استراتيجية النفس الطويل: كيف يخطط الحوثيون لإسناد طهران في معركة كسر العظام؟
يتحرك الحوثيون اليوم ضمن خارطة طريق مرسومة بدقة في أروقة صنعاء وطهران، متجاوزين مرحلة الصمت التي أعقبت الضربات الأميركية الإسرائيلية المركزة ضد العمق الإيراني. ولم يكن هذا التريث الحوثي نابعاً من خشية تداعيات الردع العسكري الدولي بقدر ما كان إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى ضمان استدامة المشاغلة العسكرية بما يخدم بقاء نظام المرشد الأعلى في مواجهة العواصف العاتية التي تضرب مفاصل قوته.
حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن الجماعة اتخذت قراراً رسمياً بالوقوف عسكرياً إلى جانب إيران في الحرب الدائرة، وهو ما أكده القيادي محمد البخيتي مشيراً إلى أن ساعة الصفر تقترب. وتأتي هذه الخطوة استجابة مباشرة لدعوة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، مما يعكس ذوبان الفوارق بين الأجندة المحلية اليمنية والمصالح القومية الإيرانية في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة المشتعلة بالصراعات.
تؤكد التحليلات السياسية أن الحوثيون يعملون حالياً تحت إشراف مباشر من غرفة عمليات "المحور" لإدارة ما يسمى بسياسة الرد المتدرج والاقتصاد بالقوة العسكرية المتاحة. ويرى الخبراء أن هذا التنسيق يهدف إلى امتصاص الصدمات الأولية للضربات الجوية ثم البدء في جولات استنزاف طويلة الأمد تنهك الخصوم وتجبرهم على إعادة النظر في حساباتهم الميدانية والسياسية تجاه طهران وحلفائها الإقليميين في المنطقة.
يرى الباحث حسام ردمان أن الجماعة لم تكن في طور تقييم الأخطار الشخصية، بل كانت تنتظر التوقيت العملياتي المناسب لإطلاق شرارة التصعيد الجديد في الممرات المائية. ويبدو أن التقديرات الإيرانية تشير إلى أن الصدام الحالي مرشح للبقاء طويلاً، مما يستدعي تفعيل كافة الأوراق الضاغطة التي يمتلكها الحوثيون في جنوب الجزيرة العربية لخلخلة التوازن العسكري والأمني الذي تحاول واشنطن فرضه.
خيارات التصعيد ومسارح العمليات المفتوحة
إن الدعم الإيراني السخي الذي تدفق على اليمن خلال العقود الماضية حول الجماعة إلى خنجر استراتيجي يمكن استخدامه في اللحظات الحرجة لتهديد أصول القوى الكبرى. ولم يكن احتمال التدخل مفاجئاً للمراقبين، إذ يمثل امتداداً طبيعياً لمسيرة الارتباط العضوي بالثورة الإيرانية، مما يجعل اليمن ساحة متقدمة للدفاع عن طهران في مواجهة أي تهديد وجودي قد يطاول هيكل النظام القيادي بضربات جوية قاصمة.
تشير التوقعات إلى أن التحرك القادم قد يتخذ مسارين، أولهما ممارسة المشاغلة الرمزية عبر استهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة بعيدة المدى لإثبات الحضور. أما المسار الثاني والأخطر فيتمثل في محاولة تغيير قواعد اللعبة كلياً عبر استهداف مصادر الطاقة في الخليج وممرات الملاحة الدولية بكثافة نارية عالية قادرة على تعطيل سلاسل الإمداد العالمية وخلق أزمة اقتصادية دولية خانقة ومؤثرة.
يعتقد مراقبون أن طهران تحاول الحفاظ على شعرة معاوية مع دول الجوار الخليجي، ولذلك قد تؤجل دفع الجماعة نحو استهداف مباشر لتلك الدول في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن الحوثيون يظلون الورقة الأكثر رعباً في يد الحرس الثوري، حيث يمكن تفعيلهم في المراحل النهائية من الحرب لتحسين شروط التفاوض وضمان خروج إيران بمكاسب سياسية تضمن بقاء نفوذها الإقليمي دون تقديم تنازلات جوهرية مؤلمة.
