسعة.

​وتشير التقارير إلى أن طموحات قاليباف لم تتوقف يوماً رغم خساراته المتكررة في الانتخابات الرئاسية، بل كان يعتبر كل إخفاق بمثابة درس في فن الممكن وتراكم للخبرات السياسية. واليوم، يجد نفسه أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، حيث تتقاطع مصالحه الشخصية مع رغبة واشنطن في إيجاد مخرج للأزمة الإيرانية يضمن تغيير السلوك السياسي دون تدمير هيكل الدولة ومؤسساتها الحيوية.

​مخاطر الرهان الداخلي وصراع الأجنحة المتصاعد

​لا يخلو هذا الرهان الأميركي من مخاطر جسيمة، حيث يراقب الحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية الإيرانية تحركات قاليباف بدقة متناهية، وسط شكوك متزايدة حول نياته الحقيقية تجاه استقرار النظام ومبادئه. فإذا ما ثبتت صحة التقارير حول تواصله مع واشنطن، فقد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع "صقور النظام" الذين لن يترددوا في إزاحته عن المشهد بتهمة الخيانة العظمى وبيع الثورة مقابل مكاسب شخصية.

​إن الصدام المحتمل بين قاليباف ومنافسيه داخل "بيت المرشد" يعكس حالة الانقسام العميق التي يعيشها النظام الإيراني في مواجهة الضغوط الدولية غير المسبوقة التي يفرضها ترمب. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تظل التساؤلات قائمة حول قدرة قاليباف على موازنة علاقاته الخارجية مع ضرورات البقاء في الداخل، وهل سينجح في تكرار "المعجزة الفنزويلية" أم سيسقط ضحية لرهاناته الجريئة في حقل من الألغام.

​ويبقى السؤال الجوهري في مخيلة صناع القرار في واشنطن هو مدى صدق قاليباف في التخلي عن العقيدة التوسعية لإيران مقابل الاعتراف الدولي بسلطته الجديدة تحت رعاية أميركية كاملة. فالتجربة أثبتت أن رجال النظام قد يغيرون جلودهم للبقاء في السلطة، لكن تغيير القناعات الراسخة يتطلب ضمانات أمنية وسياسية قد لا يملك ترمب تقديمها في ظل تقلبات السياسة الأميركية والرفض الشعبي الإيراني الداخلي.