تتزايد المخاوف من تكرار سيناريو استهداف المنشآت الحيوية وقواعد الانطلاق العسكري في المنطقة، خاصة مع استمرار حالة الاستنفار الكامل التي أعلنها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي. وتؤكد التصريحات الحوثية أن "الأيدي على الزناد"، وهو تعبير يعكس الجاهزية التامة لتنفيذ الأوامر القادمة من طهران فور صدور القرار النهائي ببدء الهجوم الشامل الذي قد يغير ملامح الصراع العسكري في الشرق الأوسط.
معادلة الردع وفارق القوة العسكرية
يدرك القادة في صنعاء أن القوة العسكرية الموجهة ضدهم حالياً تختلف جذرياً عما واجهوه في سنوات الحرب السابقة، حيث أصبحت الضربات أكثر دقة وفتكاً بمستودعاتهم الاستراتيجية. وقد أثبتت العمليات الأميركية التي استخدمت قاذفات "بي-2" أن الملاجئ الحصينة تحت الجبال لم تعد توفر الحماية الكافية لصواريخهم، مما يفرض عليهم التفكير بأساليب غير تقليدية في المواجهة القادمة لضمان البقاء والاستمرارية.
يشدد المحللون على أن إيران ليست غزة، وأن استخدام الورقة اليمنية لن يقتصر على العمليات التكتيكية المحدودة ذات الأثر الرمزي التي شهدناها خلال العام الماضي. بل إن الحوثيون مكلفون بمهمة خاصة تتناسب مع حجم التهديد الذي يواجه النظام الإيراني، وهو ما قد يدفعهم إلى الانتحار العسكري في سبيل حماية المركز، حتى لو كان ذلك على حساب مقدرات الشعب اليمني وبنيته التحتية المتهالكة أصلاً.
تظهر الوقائع الميدانية أن الجماعة تعاني من ضغوط داخلية متزايدة نتيجة تفاقم الوضع الإنساني وتفشي الجوع في المناطق الخاضعة لسيطرتها بصورة لم يسبق لها مثيل. ومع ذلك، يبدو أن القرار العسكري منفصل تماماً عن المعاناة الشعبية، حيث يتم تغليب مصلحة "المحور" على حساب لقمة عيش المواطن اليمني، مما يعزز الفجوة بين السلطة القائمة في صنعاء وتطلعات الناس نحو السلام والاستقرار الدائم.
تعتبر المهمة الخاصة التي أشار إليها قيادات الحرس الثوري بمثابة تفويض مفتوح للجماعة للتحرك في الوقت الذي تراه طهران مناسباً لاستعادة توازن القوى المفقود. وهذا يعني أن المنطقة مقبلة على موجة من العنف قد تتجاوز حدود التوقعات، حيث سيتم توظيف كل الإمكانات العسكرية الحوثية في معركة تعتبرها طهران معركة وجود لا تقبل القسمة على اثنين في ظل التهديدات الوجودية الحالية.
استهداف الملاحة وورقة الضغط الدولية
يظل إغلاق مضيق باب المندب الخيار الأكثر ترجيحاً في حال شعرت طهران أن الخناق يضيق عليها وأن إطالة أمد الحرب لم تعد تخدم مصالحها القومية. ويمتلك الحوثيون القدرة على تعطيل حركة السفن التجارية والناقلات النفطية، مما سيؤدي فوراً إلى ارتدادات عالمية تصل إلى قناة السويس وتؤثر على أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، وهو سلاح ضغط لا يمكن الاستهانة بفعاليته السياسية والاقتصادية.
يرى ردمان أن تفعيل هذه الورقة قد يكون بمثابة مساومة كبرى، حيث يتم عرض وقف الهجمات الحوثية مقابل وقف العمليات العسكرية ضد إيران ورفع العقوبات عنها. وفي هذه الحالة، يتحول اليمن إلى مجرد ورقة مقايضة في سوق النفوذ الدولي، حيث تُشترى التهديدات وتُباع مقابل ضمانات أمنية للنظام الإيراني، مما يضع السيادة اليمنية والمصالح الوطنية في مهب الريح أمام رغبات القوى الخارجية.
إن استهداف الملاحة الدولية لا يجلب سوى مزيد من الضربات الجوية التي تنهك القدرات الدفاعية وتدمر ما تبقى من منشآت حيوية في الموانئ اليمنية الرئيسية. ولكن العقيدة القتالية للجماعة لا تضع هذه الخسائر في الحسبان طالما أن العمليات تحقق الغرض المطلوب منها في تخفيف الضغط عن الحليف الإيراني، وهو نهج يعكس مدى التضحية بالمصالح الوطنية في سبيل الولاءات الإيديولوجية العابرة للحدود والجغرافيا.
تتجه الأنظار الآن نحو التحركات الميدانية في البحر الأحمر وبحر العرب لرصد أي بوادر للتصعيد الذي وعد به قادة الجماعة في خطاباتهم الأخيرة والمستمرة. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة ظهور تكتيكات حربية جديدة لم تُستخدم من قبل، تهدف إلى إرباك السفن الحربية الأميركية والبريطانية وإثبات أن القدرة العسكرية الحوثية لا تزال قوية رغم الضربات الجوية القاسية والمتلاحقة التي تعرضت لها مؤخراً.
مستقبل الصراع وتداعيات الانخراط الكلي
يبقى السؤال الأبرز حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الجماعة في مغامرتها العسكرية الجديدة، خاصة مع إدراكهم أن الرد الإسرائيلي قد يطاول الرؤوس القيادية الكبيرة. فقد أدت عمليات الاغتيال السابقة في أغسطس 2025 إلى إرباك صفوفهم، مما جعلهم أكثر حذراً في تحركاتهم الشخصية، لكنهم في الوقت ذاته أكثر اندفاعاً في تنفيذ الأجندة الإيرانية لإثبات الوفاء المطلق لنهج المقاومة المزعوم والممول من الخارج.
إن تداخل الخيوط المحلية والإقليمية يجعل من الصعب التنبؤ بنهاية هذا المسار التصعيدي الذي اختاره الحوثيون بمحض إرادتهم السياسية والعسكرية المرتبطة بالخارج. فالحرب التي يصفونها بأنها "معركة الأمة" قد لا تكون في حقيقتها سوى محرقة للمقدرات اليمنية في سبيل تأمين بقاء نظام طهران، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير الخارطة السياسية والعسكرية في اليمن والمنطقة بشكل جذري ودائم.
تؤكد المؤشرات أن المنطقة تقف على حافة هاوية، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يشعل حريقاً إقليمياً لا يمكن إطفاؤه بسهولة أو السيطرة على شراراته المتطايرة. ومع استمرار التحشيد العسكري وخطاب التهديد، يظل المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الصعبة، منتظراً ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مفاجآت قد تكون قاسية على الجميع دون استثناء في هذا الصراع المفتوح.
في الختام، يظهر أن الجماعة قررت المضي قدماً في طريق اللاعودة، مراهنة على قدرتها على الصمود والمناورة في ظل ظروف جيوسياسية معقدة للغاية وخطيرة. وسواء كان الهدف هو تحسين شروط التفاوض أو الدفاع المستميت عن الحليف، فإن النتيجة المؤكدة هي أن اليمن سيبقى ساحة لتصادم المصالح الكبرى، طالما ظلت القرارات العسكرية والسياسية رهينة لغرف العمليات المشتركة التي تدار من خارج الحدود والبحار.